حوار 'العرب' مع د. الأحمري: الثورة المصرية ستصل طهران

2011-5-15 | حوار 'العرب' مع د. الأحمري: الثورة المصرية ستصل طهران

يتسلح بثقافة تاريخية وإسلامية عميقة، تعينه كثيرا في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، قامة فكرية عربية أصيلة، ينظر إلى الأحداث بطريقة تنبع من شعوره بالمسؤولية، فهو المهموم بشؤون أمته، المدافع عن تاريخها وحاضرها المتطلع إلى مستقبلها، لا يمكن أن تجلس معه دون أن تراجع الكثير مما تعتقد أنه مسلمات، فهو يعطيك الحجة ويدافع عن آرائه بكثير من الحقائق، إنه الدكتور والمفكر الإسلامي محمد بن حامد الأحمري، الذي يعد واحدا من أبرز مفكري الخليج العربي، وربما أكثرهم إثارة للجدل، جدل يتأتى في الغالب من عدم قدرة قارئ أفكاره وكتاباته على الإلمام بها.

الأحمري فتح خزائن أفكاره وآرائه لـ«العرب»، فكان ضيفا قلّما تشعر مع حديثه بالملل، ناقش الثورات العربية برؤية غلبت عليها القدرة العالية على الفهم، وتناول مستقبل الشعوب العربية بعد الثورات، وأيضاً منطقة الخليج العربي التي تمثل عصب العالم، دون أن يترك الإقليم غير العربي، مؤكدا على أهمية الثورة المصرية وقدرتها على التأثير على غير العرب وتحديدا إيران، دون أن يكون خائفا من أي تقارب مصري إيراني، معتقدا أن يد الثورة المصرية ستقرع أبواب طهران.

كيف تنظر إلى الثورات العربية التي اجتاحت عالمنا؟

- إن الذي يحصل هو حالة حياة جديدة للأمة أكاد أقول إنها مقاربة لمراحل الحياة الأولى في عصر الرسالة، فإذا نظرت إلى قضية الثورة السكانية، فإننا نعيش حالة ثورة سكانية نادرة، لقد كان أحد أسباب الخضوع للمحتل هو قلة السكان، وأحد أسباب انهيار الدولة العثمانية هو قلة السكان، حتى إن الجيش العثماني كان لا يستطيع إخراج %10 من المجندين للحرب، حتى فلسطين أحد أسباب احتلالها هو قلة السكان، في السعودية كان السكان يقلون عن 3 ملايين في إحصاء عام 1973م، بينما الآن هناك نحو 18 مليون سعودي، وكما ترى فإن العدد تضاعف ست مرات خلال فترة أقل من 40 سنة.

هناك كتاب ألماني طبع قبل الحرب العالمية، محذراً من صعود قوة المسلمين في المستقبل وقال إن عدد سكان مصر سيكون 60 مليوناً في عام 2000، ولكن توقعاته التي كانت ترى تهويلا كانت أقل مما حدث فعلا، ولهذا فالأمم المهتمة بالمستقبل تهتم بالتنمية السكانية عددا ونوعا، فأميركا تخطط ليصبح عدد سكانها عام 2050 نحو نصف مليار.

أوروبا سيطرت على العالم بالثروة السكانية، إن الحجم السكاني أساس بناء الحضارات، وكان العامل المؤثر في انتشار الرسالة الإسلامية حينئذ أيضاً الثروة السكانية، ومن شواهد هذا خروج نحو 50 ألف أسرة من قبائل أزد السراة واستوطنوا خراسان فكيف ببقية الهجرات الهائلة من الجزيرة العربية.

ومن ملامح الصعود الكبير للأمة التعريب الذي يحصل الآن في المنطقة العربية إذ لم يسبق له مثيل منذ قرون، ففي القرن الـ18 والـ17 تردت اللغة العربية في شمال إفريقيا مثلا، وحلت لغة أوروبية في الأسواق والمدن هي لغة البروفانس ثم ورثتها الفرنسية، وساد خليط من العامية العربية والبربرية كثيرا من المناطق ولم يبق للغة العربية المعرفية إلا أفراد يتقنونها في الحواضر العلمية وفي بعض البوادي والقرى التي استعادت بعض عربيتها بفضل هجرة بني هلال.

ثم إن العرب لم يتأثروا كثيرا بالأزمة المالية، في مصر مثلا لم يحصل انهيار اقتصادي، بل إن هناك تحسناً اقتصادياً عاماً في مجمل العالم العربي، والثروة الهائلة في منطقة الخليج عظيمة ومهولة، للأسف لم تكن هناك قدرات عقلية تخطيطية لإدارة هذه الثروة والحفاظ عليها مستقبلا ولا صناعة بدائل صناعية ومعرفية للاقتصاد القادم.

وهذه الثورات هي تحرير من العبودية للحاكم المستبد، وإنقاذ للإنسان العربي الذي تردى في ظلمات الاستبداد عقودا طويلة، حتى كاد ينسى كرامته وحريته، إن هذا التحرر استعادة لقيم الحرية والاختيار في الإسلام، تلك التي غابت منذ أن أجبر معاوية العرب على حكم يزيد، فحرموا بعدها قرونا متطاولة من المشاركة في اختيار الحاكم.

هناك دعوات لتنظيم النسل، هل كانت تسعى لعدم حدوث الثورات العربية؟

- كان الدافع الأساس لدعوات تنظيم أو تحديد النسل هو إيقاف النمو العربي والإسلامي، إذ كنا نعاني من فراغ سكاني هائل، لأن لدينا قارة عربية فيها أقل من 300 مليون، وبالنسبة للموارد يعتبر عدد سكانها قليلاً جداً، والإشكالية تكمن في إدارة وتنمية الموارد، وليس في وجود الموارد ذاتها فهؤلاء العرب يستوردون العمال من كل أصقاع العالم، ويرسلون سنويا ما يزيد عن 170 مليار ريال لآسيا أجرة عمالة! في الوقت الذي يموت جزء من العرب على شواطئ أوروبا يبحث عن عمل!

السكان قوة، لذلك فإن الغرب يجنس الملايين، ومع هذا فإن أكبر نمو للسكان هو في العالم الإسلامي، إنها موجة نمو اقتصادي وسكاني وروحي وثقافي لا تكاد تكون مفسرة إلا بما يحاول المؤرخون تفسيره بالموجات الحضارية والبشرية التي تحتاج هي نفسها إلى تفسير.

النمو السكاني الذي يحصل فيه شيء واع وآخر غير واع، وهذه الثورات العربية جاءت في وقت رائع من حيث عدد السكان ووقت الثورة مع تراجع التحكم الغربي وهيمنته، خصوصاً أن هذه الرغبة الجامحة للإنسان في التحرر هي كفيلة بصنع مستقبل مبهر لهذه المنطقة.

أحد أهم الاستراتيجيين المهتمين بالعالم الإسلامي كان يرى أن على الغرب أن يسعى للهيمنة على العالم الإسلامي من خلال استعمال ثلاث قوى مؤثرة: المرأة، وتركيا، وإسرائيل، ولكن هذه الإستراتيجية انقلبت تماما عليهم، فالمرأة أصبحت قوة تحرير وتنمية وإصلاح، وأصبحت هي المحامية عن ثقافتها ومجتمعها وحضارتها، وهي الآن أكثر قوة من أي مرحلة سابقة، المرأة تعلمت وأصبحت تنافح عن شعارات الحرية والدين.

أما تركيا فرجعت لجذورها الإسلامية، وصارت أقرب إلى الدول الإسلامية، بينما إسرائيل بدأت تعلي الجدران مع محيطها وتحاصر نفسها وتعاني من فقدان الأمل بعد تحرر مصر وصعود الموجة في المنطقة، وفقدان الأمل هو الكارثة التي يحذر منها مخططو الصهيونية أصبح حقيقة المرحلة القادمة، وعليه هذه الخيارات التدميرية التي حاولوا استخدامها سابقا أصبحت غير فاعلة.

هل ستكون الشعوب العربية المستفيد الأكبر من ثوراتها؟

- نعم بإذن الله، فهي التي صنعتها ولدينا بوادر مميزة هذه الثورة عما سبق، فما سمي بالثورة العربية الأولى 1916 كانت بريطانيا هي صانعتها، لتدمير الدولة العثمانية، وفشلت الثورة في وجود قوة ووحدة، وأنهوها مبكرا بمعاهدة سايكس بيكو، لكن هذه الثورة بذرت بذورا قديمة استفادت منها الأمة بمجموعها، وإذا أردت أن تتأكد من هذا انظر لموضوع الحركة القومية العربية ثم مواجهات الإسلاميين لها.

لقد كانت نتيجة القومية العربية مفيدة للأمة، على الأقل تعريب العالم العربي والتقريب بين الشعوب، وقوة الترابط.

والإسلاميون بكثرة صراعاتهم أيضاً أنتجوا، انظر إلى السلفية، لقد كانت شديدة الاهتمام بالسلوك كالموقف من الخمور والغرب والصوفية والقبور، ولكنها لم تحمل حلا عمليا ولا شموليا كالقومية التي خاصمت الدين، ولكن هل أسهمت عقليا؟ نعم أسهمت، السلفية كسرت جدران التعصب الفقهي، استفادت الأمة من مدارس كانت متضاربة في ذاتها، من المستفيد من هذا الصراع الثقافي والمذهبي السابق، نحن نستفيد من نجاحات المجموع، وعلينا تجنب خسائر الأجيال السابقة، كما استفاد الغرب من الشيوعية، يقولون إن من استفاد من الشيوعية هو العالم الغربي الرأسمالي ولم تستفد منها روسيا، حيث حسّن الغرب وضع الإنسان، خاصة العمال، واستفاد الجميع من الخدمات الصحية، وألغوا الرأسمالية المتوحشة، نحن أيضاً استفدنا في عالمنا العربي من مجموع حصاد المتطرفين بأخذ المحاسن من كل الجبهات ونبذ ما يضرنا ويضر العالم من حولنا.

ولكن البعض يتخوف من أن هذه الثورات قد تؤدي إلى تقسيمات أخرى في الوطن العربي؟

- في الحقيقة إن التخوف الأساسي هو سرقة الثورات سواء من عناصر داخلية منظمة تستطيع أن تسخر الثورة لأفكارها ومصالحها، وهناك أيضاً خطر خارجي لصياغة بدائل محلية في مرحلة الاستعداد للانتخابات، فخطر السرقة وارد جدا، وهناك فئات ودول وأحزاب تعمل على سرقة الثورات العربية الآن في الليل والنهار، أتوقع أنهم لم ولن يتركوا الرغبة في الهيمنة على المرحلة القادمة، لكن الذين أخرجوا الناس للشارع وحركوهم لديهم الثقة والإمكانية ليتجنبوا السرقة التامة، وعلى الأقل إذا سرق شيء من حصاد الثورة فلا يسرق كل شيء.

هل يمكن أن نشهد ولادة جمهوريات ديمقراطية عربية؟

نعم يمكن أن نرى جمهوريات ديمقراطية حقيقية في العالم العربي وتكون أنموذجاً يحتذى.

سوريا واليمن وليبيا.. إلى أين؟

- إن لم يرحل هؤلاء أو كلهم، فإنهم سيكونون أقل ديكتاتورية من السابق، فالمكسب العام للأمة كبير والخطاب الديمقراطي أصبح أقوى من أن يصادره أحد، وقد يبقى أحدهم ولكنه سيكون أقل سوءا من الماضي.

ما تأثير هذه الثورات العربية العظيمة على الإقليم غير العربي وتحديدا إيران وتركيا؟

إيران فرحت بثورة مصر مؤقتا لأنها خلصتها من خصم لها، ولهذا ففرحها مؤقت.

ماذا تقصد بفرح مؤقت؟

- إن فرح مصر مؤقت لأسباب، أولا مصر بلد كبير ومؤثر في المنطقة، وإيران تخشى من وجود منافس لها في هذه المنطقة المهمة، وأتوقع أن يصل الدور المصري إلى العراق ويدق أبواب إيران نفسها، فحتى الصين خافت من الاحتجاجات، وحتى الشعب الإيراني سيستفيد من ثورات التحرر العربية.

إيران فيها طبقة مستغلة ومستفيدة باسم الدين، مستغلة للشعب وهي تراهن على قضية إسرائيل والخليج، هذه الطبقة نفسها ستطالبها الطبقة الليبرالية والعلمانية بقضية الاستقلال الداخلي من هيمنة رجال الدين، ووجود ديمقراطية وحياة سياسية في العالم العربي، هذا تحد سيأتي نتيجة الثورة المصرية.

ألا تتخوف من تقارب مصري إيراني؟

- في المراحل الأولى هناك تقارب ظاهره مفيد ولكن لا أتوقع أن يستمر التقارب بين طهران والقاهرة، لأن الثورة المصرية تعني ثورة داخل إيران، وهذا يدفع بالحكومة الحالية للابتعاد عنها وإغلاق الأبواب دونها كما ستفعل الحكومات المحافظة مع مصر الديمقراطية.

ماذا تتوقع لإيران في الفترة القادمة؟!

- كلما تأخر تغيير حزب أو وجهة نظر متطرفة جاء التغيير بالتوجه الأكثر تطرفا، مثلاً لو خسر بوش انتخابات 2004 لجاء أميركي أبيض وقريب من الخط الموجود في السابق، ولكن عندما تأخر التغيير، جاءت انتخابات بمواطن أميركي أسود أكثر ليبرالية، واستطاع أن يغير نظام التأمين الصحي في أميركا، وهو أقرب إلى اليسار، ولهذا كلما تأخرت تنحية خط نجاد جاء نظام مغاير تماماً لما يمثله خط نجاد، يعني هذا أنه سوف يأتي خط أكثر ليبرالية وأكثر قومية، وفي الغالب هذا هو الخط والتغيير القادم في الحكومة والشعب الإيراني.

ومن آثار ذلك الانقلاب القادم في التوجه السياسي والفكري هو انتقال إيران من المعسكر العربي الإسلامي وقضاياه إلى تيار غربي قومي فارسي يحاول أن يسيطر على الخليج من منطلق قومي، وسيكون قريبا للغرب وأكثر تحالفاً مع إسرائيل، والآن في إيران هناك دعوات لوقف الدعم الإيراني للقضايا العربية، وهي التي كانت تدعم القضايا العربية لمصلحتها، بل وتوجهات وخلافات داخل الحكومة كالتي ظهرت أخيرا تبين الخصام على الهوية الإيرانية والقيادة.

من الذي تسبب في دخول إيران إلى المنطقة العربية وقضاياها؟

- وجود حكومات عربية ضعيفة وموالية لإسرائيل فرطت بقضايا العرب، وضعيفة الاستناد إلى مشروعية داخلية تراهن على خيارات ورغبات الآخرين، مثلاً في الخليج ستجد بعضاً من دول الخليج تتمنى زوال الحكومة الدينية في إيران، ولعلهم سيتورطون في نتائج وجود حكومة إيرانية ذات مذهبية وعقيدة أخرى.

فالخط الليبرالي الموجود في إيران إذا انتصر فإنه سيقف ضد الدول العربية والخليجية بدرجة أكبر تأثيرا، وسيقيم بنية أساسها قومي فارسي وليس دينيا، وسيكون أقرب للغرب مذهبية، وموثوق به لديهم لتأمين الخليج ومحاولة استعادة عهد الشاه، وعندها ستكون حكومات الخليج جاهزة لتخرج من المعادلة الدولية مع ضعف النفط لو حصل، ولأن شعوب الخليج منهكة ومدمرة سياسيا، لأن الحكم وكل شيء فيها بيد الحاكم.

وعليه، فإن المجتمعات المدمرة سياسيا غير جاهزة للدفاع عن نفسها، وأولى لحكومات الخليج إن أرادت أن يكون لها قوة محلية وعالمية، أن يكون للشعوب مشاركة ووجود، فمتى ما وجدت الشعوب في المعادلة أصبح للمجموع - حكومات وشعوبا - قدرة على أن يكون لهم دول قوية ذات قيمة عالمية.

ما رأيك بالرواية الأميركية لمقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن؟

- ليست هناك من مصادر معلومات سوى المصادر الأميركية وكلمات قليلة نشرها الباكستانيون نقلا عن زوجته، فليس لدى العالم إلى الآن إلا مصدر واحد للمعلومات، وأغلب من كان في البيت قتلوا، كما نقلت الصور، ولهذا فما يقوله هذا المصدر هو المتداول.

ما تفسيرك لتوقيت قتل ابن لادن؟

إنه توقيت مهم جدا لحملة أوباما الانتخابية التي بدأت، ومهم نفسيا في داخل أميركا بعد عشر سنوات على الحادثة، فقوة عظمى تطارد شخصا بكل ما تملك وهو ناشط يرسل ويعلق ولا تجده.

وقد خافت الحكومة الأميركية من أن يكون لمقتله أثر كبير في مطالبة حكومتهم وجيشها بالخروج من العالم الإسلامي والعربي المحتلة أجزاء منه وتخضع مباشرة أو خاضع لتوجيهها بحجة الإرهاب ومقاومته فبادرت كلينتون للقول: إن الحرب على الإرهاب لم تنته حتى بعد مقتله. ولهذا فهذه المنطقة - بحكم موقعها وثرواتها ورمزيتها العربية والإسلامية - ستبقى مهددة دائما بحجة وبدون حجة، وكل من يعترض على المستعمر فسيصنف بأنه إرهابي، وسيبقى من ينادي باستقلال بلاده أيضاً إرهابيا من وجه نظر القوى المحتلة للأرض أو للقرار أو للثروة.

هناك من يقول إن الثورات العربية قتلت ابن لادن قبل أن تقتله القوات الأميركية؟

- هذا الكلام عن التوجه السياسي المدني بديلا للتوجه العسكري في الكفاح عن الأمة كما ترى القاعدة وغيرها، وأنه أصبح غير وارد، لأنه تحقق أنموذج أنجع وأسهل في أنموذج الثورات، وهذا الكلام صحيح، فما دام الشعب نفسه أقام ثورته وحكومته، فبالتالي ليس هناك مبرر للقتل والعمليات المسلحة، ثم إنه لم يثبت نجاحا واضحا، فبالعكس جلب لنا احتلال العراق وأفغانستان وإرهاب المواطنين وسرقة أموال الأمة باسم محاربة الإرهاب، فكانت النتيجة سلبية جدا، وهذا جواب مرحلي فهل الدفاع المدني عن الأمة إذا نجح داخليا الآن هو الحل لمشكلات كبرى مستقبليا؟ كل عاقل يتمنى أن يسود الخير والسلام وتحقيق المصالح بأقل التكاليف ما دام ممكنا.

غير أن ثقافة الغرب في الغزو المستمر للعالم الإسلامي منذ أكثر من خمسة قرون 1492م والتوسع على حساب العالم الإسلامي والدعوات لاستعادة أراضي المسيحية الأولى، لم يتغير، ولم يتركوا استعمال الدين في تلك الغزوات.

هل ألهمت الثورات العربية سكان جزيرة العرب بمفهوم المواطنة وحرية التعبير؟

- في أغلب مناطق العالم العربي تعاني المجتمعات من تخلف حكوماتها عنها، فالحكومة تجر الأمة للخلف بينما كان العكس هو الأولى، والثورات هي نتيجة لثقافة الحرية أو نزعات التحرر ومطالبة بالاستقلال، وفيها وعي ديني ودنيوي، وكانت لجراح غائرة في الذاكرة - كجرح غزة العميق - أثر في الثورة المصرية وفي منطقة الجزيرة، ومن قبلها احتلال العراق.

ولهذا يرى العرب أن 300 مليون عربي لا يساوون عالميا ولا حقوقيا 3 ملايين محتل صهيوني، هذه الاستهانة بالعرب ومصادرة حقوقهم كانت كفيلة بإحياء الأمة في كل مكان، وهذا أيضا كفيل بإحياء سكان الجزيرة العربية عاجلا أو آجلا، وإذا لم تحيَّ جميع الأجزاء فإنها على الأقل ستساعد في تحررهم جزئيا ونيل حقوقهم، لقد كان غير العرب يرون أن الإنسان العربي لا يثور ولا يتغير، والآن انتهى ما يقولون وسقطت هذه النظرية.

انظر في اليمن هناك تحرك شعبي لتحقيق المشروع الشعبي، مع أن اليمن لم يكن لديه قمع حريات، ولكن جانب الفساد الحكومي وتخلف الحكومة سبب ضعفا للشعب ونشر الجهل والفقر.

وقد حقق الشعب انقلاباته الأولى في اليمن على يد طبقة القضاة والمثقفين، وكان منهم القيادات والحكام، وكانوا في الغالب من الطبقة المتعلمة وطبقة القضاة والبنية الحضرية ولم يكونوا قبليين، وهم من قاد الثورة ورموز الاحتجاج على الأمام، ثم وقعت البلاد في قبضة عسكريين مبتزين يوازنون بين القبائل والتوجهات بالرشاوى، وغايتهم الأولى والأخيرة السلطة والمال بلا نظرة مستقبلية، فلم يصنعوا ثقافة حكومة حديثة.

أما في جنوب اليمن فحقق الشعب شيئا من ثقافة الحكومة، قبل اشتعال خلافاتهم، وكانوا حزبيين مغلقين، وحكومتهم تابعة للتصور الشيوعي وجامدة معلى فلسفاته وشهوات المتسلطين، وفي الشمال أرهقه عساكر أميون، فآل الأمر لما ترون، والتوجه الجديد سوف ينهي الكثير من الأزمات، ويصنع أنواعا أخرى، ولكنه سائر كما نرجو على طريق الفصام التام عن الاستبداد وقادم إلى الثقافة الديمقراطية التي تحقق المواطنة لا ثقافة النهاب الوهاب.

ماذا تقترح على حكام الخليج؟

- هناك جانب يمس المجموعة التي تطالب بالإصلاح، وهناك عمل يجب أن يهتم به الحاكم، فأولا على المصلحين أن تكون أفكارهم وغايتهم واضحة؛ لأن بعضهم لا يشرح ما يريد، ولا يوضح نقاط اتفاقه ولا خلافه مع السلطة، وهذا الأمر يخيف السلطة التي تفسر كل شيء على أنه ضدها أو سببه حقد عليها، أو منافس لها على السلطة والمال فقط.

إن مسألة المشاركة في تحقيق المصالح للجميع وتخفيف المضار على الجميع يجب أن يكون غاية أجندة الإصلاح التي يجب أن يشرحها المصلحون، وعليهم أن يثبتوا من خلال أعمالهم ووجهة نظرهم ماذا يريدون بدقة، وعلى الحكام أن ينهوا قصة الخوف المفتعل من الأمة، فهذا الخوف المتبادل ونقص الثقة المتبادلة التي تكبت منطقة الخليج وتضعفها يجب أن تزول.

ما رأيك في الشعارات التي رفعت وتحمل الموت لآل خليفة؟

- نعم رفعت شعارات الموت لآل خليفة، ولكن هذا لا يعني أن نصف الشعب يريدون أو يؤيدون هذا الشعار، هناك مجموعة رفعت هذا الشعار وليس المجموع، والتطرف يزيد عندما تغلق جميع المنافذ على الإصلاح، بمنع الناس من ممارسة حرية التعبير، بهذه الطريقة يصنع التطرف، الحاكم يصنع التطرف بنفسه عندما لا يسمح للناس بالتعبير عن آرائهم، وبمقدار تعنت طرف في حق أو في باطل يكون الرد عليه من جنس فعله وفكره.

ولا تضحي الشعوب غالبا إلا عندما تحس أنها تفقد أعز مما تضحي به، فانظر للخسارة التي لحقت بها وهنا تجد أنها تدفع لاستعادة حق صودر أعز مما يدفعون، والأصل في التعامل الدولي أن تكون لك بطاقة مع كل راكب لتستخدمها لاحقاً لمصلحة هذا الطرف الدولي.

يقال إنك بررت بعض السياسات الإيرانية في المنطقة؟

- لا أدري كيف أخذت هذا الانطباع عني أو عن كلامي، لم أقل إني أؤيد سياستهم، ولكنني تحدثت بأشياء واضحة في فوارق، وهي لماذا منطقة الخليج ضعيفة، ولماذا إيران قوية؟، فعندما تطلب مناطق في الخليج أن تكون محتلة أو تمارس سياسة لغيرها ضد مصالحها ومصالح شعبها، فهذا يخالف حركة استقلال إيران عندما ثارت، وذكرت أساسية في موقفين متضادين على الخليج، أولا أن إيران عام 1979 استقلت من الاحتلال الأميركي، واستقلالها كان محرجا في الخليج، رغم أن الشاة كان سيئا ويهدد الخليج، ولكنه كان في معسكر أميركا المتسيدة في المنطقة، ونعم أتت لاحقاً مجموعة أخرى وسيطرت واختطفت الثورة، لقد اختطف حزب من مجموعة الثوار هذه الثورة، وأبعدوا الجميع ممن شارك في صناعة الثورة الإيرانية.

وفي إيران ستجد أن القوميات الأخرى غير ممثلة في حكومة إيران، وإذا شاركت هذه القوميات في الحكومة فيجب أن يكون ممثلها شيعيا، الوزير يجب أن يكون فارسيا شيعيا أو أن يكون شيعيا من أقلية تابعة ولو كان أغلب هذه الأقلية سنيا، مع أن ثلث سكان إيران من السنة، وليسوا من الفرس، هؤلاء لن يصل أحد منهم للحكم إلا إذا كان شيعياً.

أما في معظم أنحاء المنطقة العربية فستجد أن القرار السياسي يمثل الخارج ولا يمثل الداخل، هذا الفرق بيننا وبين إيران.

أما بخصوص القضية الثانية، فهي قضية حماية مصالح إيران، إيران تدافع عن مصالحها وحدود أمنها في غزة ولبنان، بينما نجد أن العرب داخل أراضيهم لا يوجد لديهم أمن داخلي، إن أمن إيران يحسبونه في غزة ويرونه في لبنان، بينما نجد أن أمننا في داخل أرضنا لا يتحقق، والقضية الثالثة ستجد أن الدين في بلداننا يجيز للخارج كل شيء، بعكس إيران التي تجير كل شيء لصالحها، بل حتى إنك ستجد المجموعة المستبدة بالقرار هي داخلية، هذا فرق السياسة بين العالم العربي وإيران.

وهنا سأعطيك مثالا على أن سياسة وإعلام بعض حكومات الخليج لا ينطلق منها ولا يبنى على فهم لما يحدث في إيران، ولا ما يوحي به مستقبلها، فمثلا هناك حكومات خليجية تبني إستراتيجيتها على مواجهة الخط الديني الحاكم في إيران، وأنه لو انتصر الخط الليبرالي المتغرب لكان الخير للمنطقة وللعالم!

فقلت جدلا لهؤلاء: إنه بمنطق البراجماتية النفعية الخالصة والمنحازة لبلادكم ضد إيران هذه ليست فكرة ولا خطة نافعة لكم، فأولا السياسة البراجماتية لمصلحتكم في بقاء إيران مغلقة مذهبيا ومحاصرة دينيا، وموقفكم هذا مجرد تنفيذ موقف المحافظين الجدد وموقف المصالح الصهيونية في إيران، وهو المجيء بخط ليبرالي متغرب موال لإسرائيل وأميركا في إيران، ولكن إن انتصر هذا الخط في إيران فسوف يتصالح مع الغرب، وسيعهد إليه الغرب بالسيطرة على الخليج بحكم رغبته وطموحاته الإمبراطورية، وبحكم حاجة الغرب وإسرائيل للتعامل مع قوة كبيرة تضبط النافرين من الشعوب والحكومات في الخليج ويجنبهم نكد صراعات ونقنقات الخليجيين على بعضهم التي لا تنتهي، وخلاصا من أمزجة وضعف وعدم ثقة أحياناً.

أما ما أميل إليه، فهو الاعتراف بأن هذه الشعوب موجودة في هذه الأرض متجاورة على مدار القرون، دينها واحد وثقافتها متقاربة ومصالحها المشتركة يجب أن تسود وتحمى، وقد تظهر بينها فتن من وقت لآخر، ولكن ليست مصلحتنا ولا مصلحة الإيرانيين في تبني ثقافة وسياسة المحافظين الجدد ضد إيران، ولا في التصعيد الخلافي باسم الدين ولا شيعية وسلفية، ولا القبول باستنزاف اقتصادنا بحجة أن حكومة ما ستحمينا من إيران فتسلبنا ليل نهار ونبيع النفط ونعيد لهم ثمنه لتمويل مصانع السلاح ويكسبنا خوفا ومذلة دائمة واحتلالا دائما.

تريد أن تقول إن النظام الحالي في إيران مجموعة دينية انتماؤها القومي أقل من المجموعة التي ستأتي مستقبلا؟

- نعم وعلاقاتها الخارجية بالغرب وإسرائيل ستكون أفضل من الحالية.

ولكن هذه المجموعة الدينية تعمل وفق أي مفهوم ديني أو عرقي؟

- قصة الجانب الديني خفت منذ عشرة أعوام، بل من قبل وتحديدا بعد الحرب العراقية الإيرانية، فالتصدير الديني للثورة لم يصبح هدفا هناك، ولكن هناك تبشير شيعي، وتحديهم الكبير في إيران الآن هو كيف نحافظ على ما وصلنا إليه لأن الذي يتجه إليه العراق الآن لن يكون حكومة شيعية، ولكن دولة وطنية، شيعة العراق دائما يختلفون مع شيعة فارس، العراق فيه نزعة عروبية قوية جدا، وفي البحرين نفس الشيء، شيعة البحرين لجؤوا إلى إيران لمظالم لم يحسن التعامل معها، وإلا فالشيعي البحريني ليس فارسي الهوى، وشيعة البحرين يفضلون دولة عربية لا تخضع لإيران.

إن أزمة منطقة الخليج في الغالب داخلية، والخارج يستعمل أزماتنا الداخلية، إدارة الحكومات ملامة، فهي تقصي المواطنين، وهنا أؤكد على أنه ليس لدينا مواطنون في الخليج، ولكن لدينا سكان، المواطنة تعني المشاركة، والمشاركة مغيبة في دول الخليج، بسبب ممارسات الحكام، فهي غير موجودة، إن ما لدينا سكان جيران للنفط، ووصف المواطنين لا يزال غير موجود.

يجب أن تنتشر المواطنة، وتكون بديلا عن ثقافة الفتنة وثقافة القبيلة، مع العلم بأن ثقافة القبيلة الموجودة الآن ليس هي ثقافة القبيلة القديمة، قديما كانت هناك مساواة تامة في ثقافة القبيلة، عندما يموت شيخ القبيلة، ويكون هناك راشد، وبنفس مستوى الشيخ فيختارونه، لأن الناس لا يحبون أن يذهبوا بعيدا ويولون آخر أمورهم، ولكن في خلاف ذلك تنتقل المشيخة إلى قبيلة أخرى وبسهولة ومن شخص لآخر بسهولة.

الآن ليس لدينا النظام القبلي القديم بحسناته، وليس لدينا النظام الديمقراطي بحسناته، ولكن حالة استثنائية تعيش أحيانا على إشاعة العداوات داخل المجتمع، والترهيب من الفتنة، فبالتالي فإن ثقافة الفتنة والخوف منها هي التي تحيا عليها النظم الديكتاتورية وهي الغذاء اليومي للحاكم.

هل تعتقد بوجود أصابع إيرانية في البحرين؟

- عندما تحاصر الناس بالسلاح فإنك تفتح لهم البحث عن أي منقذ، وأي مهرب، وتجعلهم يبحثون عن أية قوة لمناصرتهم، وهنا ليس الأمر اعتقادا، بل المعلومات والشعارات، أما ردة الفعل الإيرانية فستكون بهذه الطريقة سواء كانت لهم يد أو لم تكن، وإدارة الموقف في البحرين لم تكن على مستوى الحدث من قبل المطلوب، والجهات المؤمل أن تكون ناضجة وواعية في الطرفين. ونتمنى من الطرفين التعالي على الانتصارات الصغيرة والوصول للمصالح العليا للجميع في البلاد.

هل الطائفية تعطل مطالب الإصلاح؟

- بلا شك، أي إلحاح بشعار الطائفية أو الطبقية أو المناطقية يؤجل النداء العام للإصلاح، بدلا من أن تضع شعارات عامة تجمع عليها الجميع، تجعل حجة ومشكلة فئة وتقدمها على أنها هي المطالب، وبالتالي يمكن أن تدفع رشاوى للطوائف والمناطق والأشخاص والأحزاب والقبائل، مقابل أن تعطل المشروع الإصلاحي الشامل، ويتم تأخير انفجار الأزمات للغد، وهذه طريقة تفتك بالمصالح العامة وبمستقبل الشعوب وتسخرها لمصلحة أشخاص عابرين.

البعض يعتقد أنه هو المظلوم وحده ويرفع شعار المظلومية؟

- في الغالب هناك مظلومية، ووضع طبيعي أن يضخم مشكلته، ولكن وجود مظالم في الخليج تحتاج إلى الاعتراف بها من أجل أن نصل إلى حل، أما التنكر لها، فسيبقي الأزمة تستخدم من الداخل، وتستخدم من الخارج، وتبرر حتى الغزو أحياناً.

المصدر: صحيفة العرب القطرية

التعليقات

حمد ابن اسد

يا جماعه ما حصل في مصر حتي الان ليس بثوره اول شي لازم اثوره ان تكون لها قائد يهدي و يوحد الصوف الثوار ما حصل في مصر هو عزل موضف اسمه مبارك و جلوس وزيره في مكانه و كل ما يحصل هو حيل و نصب من قبل الغرب لحفظ امن اسرائيل اذا كانت ثوره لماذا الغاز مستمر الي اسرائيل لماذا غزه محاصره لماذا بعد قتل الجنود بيد العدو لم تقطع الروابط و الكثر من ذالك ممكن بعد ذالك يتو به موسي او البرادعي الذين هم من عملا نظام مبارك به اسم اخر الحمار نفس الحمار بس غيره ملابسه


عقيل

الثورة المصرية الآن تتلقى المساعدات المالية الغربية والثورة الإيرانية تلقت الصواريخ والأسلحة الكيميائية. الثورة الإيرانية من أعظم الثورات في التاريخي الإنساني.


latif

I do not agree with parts that covered Bahrain.
the current shea of Bahrain are different than those in the 1970s as thesheaa of Bahrain follow whatever orders they recive from Iran.
we work close with them and listen to what they say, they do not want rights they want to take our country
please talk to independent Bahraini political people to get the picture clear


يزيد مبارك

تحليل الدكتور الاحمري منطقي ودقيق وانا اعتقد ان مكمن الضعف في دول الخليج هو ان المواطنين غائبون عن صنع السياسة او حتى مجرد الاطلاع ويمكن تشبيه العلاقة بين الحكام والمواطنين وكأن الحكان قالو للمواطنين دعوها لنا واهتمو بحياتكم اليومية لذلك تجد المواطن لايهتم الا بالماديات والرفاهية الزائدة بشكل كبير وهذا مقصود من حكام الخليج لكي يفعلون مايريدون ولكن الاثار بدأت تظهر وهي ان الدولة تقاد بقلة قليلة والبقية من افراد الشعب تعيش في كوكب اخر لاتدرك ماذا يعني الخطر الايراني أو الصهيوني مايهمه هو (الراتب اخر الشهر وهل فيه زيادة أو لا )


الثابتي ابراهيم

اعجبتني هذه الفقرة لهذا انقلها كما هي لانها فعلا تعبر عن انشغالات الامة و خاصة النخبة منها !
"
- في الحقيقة إن التخوف الأساسي هو سرقة الثورات سواء من عناصر داخلية منظمة تستطيع أن تسخر الثورة لأفكارها ومصالحها، وهناك أيضاً خطر خارجي لصياغة بدائل محلية في مرحلة الاستعداد للانتخابات، فخطر السرقة وارد جدا، وهناك فئات ودول وأحزاب تعمل على سرقة الثورات العربية الآن في الليل والنهار، أتوقع أنهم لم ولن يتركوا الرغبة في الهيمنة على المرحلة القادمة، لكن الذين أخرجوا الناس للشارع وحركوهم لديهم الثقة والإمكانية ليتجنبوا السرقة التامة، وعلى الأقل إذا سرق شيء من حصاد الثورة فلا يسرق كل شيء.