في بداية مايو الماضي، منح معهد (امريكان انتربرايز) ـ أبرز مراكز بحث للمحافظين الجدد ـ الجنرال ديفيد بتريوس، قائد القيادة الوسطى الأمريكية، جائزة "إيرفينغ كريستول"، والتي تعطى للأفراد الذين "أنجزوا إبداعات فكرية أو أسهموا عمليا في تطوير السياسات الاجتماعية الحكومية وتحسين الرعاية الاجتماعية أو توصلوا إلى تحقيق تفاهم سياسي".
وخلال كلمته في حفل تسليم الجائزة، والتي اختير لها عنوان: "موجة من الأفكار"، أشاد بتريوس بعدد من خبراء المحافظين الجدد المرتبطين بالمعهد، وخاصة "فريق كاجان"، على عملهم في إعداد الأرضية الفكرية التي أدت إلى "زيادة" القوات في العراق. وقال: "في خريف عام 2006، ساعد خبراء بالمعهد وتطوير لمفهوم ما أصبح يعرف باسم "الموجة"، حيث أعد "فريد" و"كيم" كاغان، وفريقهما، الذي ضم الجنرال المتقاعد جاك كين، تقريرا أسهم في نشر قوات إضافية في العراق. وكما يعلم الجميع هنا، فإن المعهد أصبح واحدا من مراكز الأبحاث النادرة، التي كان لها الأثر الإستراتيجي حقا".
قبل ثلاثة أشهر من ذلك، وتحديدا في يناير الماضي، ألقى "بترايوس" خطابا مماثلا بشأن تنامي تأثير "الأفكار"، وذلك خلال نقاش نظمه معهد "كيم كاغان" لدراسة الحرب، ومقره في مونتريال)، وأعرب عن ثقته في "تحليل المعهد وأبحاثه القيمة".
وكرس أكثر مداخلته لمناقشة أولويات الولايات المتحدة العسكرية في منطقة "الشرق الأوسط الكبير"، ذكر "بترايوس"، أن الأمر الأهم بكثير من زيادة 30 ألف جندي أمريكي إضافي، كانت موجة من الأفكار التي ساعدتنا على استخدام هذه القوات. وأضاف أن عددا من "أبطال" مراكز التفكير، مثل "فريد" و"كيم"، هو واضعو الدراسات "والتحليلات التي كان لها الأثر الإستراتيجي في الواقع".
وكان بتريوس يشير إلى دراسة بعنوان "اختيار النصر: خطة للنجاح في العراق"، وهي التي يرعاها معهد (امريكان انتربرايز)، وبإشراف "فريد كاغان" والجنرال المتقاعد "جاك كين". كما كان للدراسة التي صدرت في أوائل عام 2007م، تأثير قوي في تشكيل وبناء موجة التأييد الشعبي الأمريكي له. وأضاف: "أعتقد أنها لعبت دورا هاما في المساعدة على تشكيل المفاهيم الفكرية والتأثير في الواقع الميداني، وكذا المساعدة على صياغة القرار السياسي النهائي الذي اتخذ".
وقد أثارت نظرية "موجة الأفكار" لبتريوس انتباه وانتقاد المعلقين والخبراء في السياسة الخارجية. إذ كان هناك اتجاه في السنوات الأخيرة داخل أوساط المؤسسات الفكرية وضباط الجيش، لمتابعة الأهداف السياسية جنبا إلى جنب، والضغط أحيانا لمعارضة الخيارات المتبعة من جانب إدارة الرئيس أوباما.
ووفقا لبعض المراقبين، فإن هذا الاتجاه يثير تساؤلات حول الدور المناسب للضباط العسكريين، الذين يشكلون جزءا من سلطة القرار ومؤسسات الفكر والرأي، التي تقدم نفسها بوصفها مراكز تفكير "غير متحزبة". ويرى بعض المحللين في المراكز التابعة للبراليين، أن ضباط الجيش (ومنهم بترويس) عندما يتدخلون في السياسة، فإنه يمكن أن يضيقوا حدود النقاش.
بترويس كان يدرك أن مصداقية الرئيس السابق بوش في أدنى مستوياتها، ومن الصعب عليه أن يسوق فكرة "الزيادة في القوات"، لذا، اختار عددا من المدنيين، ممن يعرف أنهم وراء الترويج لهذه الفكرة، وقدمهم للإعلام على أنهم "خبراء". وهو ما اعتبره مراقبون ومتابعون، أنه تلاعب من ضباط الجيش بالسياسيين عبر وسطاء أو وكلاء للعسكر، ألبسوهم لباس "الخبراء". واستند بترايوس لما تم التسويق له على أنه نجاح من صنعه في العراق لإقناع "صانعي التأثير" بفكرته.
ولبترويس عبارة شهيرة قد توضح أكثر فكرته: "في حملة كسب القلوب والعقول، لا ننسى الجبهة الداخلية".
وقد قام الجنرال "ستانلي ماكريستال"، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، بتحديث "أنمزذج بتريوس" في أواخر العام الماضي، ففي محاولة للتغلب على معارضة إدارة باراك أوباما، والدفع بخطته للحرب، شن الجنرال "ماكريستال" حملة علاقات عامة، تعتمد في جزء منها على فريق "التقييم الإستراتيجي"، يتكون من خبراء السياسة، ممن تتطابق وجهات نظرهم مع خطته.
وبدأ هؤلاء الخبراء ـ وبعضهم لديه موهبة للحصول على دعوة من قبل الجيش الأمريكي لزيارة مناطق الصراع ـ يظهرون في وسائل الإعلام، ويروجون للأفكار التي تتماشى مع خطة الجنرال ماكريستال، والدفاع عن قراراته، التي تتعارض مع السياسات المعلنة لإدارة أوباما، وكذا تسويق نظرة متفائلة للوضع الأفغاني.
وهكذا يتمكن كبار الجيش الأمريكي من التلاعب بالساسة والخبراء لفرض أفكارهم وتوجهاتهم العسكرية، ويخضعون ـ إلى حد كبير ـ السياسة الخارجية لرغباتهم وخططهم الحربية.


