نسخة للطباعة
اكتب رأيك
اخبر صديقك
اتصل بنا
قيم هذه المادّة:
3.00 من 5 (2 صوت)

قراءة في تاريخ العالم (3) منهج القرآن الكريم في التأريخ
30-6-2009
د. أحمد محمد كنعان / كاتب وباحث سوري
وهكذا .. فإن ما يتراءى لنا في اللحظة الراهنة أنه انتصار كبير قد يكون على المدى البعيد هزيمة منكرة، وما يلوح لنا هزيمة مخزية قد يظهر بعد حين من الزمن أنه هو الانتصار الحقيقي، وهذه السمة من سمات التاريخ تدل دلالة دامغة على أن التاريخ لا يسير بصورة عشوائية، بل ترعاه العناية الإلهية التي لها وحدها القدرة على التحكم بالنتائج والنهايات، والتي يبدو جلياً أنها وضعت للتاريخ مساراً محدداً لا يخرج عنه قيد أنملة،

لقد حفل القرآن الكريم بالكثير من الوقائع التاريخية التي تناولت حياة العديد من الأمم الغابرة والعديد من الشخصيات التاريخية، المؤمنة منها والكافرة، ويشكل التاريخ محوراً أساسياً في الكثير من سور القرآن الكريم، وذلك لأن التاريخ بمنظور القرآن الكريم هو المختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري، وكأن القرآن الكريم يقول لنا: من أراد أن يتجنب أخطاء الماضي فليعد إلى صفحات التاريخ، ومن أراد أن يتعلم سنن النهوض الحضاري فليعد إلى سجلات التاريخ، ولا يفتأ القرآن الكريم يردد على أسماعنا: ((قُلْ سيروا في الأرضِ فَانْظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ الذينَ من قبلُ)).

ولا جدال بأن هذه المرجعية التاريخية للتصويب الحضاري لا يمكن أن تفيدنا إلا إذا نظرنا إلى التاريخ نظرة موضوعية محايدة، ولهذا نجد القرآن الكريم يسلك بنا مسلكاً تأريخياً موضوعياً فريداً، فهو أولاً وقبل كل شيء يدعونا للنزاهة والحياد والإنصاف في تقييم الآخرين بأن نسجل مواقفهم كما وقعت فعلاً، مهما كانت مواقفنا منهم، أو مواقفهم منا، وذلك قوله تعالى: ((يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُونوا قوَّامينَ للهِ شُهَداءَ بالقِسْطِ، ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَوْمٍ على ألا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ للتَّقْوى، واتَّقُوا اللهَ، إنَّ اللهَ خبيرٌ بما تَعْمَلُون)) المائدة 8، كما يحذرنا القرآن من الظنِّ والوَهْم والهوى وكل ما من شأنه أن ينأى بنا عن رؤية الواقع على حقيقته، فيقول تعالى: ((وما يَتَّبعُ أكثرُهم إلا ظَنَّاً، إنَّ الظَّنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً، إنَّ اللهَ عليمٌ بما يَفْعَلُونَ)) يونس 36 .

وهكذا يريد القرآن الكريم منا أن نقرأ التاريخ كما جرى فعلاً، لا كما نتمنى لو أنه جرى، وهذه مسألة حساسة تستحق منا الكثير من التأمل، لأننا حين نقرأ التاريخ كما جرى فعلاً فإننا نستطيع استنباط السنن التي تحكم مسيرة التاريخ، وبهذا نكتسب المزيد من القدرة على توجيه الأحداث وتشكيل المستقبل الذي نريد، أما حين نقرأ التاريخ كما نتمنى لو أنه جرى فإن الفائدة الوحيدة التي نجنيها من هذه القراءة المغلوطة أنها تجعلنا نحقد على التاريخ .. لأنه لم يمض كما نريد!

ومن سمات المنهج القرآني في التأريخ أيضاً أنه لا يكتفي بالتوجيهات النظرية التي تحذر من علل التأريخ، بل يقدِّم لنا من خلال قصصه المختلفة شواهد عملية على منهجه الفريد بالتزام الموضوعية، فنراه يصوَّر لحظات الضعف البشري التي انتابت بعض الأنبياء عليهم السلام في مناسبات عديدة، وذلك حرصاً من القرآن الكريم على تقديم الوقائع كما جرت فعلاً حتى وإن كانت تتعلق بأفضل الخلق، وبهذا المنهج الإلهي الفريد قدَّم لنا القرآنُ الكريمُ المثلَ الأعلى في الموضوعية التاريخية ..

والأمثلة على هذا كثيرة جداً، منها تلك الآيات التي تضمنت العتاب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم على بعض تصرفاته، مثل تصرفه مع مولاه زيد الذي كان يرغب بتطليق زوجته بينما ظل النبي يمنعه ويخفي عنه الأمر الإلهي بأن يطلقها منه ويتزوجها هو: ((وإذ تقولُ للذي أَنعَمَ اللهُ عليهِ وأنعمتَ عليهِ أمْسِكْ عليكَ زوجَكَ واتَّقِ اللهَ وتُخفي في نفسكَ ما اللهُ مُبْديهِ وتخشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أن تخشاه)) الأحزاب 37، ومن الأمثلة أيضاً عتاب القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم لقبوله الفداء في أسرى بدر: (( ما كانَ لنبيٍّ أن يكونَ لهُ أسْرى حتى يُثخِنَ في الأرضِ، تُريدونَ عَرَضَ الدنيا واللهُ يريدُ الآخرةَ، واللهُ عزيزٌ حكيمٌ )) الأنفال 67، ومنها أيضاً عتابه للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن الأعمى الذي جاء يسأله عن الإسلام فأعرض عنه لانشغاله بدعوة زعماء قريش: ((عَبَسَ وتولَّى 0 أنْ جاءَهُ الأعمى 0 وما يُدريكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 0 أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى 0 أمَّا من استغنى فأنتَ لهُ تَصَدَّى 0 وما عليكَ ألا يَزَّكَّى 0 وأمَّا من جاءَكَ يَسْعى 0 وهو يخشى 0 فأنتَ عنه تَلَهَّى 0 كلا إنَّها تَذكرة)) عبس 1 ـ 11، والشواهد في القرآن الكريم على هذا المنهج الفريد كثيرة ومعروفة.

ومن الملاحظات الجديرة بالملاحظة أيضاً حول طريقة القرآن الكريم في التأريخ أنه عندما يروي واقعة تاريخية ما فإنه لا يحفل كثيراً بذكر التفاصيل التي قد تشوش رؤية السنن التي تحكم التاريخ، بل يكتفي بذكر ما يخدم باستنباط تلك السنن، وهو في الغالب لا يذكر تاريخ الواقعة، ولا اسم المكان الذي وقعت فيه، ولا يصرح بأسماء الأشخاص الذين شاركوا فيها، بل يركِّز على ذكر الخطوط العريضة للواقعة حتى يصوغها في النهاية على شكل معادلة رياضية تصلح للتطبيق على الوقائع المماثلة، وبهذا المنهج القرآني الدقيق تغدو عملية (التأريخ) علماً كالرياضيات والكيمياء والفيزياء، فهي تقدم لنا التاريخ بصورة قوانين قابلة للتسخير مما يعيننا على توجيه الأحداث والتحضير الإيجابي للمستقبل الذي نريد.

ومن الأمثلة على هذا المنهج الفريد في التأريخ حديث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف .. فمن هم أولئك الفتية ؟ ومتى وقعت قصتهم ؟ وأين يقع الكهف الذي آواهم؟ وكم كان عددهم؟ ومن هو الملك الظالم الذي فروا بدينهم منه ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها لا يتوقف القرآن الكريم عندها، بل يمضي لبيان العبرة من القصة دون أن يحفل بالتفاصيل التي لا تقدم ولا تؤخر!

ومن الأمثلة على هذا المنهج أيضاً حديث القرآن الكريم عن ((الذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خاويةٌ على عُرُوشِها 0 قالَ أنَّى يُحْيي هذهِ اللهُ بعدَ مَوْتِها، فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ..)) البقرة 259، فمن هو الذي مر؟ وما اسم القرية التي مرَّ عليها؟ ومتى كان مروره؟ كل هذه التفاصيل لا يحفل القرآن الكريم بها، بل يتوجه لذكر الخطوط الرئيسية للواقعة لإظهار السنن الإلهية التي تحكمها.

ومن خلال هذه الأمثلة وغيرها، يظهر لنا الفارق الأهم ما بين المنهج القرآني في التأريخ ومنهج المؤرخين، الذين يكتفون عادة بسرد الوقائع، ويسهبون في ذكر التفاصيل، ولا يحفلون من قريب ولا من بعيد ببيان السنن الإلهية التي تحكم مسيرة الأحداث، مما يضيع علينا الغاية الأهم التي يفترض أن نجنيها من مطالعة كتب التاريخ.

ومن الملاحظات الجديرة بالتوقف عندها أيضاً، ونحن نستعرض الطريقة الفريدة التي ينتهجها القرآن الكريم في التأريخ، أنه لا يكتفي بذكر الوقائع مجردة عن الظلال الموحية التي تصاحبها، بل يستهلُّ السرد بافتتاحية يمهد فيها للحديث عن الواقعة، ثم (يرسم الحركة التي وقعت بكل تفاصيلها، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة، ويسلِّط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها، ثم يقول للمؤمنين حُكْمَه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف، وتنمية الصواب والاستقامة، وربط هذا كله بقَدَر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود.. )، وذلك لأن التاريخ بمنظور القرآن الكريم ليس مجرد أقاصيص تحكى، ولا هو مجرد تسجيل بارد للوقائع والأحداث، وإنما هو وجبة روحية حية نتلقاها للدراسة والعبرة والتربية (( لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِم عبرةٌ لأُولي الألْبابِ )) يوسف 111، ((فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ)) الأعراف 176، وقد تنبهت الأمم الحية إلى هذه السمة في التاريخ فأصبحت تعد دراسة التاريخ من دروس التربية للأمة، فنجدها تصوغه بصورة يؤدي مهمة تربوية في حياتها.

إلا أن هذه الغاية لا يصح أن تدفعنا لتقديم التاريخ في غير صورته الحقيقية، أو الاكتفاء منه بالصور الوضيئة التي تخدر أعصابنا وتوهمنا أننا بخير، أو أننا خير أمة على وجه الأرض لمجرد أن في تاريخنا بعض اللمحات المضيئة، لأن هذا الاصطفاء التاريخي هو اصطفاء خدَّاع يعوقنا عن تسطير تاريخ جديد يسمو بنا وبالعالم إلى الآفاق الإنسانية الرحبة التي نرنو إليها، ومن أجمل ما قرأت في هذا السياق كلمات للشاعر نزار قباني سطرها في سيرته الذاتية قال فيها: (إنني أحترم التاريخ حين يكون شرارة تضيء المستقبل، ولكنني أرفضه بعنف حين يتحول إلى نصب تذكاري، أو إلى برشامة كتب على غلافها الخارجي : ليس في الإمكان أبدع مما كان)!

إننا بهذا المنهج القرآني الفريد الذي ألمحنا إلى أبرز سماته، نجني من رحاب القرآن الكريم ثمرتين : الأولى معرفتنا بأبرز تفاصيل الواقعة، والثانية فهمنا للسنن التي تحكمها واكتسابنا للمزيد من القدرة على التعامل مع الوقائع والأحداث، وسوف نحاول في المقالات القادمة أن نستلهم هذا المنهج القرآني في التأريخ على أمل تقديم قراءة لتاريخ العالم تقترب من الموضوعية قدر المستطاع، وتبرز أهم السنن الإلهية التي تحكم مسيرة هذا الوجود، مع التنويه بأن الهدف الأخير من هذه القراءة لتاريخ الوجود ليس تكرار الحديث عما وقع عبر التاريخ من أحداث، ولا إضافة معلومات تاريخية جديدة إلى سجلات التاريخ، بل هدفنا الأساسي هو تقديم صورة شاملة (= بانوراما) لمسيرة التاريخ تعيننا على التفكير بشكل تاريخي صحيح، وتكسبنا القدرة على التعامل الإيجابي مع الأحداث والمستجدات، وتعطينا القدرة على المساهمة ببناء مستقبل أفضل .. ليس لأمتنا فحسب .. بل للبشرية قاطبة.

ـ التاريخ ومفهوم الزمن:

من الوجهة الزمنية يمكن تقسيم التاريخ إلى مراحل ثلاث: ماض، وحاضر، ومستقبل، وهذا التقسيم هو في الواقع تقسيم خادع إلى حد بعيد (وتنشأ الصورة الخادعة من أننا نعيش في الحاضر، والحقيقة هي أن الحاضر لا وجود له، ففي اللحظة التي تفرغ فيها من قراءة هذه الجملة تشعر بأن ما كنت تعتبره حاضراً قد أصبح جزءاً من الماضي، وأن المستقبل أصبح حاضراً، وأنه لن يلبث هو الآخر أن يصبح جزءاً من الماضي) (4)، وهذا يعني أن مراحل التاريخ الزمنية ليست سوى سلسلة متصلة يتداخل فيها الماضي بالحاضر بالمستقبل على نحو يتعذر معه الفصل بين هذه الأزمنة المختلفة.

غير أننا بالرغم من هذه الحقيقة نجد أنفسنا مضطرين للأخذ بهذا التقسيم من قبيل التبسيط، وتسهيلاً على الدارسين للتاريخ الذين يتفاوت اهتمامهم بمراحل التاريخ تبعاً للغايات التي يأمل كل منهم تحقيقها، فالمؤرخون على سبيل المثال يهتمون بالماضي أكثر من اهتمامهم بالحاضر والمستقبل، وكم يسعد المؤرخ أن يحول الماضي بما فيه من شخصيات وأحداث وأمكنة وأزمنة إلى كتب ومجلدات أنيقة تحتل مكانها اللائق على الرفوف، أما السياسيون فإن الحاضر يبقى هو شغلهم الشاغل لأنهم لا يؤمنون إلا باللحظة الراهنة وما يجب أن يفعلوه (الآن) لكي يبقوا على رأس السلطة، وأما الأثرياء والمستثمرون ورجال الأعمال وأصحاب الشركات الكبرى فإنهم مع اهتمامهم الكبير بالحاضر الذي يشكل سوقهم اليومية، فإنهم لا يغفلون المستقبل، وذلك تحسباً من أن يباغتهم ببعض المفاجآت فيقلب مشاريعهم القادمة رأساً على عقب!

ويبدو أن تفاوت الاهتمام بمراحل التاريخ على هذه الصورة يعبر عن نوع من قصر النظر الذي يطبع السلوك البشري بطابعه، ومن هنا ندرك عظمة القرآن الكريم الذي لم يتوقف عند سرد وقائع الماضي وحده، ولم يقتصر على معالجة الحاضر فحسب، بل خصص إلى جانب ذلك مساحات واسعة للحديث عن مستقبل هذا الوجود وما سوف يشهده من أحداث، وذلك لوضع البشر في إطار الصورة الشاملة لمسيرة الوجود، وحضهم على الاستفادة من دروس الماضي لتجنب أخطاء الحاضر، والتخطيط الصحيح للمستقبل الذي لا ينتهي بانتهاء هذا الدنيا بل يمتد ليتواصل مع الحياة الآخرة التي ستفضي بنا إلى الخلود في إحدى الدارين، الجنة أو النار.

ومما تجدر ملاحظته هنا أن النصوص التي وردت في القرآن الكريم عن مستقبل هذا الوجود قد وردت بصيغ مجملة غير صريحة الدلالة، فنهاية هذا الوجود كما تصورها النصوص غير معلومة الزمان ولا معلومة الكيفية، كما أن العلامات الصغرى والكبرى التي تسبق تلك النهاية أو تنذر بها (النار، الدابة، الدجال، طلوع الشمس من مغربها ..)، غير صريحة الأوصاف ولا معلومة الزمان ولا المكان، ونعتقد أن هذا الإبهام من جهة القرآن الكريم يرمي إلى ترك باب المستقبل مفتوحاً للاجتهاد البشري والفعل البشري حتى آخر لحظة من لحظات هذا الوجود، ونلمح مثل هذا المقصد في بعض الأحاديث التي تحضنا على مواصلة العمل حتى آخر لحظة من لحظات هذا الوجود لكسب الوقت الذي هو أثمن ما يملكه الإنسان في حياته الدنيا، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامت الساعةُ، وبيَدِ أحَدِكُم فَسيلةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ ألا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَها فَلْيَفْعَلْ)) (5)، ولهذا جعلت التشريعات الإسلامية للزمن مكانة خاصة، فهي إلى جانب توزيعها للعبادات توزيعاً زمنياً دقيقاً، فإنها تحضُّ المؤمن على الاستفادة من الوقت المقدَّر له في هذه الدنيا إلى أقصى حد ممكن، حتى لا يضيع منه دقيقة واحدة بغير عمل أو كسب يزيد من رصيده عند الله عزَّ وجلَّ، ويرشِّحه للخلود في دار النعيم.

ـ الحكم على التاريخ:

وثمة ملاحظة مهمة جداً نود التوقف عندها ونحن في معرض الحديث عن التاريخ وعلاقته بالزمن، وهي أن ما يقع في زمن معين من أحداث ينبغي أن لا نصدر عليه حكماً نهائياً مبرماً بأنه خطأ أو صواب، خير أو شر، إلا بعد مضي فترة كافية من الزمن، وظهور مؤشرات أكيدة على اختتام الحدث وعدم بقاء أية متعلقات به، وذلك لأن الحدث أشبه بالصوت الذي قد لا يصلنا صداه إلا بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر، وكذلك هي معظم أحداث التاريخ فقد لا تظهر نتائجها النهائية إلا بعد أمد طويل قد يستغرق أجيالاً طويلة، وجعبة التاريخ مليئة بمثل هذه الأحداث، فبوادر انهيار الخلافة العثمانية مثلاً بدأت قبل قرنين من سقوطها الفعلي، والاتحاد السوفياتي لاحت بوادر سقوطه قبل عشرين عاماً على الأقل من إعلان سقوطه الرسمي، وجسد نبي الله سليمان عليه السلام بقي فترة طويلة من الزمن قبل أن ينهار ويكتشف الجن أنه قد فارق الحياة (6)، وهكذا هي جولات التاريخ، فإن نهاية الحدث أو نتيجته قد تتأخر كثيراً عن بدايته.

ويعلمنا التاريخ أيضاً أن لا نتعجل بالحكم على رجاحة بعض القرارات أو فشلها قبل أن نعطيها ما تستحقه من الزمن، فكم من قرارات اتخذت في وقت من الأوقات فأيدها الناس أشد التأييد، وتحمسوا لها غاية الحماسة، ولكنها بعد حين من الزمن عادت بأفدح الخسائر والنكبات، وكم بالمقابل من قرارات عارضها الناس في حينها معارضة شديدة، أو حكموا عليها بالفشل الذريع، ولكنها بعد حين من الزمن أثمرت أفضل النتائج، وليس صلح الحديبية الذي أبرمه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قريش (7هـ / 628م)، إلا مثالاً واحداً على ما نقول، فقد عارض الصحابة رضوان الله عليهم هذا الصلح بشدة لما رأوا فيه من غمط لحقوقهم، لكن الأيام أثبتت أن الصلح كان فتحاً كبيراً للإسلام والمسلمين، فقد أظهر الصلح أن المسلمين ليسوا دعاة حرب وقتل ودمار، بل دعاة سلام وخير ومحبة، كما هيأ الصلح جواً من الهدوء والأمان بين المسلمين وأعدائهم ما جعل الكثيرين من هؤلاء الأعداء يعيدون حساباتهم ويراجعون مواقفهم من الإسلام، فمالت قلوب كثير منهم للدين الجديد ودخلوا فيه، وبهذا قويت شوكة المسلمين، وتوسعت دائرة الإسلام، ولم يمض عامان على الصلح حتى فتح الله على المسلمين مكة سلماً بغير حرب ولا دماء، وراح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

ـ تغير مجرى التاريخ:

وهكذا .. فإن ما يتراءى لنا في اللحظة الراهنة أنه انتصار كبير قد يكون على المدى البعيد هزيمة منكرة، وما يلوح لنا هزيمة مخزية قد يظهر بعد حين من الزمن أنه هو الانتصار الحقيقي، وهذه السمة من سمات التاريخ تدل دلالة دامغة على أن التاريخ لا يسير بصورة عشوائية، بل ترعاه العناية الإلهية التي لها وحدها القدرة على التحكم بالنتائج والنهايات، والتي يبدو جلياً أنها وضعت للتاريخ مساراً محدداً لا يخرج عنه قيد أنملة، ولعل أجمل ما قرأت في التعبير عن هذه السمة في التاريخ ما كتبه الأديب الروسي الكبير ليو تولستوي (1828 ـ 1910) في روايته الشهيرة (الحرب والسلام)، إذ كتب يقول: (إن الأفراد ليسوا سوى أدوات طيِّعة في يد التاريخ، ينفذون الأهداف المخفية عنهم .. والعناية الإلهية تدفع هؤلاء الناس، كلاً منهم على حده، لكي يصلوا إلى غاياتهم الشخصية، لكن هذه الغايات المتفرقة تجتمع بعضها مع بعض لكي تحقق غاية عظيمة جداً تختلف عن كل توقعاتهم)!

ولهذا لا نستغرب أبداً حين نرى أن الأحداث الكبرى التي شهدها التاريخ لم تغير من مساره الذي رسمته يد العناية الإلهية .. نعم .. ربما تكون بعض الأحداث الكبرى قد أحدثت صخباً شديداً في حينها، حتى ظن الناس أن تلك الأحداث قد (غيرت مجرى التاريخ)، إلا أن صخب تلك الأحداث لم يلبث أن هدأ ثم تلاشى تاركاً التاريخ يمضي إلى نهايته المقدَّرة حتى لم يبق من تلك الأحداث سوى آثار باهتة لا تكاد تغير شيئاً من الصورة العامة لتاريخ الوجود.

ومن الغريب أن معظم الناس، بل وكثير من المؤرخين المتمرسين أيضاً، لا يلتفتون إلى هذه السمة التي تطبع حقب التاريخ المختلفة بطابعها، مع أن التاريخ يمدنا بالكثير من الوقائع التي تظهر هذه السمة بوضوح، وتبين وجود تخطيط مسبق أو برنامج زمني إلهي يحكم مسيرة التاريخ ويجعل أفعال البشر تصب في مجراه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السمة في مواضع عديدة، منها قوله تعالى: ((إِنَّهُم يَكيدونَ كَيْداً 0 وَأَكيدُ كَيْداً 0 فَمَهِّلِ الكافرينَ أَمْهِلْهُم رُوَيْداً))، الطارق 13 ـ 15، ومنها أيضاً قوله تعالى: ((سَنَسْتَدْرِجُهُم من حيثُ لا يَعْلَمونَ 0 وَأُمْلي لَهْم إِنَّ كَيْدي مَتين))، الأعراف 182 ـ 183.

فقد يقرر بعض الناس قراراً ما ويعملون بكل طاقتهم على تنفيذه، إلا أن تنفيذ هذا القرار يبقى رهناً بمشيئة الله تعالى، الذي إن شاء أنفذه وإن شاء لم ينفذه، وهذا لا يتعارض مع الحرية الفردية، كما قد يتراءى لنا للوهلة الأولى، فإن الحرية الفردية مقررة شرعاً بصريح الكتاب والسنة، وهي مناط التكليف للإنسان، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل هي مقيدة بالحدود التي تتيح للإنسان القيام بأمانة الاستخلاف، وليس في مقدور الإنسان أن يتجاوز هذه الحدود ليغير مسيرة التاريخ، وإلا انحرف تاريخ الوجود عن المسار الذي قدَّره ربُّ الوجود .. سبحانه.

وما قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته إلا مثال آخر على ما نقول، فقد تحايل إخوته على أبيهم حتى يرسل معهم يوسف في رحلتهم إلى مصر بحجة الحصول على المزيد من التجارة والربح، وكانوا قد أضمروا في أنفسهم التخلص منه لما يرون من مكانته من أبيه، وبالفعل ألقوه في غيابة الجُبِّ، واعتقدوا أنهم تخلصوا منه إلى غير رجعة، ولم يَدُر في خلدهم أن فعلتهم تلك سوف تنقلب ضدهم، وأنهم بتلك الفعلة وضعوا يوسف عليه السلام على أول الطريق إلى المجد.

وهذا لا يعني أن العباد غير مسؤولين عن أفعالهم، بل هم مسؤولون عن الأفعال التي تدخل في نطاق تكليفهم، كما هي حال إخوة يوسف الذين هم بلا ريب مسؤولون عما فعلوه بأخيهم، وأما ما حصل بعد ذلك مع هذا الأخ المظلوم، والإنصاف الذي ناله، والمكانة العلية التي وصل إليها، فهو يندرج في إطار البرنامج الإلهي الشامل لهذا الوجود، وهذا ما أشار إليه يوسف عليه السلام حين التقى بأبيه وأمه وإخوته بعد فراق طويل حين قال يخاطبهم: ((.. إن ربي لطيفٌ لما يَشاء، إنه هو العليم الحكيم)) يوسف 100، واللطف هنا يعني أن قدر الله تعالى يجري على الخلق بصورة لطيفة خفية لا يشعر بها أحد، حتى إذا اكتملت عناصر الحدث جاءت النتيجة النهائية مزلزلة، كما تزلزل إخوة يوسف عندما رأوا أخاهم الذي ارتكبوا بحقه تلك الأفعال الشنيعة وقد رفعه الله تعالى إلى أعلى المناصب .. وللحديث صلة بإذن الله تعالى.



تصحيح | عبدالله يقول...
(وما قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته إلا مثال آخر على ما نقول، فقد تحايل إخوته على أبيهم حتى يرسل معهم يوسف في رحلتهم إلى مصر بحجة الحصول على المزيد من التجارة والربح، وكانوا قد أضمروا في أنفسهم التخلص منه لما يرون من مكانته من أبيه، وبالفعل ألقوه في غيابة الجُبِّ)

فقط للعلم انهم طلبوا من ابيهم ليرسل يوسف معهم ليرتع ويلعب

اما ما ورد في العبارة اعلاه فهي تنطبق على اخي يوسف لان يوسف قال لهم ائتوني بأخ لكم من أبيكم لذا اقتضى التنويه


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو