أسئلة حول الشريعة (3) العلاقة بين"الديني" و"المدني"؟

2012-1-26 | د. جاسر عودة أسئلة حول الشريعة (3) العلاقة بين

بعض المجتمعات العربية –كالمجتمع المصري– متعددة الديانات. في مصر يوجد نسبة تزيد أو تنقص عن 6% من المجتمع من الأقباط. وإذا حدثهم البعض عن "تطبيق شرع الله" أو "دولة إسلامية" حدث عندهم تخوّف من ضياع حقوق المواطنة أو مبدأ المساواة بين المواطنين، وهذا قد يكون مشروعاً فيبعض الأحيان نظراً كما يظهر بين الحين والآخر في بعض التصريحات الإعلامية أو على لسان بعض المنتسبين إلى التيارات الإسلامية، ولو كانوا قلة.

على الجانب الآخر، توجد نسبة كبيرة من المصريين المسلمين الذين لا يقبلون أبدًا بنفس التصريحات ويحملون نفس الهواجس والتخوف على حقوق المواطنة ومبدأ ما أطلقوا عليه "الدولة المدنية". والسؤال هنا: هل هناك تعارض بين "الديني" (الإسلامي) و"المدني"؟ وما علاقة ذلك بغير المسلمين؟

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى تفصيل بعد الإجابة السريعة، أنه –بداية- لا تعارض بين مفهوم "المدني" ومفهوم "الديني" إذا تخيلنا مساحات الديني والمدني في دوائر متقاطعة وليست دوائر منفصلة كما في الشكل التالي: علاقة الديني والمدني بين الاشتراك والتمايز.

كثيرا ما ننظر إلى المعاني في متقابلات وثنائيات حتمية كأنها أبيض أو أسود، وهي ليست هكذا، وإنما الواقع هناك مساحة رمادية طبيعية كبيرة بين الأبيض والأسود، نريد هنا أن نحقق "المدني" بالديني وبغير الديني، كي يكون الدين مكوناً من مكونات المدني، ونريد أن يكون المدني أيضاً رافداً للديني وشكلاً من أشكاله، وبذلك يتسع مفهوم الديني ومفهوم المدني على سواء.

ولكن يوجد في النظرية السياسية خاصة عند بعض المنظرين الغربيين، يوجد تعريف للمدني يخرج منه كل ما هو ديني! ويتبنى ذلك الرأي، بل ويخص بذلك الدين الإسلامي، خصوصاً أمثال سامويل هانتنغتون، وألبرت حوراني، وبرنارد لويس، وإيلي كدوري، ومهران كامرافا، وغيرهم من المحافظين الجدد وأتباعهم.[1] لكن هذا ليس صحيحاً عمومًا، وفي النطاق العربي والإسلامي خصوصاً لأن عندنا كشعوب شرقية، لابد للديني أن يسهم في الحياة المدنية وأن ينميها، ولا يمكن أن نعزل الحياة المدنية عن الدين بشكل أو بآخر! هنا يمكننا أن نميز ثلاثة أنواع من المفاهيم تحتاج إلى تفصيل:

(1) الديني البحت:

وهو بمعنى المكونات الدينية التي تخص أهل الدين وحدهم وليس لها علاقة ببناء الدولة ولا قوانينها، وهذا مثل مسائل العقيدة وقضايا الحلال والحرام (مما لا يتعلق بالدولة أو القانون). وهذه المساحة ليست إسلامية فقط وإنما مسيحية كذلك، وأهل كل دين يختصون بدينهم فيها.

(2) المدني البحت:

وهو هنا بمعنى ما يخص الدولة ومؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية، مما ليس للدين تداخل (مباشر) معه، وذلك مثل شكل الدولة وتقسيم السلطات المختلفة والقوانين المنظمة للعلاقات بين الأفراد والهيئات والتجمعات مما ليس له ذكر مباشر وتفصيلي في الدين، وهو كما ذكرنا مما يدخل في الأفعال البشرية أو شؤون الدنيا.

ولكن هذا القسم له علاقة بالدين (الإسلامي هنا) عن طريق المبادئ والمقاصد الكلية العامة والأخلاق والقيم التي تحكم تعامل المواطن وتصرفاته وتصوراته، وذلك دون أن يلزم أن يُعبّر عن هذه المبادئ والقيم في أحكام تفصيلية أو قوانين بعينها، وهذه المبادئ كالعدل والمساواة والحريات المختلفة وغيرها، مما يدخل في الإسلام تحت المقاصد العامة الكلية والمبادئ الأخلاقية والحقوق المشروعة، فيأتي من أراد أن يأتي إلى هذه المساحة من خلفية فلسفية إنسانية وعقلانية مجردة، ويأتي من أراد إلى نفسه المساحة من خلفية إسلامية تشترك في هذه المساحة في قيمها ومبادئها، ولكنها مساحة مدنية خالصة إن صح التعبير.

(3) ديني- مدني:

وهناك دائرة (أو مساحة رمادية إن شئت) يختلط فيها الديني بالمدني، أي أن للدين فيها أحكاما تفصيلية خاصة تتعلق بالدولة أو مؤسسة من مؤسساتها أو علاقات المواطنين بشكل مفصّل، وهذه الأحكام الدينية الأصل فيها أن تتحول إلى قوانين عامة تلزم الجميع. هنا تأتي إشكالية الديني والمدني، لأن تحويل الأحكام الشرعية (الإسلامية في هذه الحالة) إلى قوانين تلزم المسلم فقط أو أن تلزم المسلم وغير المسلم على حد سواء لهي مسألة تحتاج إلى تفصيل.

وأقترح هنا أن نقسّم هذه المساحة نفسها (الديني-المدني) إلى ثلاثة أقسام متمايزة، يمكن أن تشكل إطارا مشتركا واسع القبول، وحتى نستطيع أن نتجنب صراعاً وانقساما مجتمعياً وخيم العواقب:

أولاً، الديني-المدني الذي يمكن لكل أهل دين التحاكم فيه إلى دينهم:

في الأحوال الشخصية، الغالبية الساحقة من الشعب المصري –مسلمين ومسيحيين، إسلاميين وليبراليين- لا يقبل بفكرة "الزواج المدني" أي الزواج بين أي شخصين يتوافقا عليه دون الرجوع إلى أحكام الدين (الإسلامي كان أو المسيحي) في جواز ذلك الزواج شرعا عندهم وشروطه وموانعه المختلفة كما هو في اجتهادات الهيئات الدينية المعنية.

لذلك، لابد لدائرة الأحوال الشخصية وما يتعلق بالأسرة من هيئات وقوانين ومؤسسات –ويلحق بها مسائل الميراث والنفقات والنسب، إلى آخره– لابد أن تكون الكلمة العليا فيها للفقهاء القانونيين أصحاب العلم بالشريعة في كل دين، والذين يمثلون (طبعًا في إطار اجتهادات مناسبة ومعاصرة) الرأي الديني المقبول سواء في الإسلام ممثلاً في الأزهر الشريف وعلمائه بشكل عام، أو المسيحية ممثلة في الكنائس المختلفة بمرجعياتها المعروفة.

ثانياً، الديني-المدني الذي يسري على الجميع بناء على توافق مجتمعي:

وهذه مساحة من الأحكام الدينية (الإسلامية هنا)، والتي يتفق عليها الجميع أنها أفضل ما يمكن للصالح العام ولو كان مصدرها الشريعة الإسلامية تحديدا. من ذلك مثلاً القصاص من القاتل العامد مع سبق الإصرار والترصد، الذي هو "حد القتل العمد" في الشريعة.

ورغم أنه "حكم شرعي"، إلا أنه قد حدث توافق مجتمعي عليه، فأصبح هو القانون المعمول به على المسلم وغير المسلم، ومن ذلك العقوبات التي يفرضها القانون على الأفعال الفاضحة أو السّكر في الطريق العام، أو الجهر بالإفطار في رمضان مثلاً، أو غير ذلك من أحكام الشريعة ولكنها مما اتفق عليه الجميع.

وهناك أيضاً القوانين التي تنظم دور العبادة ولو كان فيها اختلاف بين المسلمين وغيرهم نظراً لاختلاف نسب السكان وتوزيعهم الديمغرافي، والإجازات الرسمية في الأعياد الإسلامية أو المسيحية، وكذلك هيئات المساجد والأوقاف الإسلامية وبعثات الحج المصرية الرسمية التي تدعمها الدولة، ونحو ذلك. وهذه المساحة كلها لابد للرجوع فيها إلى"المشرّع" الذي يمثل الشعب وأن تراعي الحساسيات المختلفة سواء حساسية المسلمين –وهم أغلبية ساحقة– أو مشاعر الأقلية ولها حق أن تُراعَى وعليها واجب أن تُراعِي.

هذا فضلا عن المادة الدستورية العامة والمهمة والتي تجعل من الشريعة المصدر الرئيس للتشريع،وهي مادة هامة توافق عليها المجتمع (أو الأغلبية الساحقة فيه) منذ عقود دون إخلال بخصوصيات غير المسلمين، وهي مسألة كما قدمت تتعلق بالهوية عند الغالبية الساحقة من المصريين لا يصح المساس بها.

ثالثاً، الديني-المدني الذي لا يتوافق عليه المجتمع:

وهذه هي المساحة الشائكة في الطرح الإسلامي، والتي ينبغي بصراحة أن تكون لها حساسية خاصة عند الإسلاميين، نظراً لأن مصدر القوانين أو المؤسسات هنا هو الشريعة في هذه الحالة، ولكن التوافق المجتمعي المصري عليها لم يحدث ولم يتم بدرجة مقبولة تسمح بأن يتحول الديني الإسلامي إلى قانون مطبق أو مؤسسة من مؤسسات الدولة، وذلك مثل من ينادي بأن تقوم الدولة (المصرية هنا) على جمع جزية أو ضريبة من غير المسلمين، أو عدم السماح لغير المسلم بالاشتراك في الخدمة العسكرية أو الترشح لرئاسة الجمهورية أو تولي القضاء، أو أن تفرض الدولة شعائر الإسلام ومظاهره الدينية الخاصة على الجميع، أو تطبق الحدود الشرعية على الجرائم المحددة لها، إلى آخره.

وهذه المساحة لابد للطرح الإسلامي أن يكون واعياً بخطورة فقدان التوافق المجتمعي على ما يطالبه، كما يجب على الطرح الإسلامي أن يوسّع أفق العمل في هذه المساحة ويخرج من مساحات التقنين وتشريع العقوبات إلى مساحات التربية والثقافة.

فالآداب الإسلامية العامة –مثلاً– يمكن أن تتحقق في المجتمع عن طريق المؤسسات الإسلامية التربوية والثقافية وعن طريق التوعية والإعلام والمساجد، ولا يلزم أن تتحول إلى قوانين تعاقب المخالفين. كيف يمكن أن يفرض الإسلام من خلال القانون ومؤسسات الدولة؟ ألا ينبغي أن تكون المدارس والمساجد والإعلام والأوقاف أولى بهذا؟

إذن، فالنظام العام -كما أقترح في تلك التقسيمات- لابد أن يُبنى على المدني المتوافق عليه على أن لا يتعارض بأي حال مع التوافق المجتمعي الذي هو أساس عملي وشرعي لا مفر منه.

وإننا إذا نظرنا إلى هذا الأمر من المنطلق الفقهي التراثي، فيما سمي بدار الإسلام، فإن هناك معان معينة لو تحققت قال الفقهاء إن الأرض تكون بها دار الإسلام، وهناك معان إذا لم تحقق (بصرف النظر عن الأغلبية أو الأقلية)لا تكون الدار دار إسلام، وهذا من الأمور المعروفة في تراثنا، فقضية الأغلبية لم يقل بها أحد من العلماء، وإنما كان الكلام عن "الحكم بالإسلام" وظهور الشعائر والأمن والعدل وغير ذلك من المعايير المعنوية.

والحكم بالإسلام هو الحكم بالعدل أساسًا، بالإضافة إلى بعض التفاصيل التي ذُكرت آنفاً، كقضايا الأحوال الشخصية والمواريث إلى آخره. وأما إقامة الشعائر، فهي بمعنى أن يكون النظام أيا كان هو نظام يسمح للمسلم أن يقيم الشعائر الإسلامية كالأذان وصلاة الجمعة وصلاة العيد وبناء المساجد والذبائح والحج وقراءة القرآن، وأشكال مختلفة من الشعائر قالوا إنها إذا تحققت في المجتمع صارت الأرض دار إسلام بصرف النظر عن الأقلية والأكثرية. وأما مسألة الأمن، فللإمام أبو حنيفة كلام نفيس في هذا المقام يقول فيه:

"المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف"[2].

وهذا يعني أن مدار الأمر في قضية "دار الإسلام"التي ننشدها هو حول الأمان وعدم الأمان، وإننا إذا أردنا أن نقيم "مجتمعًا إسلاميًا" فإن هذا المجتمع لابد أن تتحقق فيه هذه المعاني، وهذه المعاني بالأساس هي معاني ومبادئ دينية ولكنها في نفس الوقت معاني ومبادئ مدنية، ويمكن أنيتفق عليها الإسلاميون مع غير المسلم ومع المسلم غير الإسلامي أيضًا.

أنا كمسلم أؤمن بالعدل وأؤمن أن العدل هو شريعة الله سبحانه وتعالى، وغير المسلم أو من يسمى نفسه ليبراليا –مسلما كان أو غير مسلم- هو مؤمن بالعدل أيضاً، رغم أننا قد نختلف في بعض التفصيلات، وهذا موضوع للمناقشة مفيد وجيد،وقد تختلف بعض أشكال الأحكام في شريعتي عن شريعته، ولكننا نتفق على هذه المبادئ والمجتمع متوافق عليها، وهذا يمنحنا مساحة مشتركة هائلة للحركة والإصلاح وبناء المجتمع دون أن تضيع الجهود في الشقاق والخلاف الذي لا ينفع إلا الأعداء في الداخل والخارج.

وهناك نقطة أخيرة وهامة جداً في مسألة "الدولة المدنية"، ألا وهي مفهوم "الخدمة المدنية".

في مرحلة البناء يجب أن يكون هناك فصل حاسم بين أطياف السياسة ومتغيراتها وبين ما يسمى بالخدمة المدنية، وهذه خدمة مهنية لا تقتصر على مؤسسات المجتمع المدني والخيري، ولكن الخدمة المدنية في الدول المتقدمة هي الخدمة في هيئات كثيرة تمثل العمود الفقري للدولة، منها مثلاً هيئات البحث العلمي،والجامعات، والهيئات القضائية، بل والهيئات الفنية، وكل الهيئات الأخرى المستقلة و"شبه الحكومية" التي يقوم عليها المجتمع بالأساس.

وفي الدول المتقدمة، نرى أنه إذا كان هناك إشكالية دستورية أو برلمانية ولا توجد حكومة مثلا لعدة شهور، فإن المجتمع يدار تلقائيا بشكل تلقائي ومستمر وآمن. هذا يتناقض مع الأوضاع عندنا لأن الخدمات الأساسية المدنية التي نتحدث عنها ثابتة عندهم بصرف النظر عن أداء أو حتى وجود الحكومة.

هذه الخدمة المدنية تتأثر طبعاً بالسياسة على المستوى الإستراتيجي فقط –وليس الإجرائي اليومي- وإذا تغيرت الحكومة من اليمين إلى اليسار مثلاً، فالمجتمع سوف ينتقل إلى اليسار على المدى البعيد لكن ليس على الفور، ولن تتوقف حركة المجتمع والمؤسسات المدنية على أطياف وألوان الحكومة أيًا كانت.

ولقد ابتلينا بحكام متسلطين أرادوا أن يتحكموا في كل شيء فخلطوا السياسي بالمدني، حتى بات السياسي يتحكم في المجتمع المدني نفسه، بل وفي كل الهيئات المدنية العلمية والإعلامية والفنية والتعليمية، وحتى المدرّس الذي يدرّس في روضة الأطفال، وخطيب الجمعة، ومدرب الرياضة، ومذيع النشرة، وأستاذ الجامعة، كل هؤلاء كان الحاكم المستبد بجهاز أمنه هو –قهرًا- الذي يعيّنهم ويرقّيهم أو يعزلهم ويعاقبهم. فإذا أردنا أن نكون مجتمعا مدنيا متحضرا بالمعنى المعاصر، لابد أن نفصل بين الحياة المدنية وبين تقلبات وأطياف السياسة حتى يحدث الاستقرار ويطّرد التقدم.

وقد كانت للمصريين تجربة رائدة في الخدمة المدنية المستقلة عن الحكومة ألا وهي تجربة "اللجان الشعبية" وقت الثورة. فعندما قامت قيادات الشرطة المصرية –للأسف- بالخيانة الوطنية التي تمثلت في سحب الأمن من الشوارع المصرية كلها، وترك الناس وجها لوجه مع البلطجية وفلول النظام البائد، كان صمام الأمان الذي حال دون انهيار المجتمع المصري هو "اللجان الشعبية"، إذ كوّن الناس بشكل تلقائي وبسيط مجموعات من الشباب والرجال والفتيات لحماية بيوتهم وشوارعهم ولتنظيم المرور.

وفيما بعد، بدأوا بالقيام ببعض الخدمات الأمنية والاجتماعية والحقوقية الأساسية لكي تستمر حياة المواطنين في ظل شبه غياب للدولة لمدة شهور طويلة بعد نجاح الثورة.

وهذه اللجان كانت صمام الأمان للثورة وأحد أهم مكتسباتها، ذلك نظرا لأنها لم تقتصر على الخدمات فقط ولكنها أيضا عبرت عن آراء المواطنين التي تتعلق بحقوقهم الأساسية دون تسييس حزبي أو أيديولوجي معينة إلا نصرة حقوق الإنسان المدنية المقررة، والمساهمة في رفع مستوى العدالة الاجتماعية عن طريق ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، ودعم القيم المدنية كالتعاون والتكافل والسماحة والتطوع، وهي كلها قيم ومبادئ إسلامية أصلية ومقصودة من الشريعة، كما مر..(يتبع)..

[1] Carapico,Sheila (1996). “Yemen Between Civility and Civil War,” in Civil Society in theMiddle East, ed. Richard Norton, vol. 2. Leiden: Brill, Carapico 1996, p. 288.

 [2] نقله علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع، دار الكتاب العربي، ط2، بيروت،1982م، ج7، ص131.

التعليقات