ليس ثمة شك في أن الاتفاق الثلاثي، التركي - البرازيلي - الإيراني، الذي عقد في طهران هذا الشهر حول مبادلة اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب بيورانيوم أعلى تخصيباً، مثل اختراقاً ملموساً في أزمة الملف النووي الإيراني. كانت الولايات المتحدة ومجموعة الدول الغربية الحليفة لها هي التي قدمت اقتراح التبادل، ولكنها عجزت عن كسب ثقة الإيرانيين لوضع الاقتراح موضع التنفيذ
ولكن ردود الفعل الأمريكية والأوروبية الغربية الأولى تجاه الاتفاق/ المفاجأة لم تكن إيجابية؛ بل حتى رد فعل روسيا، التي يفترض أن تلعب دوراً إيجابياً وأقرب إلى الدول الثلاث، اتسم بالغموض والمناورة. خلال الأيام القليلة التي تلت توقيع اتفاق التبادل، بدا وكأن الآمال التي علقت عليه جرى إجهاضها لصالح دعاة الحرب الإسرائيليين والعرب والأوروبيين.
الحقيقة، أن هذا اتفاق تاريخي بكل ما في الكلمة من معنى، وأن واشنطن وحلفاءها في طريقهم إلى خسارة هذه الجولة من التدافع على الملف النووي الإيراني.
المسألة التي ينبغي الاعتراف بها، أن اتفاق مبادلة اليورانيوم لا يضع حلاً سوى لقضية واحدة من قضايا الملف النووي الإيراني في صيغتها الغربية. ما تطالب به القوى الغربية ليس مبادلة اليورانيوم وحسب، بل أيضاً موافقة طهران على نظام مراقبة دولي حازم لمشروعها ومراكز أبحاثها النووية، وإيقاف عملية تخصيب اليورانيوم في شكل كلي ونهائي.
توصل اتفاق طهران إلى حل للمسألة الأولى، بإجراء التبادل على الأرض التركية وضمانة من أنقرة، وتعهد إضافي من البرازيل، التي تمتلك المقدرة على التخصيب إلى المستوى الذي تسعى إيران للحصول عليه. القول بأن تركيا والبرازيل توفران لإيران فرصة أخرى للتهرب من العقوبات، وكسب مزيد من الوقت، ومن ثم تطوير قدراتها النووية العسكرية، هو حكم على النوايا، لا أكثر.
والعلاقات الدولية، سيما مسائل الحرب والسلم، لا يمكن أن يسمح لها أن تستند إلى حسابات النوايا. في المرة السابقة التي سلكت فيها واشنطن وحلفاؤها مثل هذا المسلك، انتهت الأمور إلى تدمير العراق وتحمل الولايات المتحدة خسائر مادية وبشرية وسياسية كبيرة. وبالرغم من أن لإيران الحق في تخصيب اليورانيوم لأهداف سلمية، فإن الاتفاق الثلاثي خطوة هامة في طريق حل الملف النووي الإيراني بمجمل عناصره.
هذا من الجهة الإيرانية، أما الأطراف الرئيسية الأخرى ذات العلاقة، فيمكن فهم مواقفها كالتالي:
تعمل تركيا منذ شهور طويلة من أجل إيجاد حل تفاوضي للملف النووي الإيراني وتجنب حرب جديدة في الجوار. وما دفع تركيا إلى تعهد دور الوسيط، والتصميم عليه، بلا كلل أو ملل، طوال الشهور الماضية هو:
1 ـ التزام حكومة العدالة والتنمية بالدفاع عن حقوق المسلمين وتجنيبهم ويلات الحروب والتدخلات العسكرية الأجنبية، بعد أكثر من قرن من الاضطرابات وعدم الاستقرار.
2 ـ أن إيران جارة لصيقة بتركيا، تجمع البلدين حدود طويلة وروابط ثقافية وعرقية، وستكون تركيا بالتالي من أوائل الدول التي ستتأثر بأية حرب على إيران.
3 ـ أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تركيا وإيران تنمو في صورة غير مسبوقة، ويعتقد الأتراك أن بالإمكان دفع عجلة النمو والازدهار في الإقليم إن توفرت شروط الاستقرار.
ثمة خلافات بالطبع في وجهات النظر بين أنقره وطهران، وقد أعلن إردوغان في أكثر من مناسبة أن تركيا، التي تذكر العالم على الدوام بالترسانة النووية الإسرائيلية، لا ترغب ولا تريد انتشاراً للسلاح النووي في الشرق الأوسط. وثمة قناعة متزايدة في أوساط الحكومة التركية أن الحل التفاوضي يمكن أن يجنب الإقليم دخول حلبة سباق تسلح نووي، بينما لن تؤدي الحرب إلا إلى تصميم إيراني على قطع طريق التسلح إلى نهايته.
البرازيل، من جهة أخرى، وافد جديد على الملف وعلى المنطقة. ما وفر للبرازيل الثقة الكافية لتعهد دور عالمي، ليس فقط خلفية الرئيس لولا، وقناعاته العميقة بالخلل الفادح في نظام دولي تسيطر عليه الكتلة الأطلسية، ولكن أيضاً أن البرازيل، التي تتمتع باستقرار سياسي داخلي منذ أكثر من عقد، تحتل موقعاً بارزاً ضمن دول الصف الثاني في العالم، مثلها مثل تركيا.
البرازيل هي أكبر دول أمريكا اللاتينية مساحة وتعداداً سكانياً، وتشهد نمواً اقتصادياً ملموساً، يرتكز إلى قاعدة صناعية راسخة وإلى ثروة كبيرة في مصادر الطاقة. وتدرك حكومة الرئيس لولا أن ليس ثمة قوة اقتصادية مجردة في عالم اليوم، وأن القوة الاقتصادية لابد أن يواكبها دور سياسي فعال على الساحة الدولية، وليس في الجوار اللاتيني وحسب.
الحلقة الأضعف في التدافع على ملف إيران النووي ومستقبلها، بالطبع، هي روسيا. من دون روسيا، ليس من المتوقع أن تنجح الولايات المتحدة في فرض نظام العقوبات الذي تعد له على إيران، إضافة إلى أن روسيا مصدر التسليح الرئيسي للمؤسسة الدفاعية الإيرانية.
ولأن إيران تلعب دوراً هاماً في جوارها، العربي ـ الإسلامي وشمال القوقاز وأفغانستان ووسط آسيا، فإن لروسيا مصلحة كبرى في أن تحافظ على صداقة إيران. ولكن روسيا من جهة أخرى ليست الاتحاد السوفيتي، وبالرغم من أن تراكم عائدات النفط خلال السنوات القليلة السابقة على اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، وفرت لإدارة بوتين ـ ميدفيدف فرصة هامة لإخراج روسيا من هوة الانحدار، وتحديث أنظمة التسلح والعسكرية الروسية، فإن روسيا تعاني من صعوبات هيكلية وتحديات جغرافية سياسية، لا يمكن من دون معالجتها الحفاظ على موقع روسيا في صفوف الكبار.
روسيا، مثلاً، تحتاج إطلاق عملية تحديث شاملة وسريعة لبنيتها الاقتصادية والصناعية؛ كما أن انهيار الاتحاد السوفيتي ترك روسيا عرضة لمخاطر إستراتيجية لا يمكن تجاهلها، سواء في شمال القوقاز، الممر الوسط - آسيوي إلى الشمال، أو السهوب الأوروبية، التي عبرتها كل الغزوات السابقة لروسيا.
تبذل روسيا جهوداً حثيثة لتحديث بنيتها الاقتصادية والصناعية، وتحاول في الآن نفسه استرداد نفوذها الاستراتيجي في ما يطلق عليه اليوم "الخارج القريب"، أي الدول التي أعلنت استقلالها في أوروبا وشمال القوقاز ووسط آسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
في كلا الملفين: التحديث الاقتصادي ـ الصناعي وإعادة بناء دائرة الأمن الجغرافي السياسي، تحتاج موسكو تعاون واشنطن، صمتها، أو إبرام صفقة معها. وهنا ينبع الخطر الذي يتهدد الآمال الإيرانية في تبلور موقف روسي إيجابي.
تضم الأطراف الهامة الأخرى الصين ومجموعة الدول الأوروبية المشاركة في القرار الغربي تجاه الملف النووي الإيراني: بريطانيا، فرنسا، وألمانيا. الصين، التي تربطها بإيران علاقات اقتصادية وثيقة ومتزايدة، بما في ذلك النفط والغاز، ترغب بالتأكيد في تجنب الحرب، وتعتبر الأقرب إلى الموقفين التركي والبرازيلي. ولكن ذلك لا يعني أن بكين ستعارض إلى النهاية توفير غطاء دولي لمشروع قرار العقوبات على إيران، سيما بعد أن ساعدت على تخفيف وطأة نص القرار الأولي الذي أعده الأمريكيون. وربما يمكن وضع ألمانيا، ولأسباب مشابهة، إلى جانب الصين؛ ولكن ألمانيا ليست عضواً دائماً في مجلس الأمن على أية حال.
البريطانيون والفرنسيون، لدوافع مختلفة، أقرب إلى واشنطن، وطالما أن التصعيد في مستوى الأزمة لن يلقي على أكتافهم بأعباء عسكرية جديدة، فليس لديهم من مانع لتبني الموقف الأمريكي ـ الإسرائيلي.
ما وفره الاتفاق الثلاثي حول مبادلة اليورانيوم، يتمثل أولاً في تعزيز مصداقية النهج التفاوضي، ليس فقط لأن إيران استجابت للاقتراحات التركية ـ البرازيلية، ولكن أيضاً لأن تركيا والبرازيل ليستا في معسكر معاد للولايات المتحدة والكتلة الأطلسية. أما الإنجاز الثاني للاتفاق فيتعلق بنجاح الرئيس البرازيلي لولا ورئيس الحكومة التركية إردوغان في تجريد واشنطن والقوى الأطلسية من مسوغات التصعيد في الملف النووي الإيراني، بما في ذلك مسوغات إصدار قرار عقوبات دولية جديدة.
سيبذل الإسرائيليون وأصدقاؤهم في واشنطن والإدارة الأمريكية جهوداً حثيثة من أجل تجاهل اتفاق التبادل أو التشكيك في الوعود التي يحملها للسلم في المشرق، ولكن القوى التي ترغب في تجنب الحرب وتصعيد الأزمة في الإدارة الأمريكية هي قوى فاعلة ومؤثرة أيضاً. كما أن لا الصين ولا ألمانيا، ولا الرأي العام العالمي، يمكن أن يتجاهل دلالات الاتفاق. أما روسيا، فتقف الآن أمام المحك، سواء فيما يتعلق بعلاقاتها الوثيقة بإيران، أو بمصداقية سياساتها وموقعها في النظام الدولي لدى دول مثل تركيا والبرازيل.
مشكلة الاتفاق غير المرئية، أنه يقدم دليلاً آخر على التسارع المستمر في انتقال القوة والتأثير من المركز الأطلسي إلى دول الصف الثاني الصاعدة على المسرح الدولي. هذه حقبة جديدة في نظام العلاقات الدولية، وهي حقبة لم تعتدها واشنطن بعد؛ حتى الصين، التي تفوق تركيا والبرازيل قوة ووزناً، تجنبت حتى الآن لعب دور نشط في المناطق غير ذات الصلة المباشرة بالمتطلبات الجغرافية السياسية الصينية.
إحدى الاحتمالات، أن ترى الإدارة الأمريكية في الإنجاز التركي ـ البرازيلي تحدياً للإرادة والنفوذ الأمريكيين، ليس لأن الاتفاق سيئ في جوهره، بل لما يحمله من دلالات على نفوذ وتأثير تركيا والبرازيل المتزايدين.
ولكن مهما كان الأمر، فبعد ردود الفعل الأولية السريعة والتصعيدية، ما سيراه العالم سيكون المزيد من التشققات في الموقف الدولي من الاتفاق. ومن غير المستبعد أن تكون إدارة أوباما قد بدأت فعلاً التخطيط لمباحثات مباشرة جديدة مع إيران، بالرغم من إعلانها عدم قبول الاتفاق.

