
* سكوتٌ عن (المبدأ) .. ونقدٌ للتفاصيل:
ورغم أن أكثر ما يُكرره الباحثون والسياسيون والمفكرون هو الحديث عن أن (الديمقراطية) ليست حُلُمَاً يحمل الخلاص للبشرية بضغطة زر، وأنها رؤية لهيكلية السلطة، تُعد حالياً من أقلّ الخيارات السياسية سوءا. وهذا يعني بداهة احتواءها على عدد من الثغرات والمشاكل التي تتطلب تطويرها وتجاوز بعض أخطائها.
ورغم أن الديمقراطية لم تكن يوماً قالباً ناجزاً، أو (كاتالوج مراحل) يجب الالتزام بحرفيّته ودقة تفاصيله، حيث إنه بات من (المعلوم من السياسية بالضرورة) أن الديمقراطية تتفاوت في أنماطها وسقوفها وهياكلها وحجم الصلاحيات الممنوحة لكل سلطة بها، وأنها تحتوي على هوامش واسعة للتواؤم مع كل مجتمع وثقافة وشعب وحضارة ـ ربما لا يتسع المكان لإيراد أنماطٍ من التباين الواسع في النماذج الديمقراطية المعاصرة ـ إلا أن بداخل هذه الهوامش المتنوعة، متناً واحداً مفاده (مشاركة الشعب في القرار عبر مؤسسات دستورية).
لذلك يبدو ساخراً ما يفعله بعض الناقدين الذين يُعرضون عن البنية الرئيسية المكونة للفكرة الديمقراطية، ويكتفون باللجوء إلى ملاحقة بعض تفاصيل وتوافه التجربة الديمقراطية الغربية، كالحديث عن تأثير المال والإعلام على خيارات الناخب!!
وإن حوى هذا الاستشكال (تأثير المال والإعلام) على بعض الوجاهة من ناحية الإفراط في استخدام ما يُطلق عليه إعلامياً بـ(المال السياسي)، وهناك تشريعات كثيرة ومتعددة، للحد من استخدام المال والإعلام في العمل الانتخابي.
وثمة دراسات غربية وعربية كثيرة تنتقد الاستخدام المُفرط للمال والإعلام في التأثير على خَيارات الناخب، إلا أن هذه الدراسات تنتقد هذه التفاصيل وهي تؤمن بالمبدأ، أي بمشروعية وجدوى وأهمية العملية الديمقراطية، لذا هي تنتقل إلى نقاش مَواطن الخلاف التفصيلية بعد اتفاقها على الأصول والمبادئ.
إلا أن ما يدعوا للسخرية أحياناً، هو أن بعض الناقدين لاستخدام المال والإعلام في الممارسة الديمقراطية ـ فضلاً عن عدم إيمانهم بكل العمليّة الانتخابية ـ هم من أكثر المُفرطين في استخدام المال والإعلام للتأثير على رأي الجمهور، حيث لا حاجة للتذكير بالأموال التي يتم إنفاقها في (الحملات الانتخابيّة) و(المؤسسات الإعلاميّة) و(الجمعيات الدعويّة) التي يقوم بها كثير من الإسلاميين ـ والسلفيون الرافضون للديمقراطية في مقدمتهم ـ من أجل التأثير على (قناعة) أو (قرار) الجمهور، بحسب الظرف والزمان والحاجة.
وتجارب الانتخابات البلدية في السعودية والانتخابات البرلمانية في الكويت ومصر وسواهما خيرُ دليل على ذلك، حتى بات الإسلاميون هم أكثر التشكيلات السياسية قدرة على الحشد والتعبئة والتأثير على رأي الجمهور.
هذا الأمر يعني أن أولئك الذين يرفضون هذه الأساليب نظرياً ويمارسونها عملياً، هم لا يصدرون عن (مبدأ)، بقدر ما يصدرون عن رفض لممارسة الآخرين لها دونهم هم.
وإذا ما أخذنا الشيخ بندر الشويقي كنموذج، سنجد أنه من الفاعلين في استخدام الإعلام بتنوعاته (الصحف والانترنت وسواهما)، للتأثير على قناعة المتلقي، خاصة بعد أن كشف صاحبه ـ الكاتب الإلكتروني في الساحة السياسية ـ الخفاش الأسود في لحظة تجلٍ وفي معرض الدفاع عنه، حين قال إن الشويقي يكتب وينافح عن أفكاره في الساحة السياسية بأكثر من ثلاثين معرّفاً!
وفي رأيي المتواضع أن هذا الفعل (استخدام المال والإعلام) ليس مثار انتقاص، بل هو فعل مشروع في إيصال الأفكار للجمهور، ولهذا الجمهور الحق بعد ذلك في اختبار مدى متانة هذه الأفكار وصلابتها وقوتها. خاصة أن الشريعة أتت بنصوص كثيرة تجوّز استخدام المال في التأثير على قناعات الناس وقراراتهم وسلوكهم، كتشريع سهم المُؤلفة قلوبهم، وقوله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلاً فله سلبه)، وقوله (من أحيا أرضاً فهي له)، وقوله عز وجل (الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم)، حين قدم المال على النفس، ونصوص كثيرة لا مجال لحصرها.
ومما يثير الدهشة في بعض التعليقات، هو تساؤل البعض عن أولئك الذين قصدهم د.الأحمري، حين تحدث عن الذين يُحرِّمون العملية الديمقراطية، ثم يكونون أول المشاركين بها!.
فهو بداهة لا يقصد (علماء السلطان) الذين تعوّدنا منهم أن يتلمّسوا بوصلة المزاج السياسي لـ(المعازيب)، فتراهم يتحدثون في الليل عن الولاء والبراء وجهاد الكفار، ثم يخطبون في نهار الغد عن حوار الأديان والتسامح والأخوة الإنسانية!!
إشارة د.الأحمري كانت واضحة باتجاه التيار الذي يُطلق عليه (السلفيّة الحركية)، والذي ما فتئ رموزه ـ ولسنين ـ يحرِّمون العملية الانتخابية، ويفتون بمنافاتها للشريعة. ثم حين أتت الانتخابات البلدية، وبدأت حسابات المكاسب والخسائر، وعَرف هؤلاء الضريبة الواقعية على الأرض لقرار الامتناع عن المشاركة. اتخذوا باندفاع قرار المشاركة في هذه الانتخابات، ومارسوا كل ما كانوا يرونه من (فوادح النظام الديمقراطي) كاستخدام المال والإعلام والانترنت و(القوائم الذهبية) لتعبئة الناس وحشد الجماهير. ثم بعد نفضوا عن (بشوتهم) غبار المعركة الانتخابية، عقدوا ـ وبعد شهور! ـ جلسة حوارية خاصة لنقاش مسألة جواز المشاركة في الانتخابات من عدمها!!
وأؤكد مرة أخرى على أنني أرى في هذه الممارسات (استخدام المال والإعلام والحشد والتعبئة والقوائم الذهبية) ليس أمراً مشروعاً فقط. بل ويدل على براعة تُثير الإعجاب بمدى احتراف الإسلاميين في ممارسة العمل الديمقراطي على أرض الواقع.
* اقتراب أكثر نحو (طبيعة المشكلة .. ورؤى الحل):
إذا ما اقتربنا بعدسة الرؤية أكثر نحو طبيعة المشكلة التي يتمحور حولها الحديث، والتي كانت حاضرة في ذهن عدد كبير من رجالات الشريعة والفكر على امتداد التاريخ الإسلامي، وخرجت في تدوينات عديدة، سواء كانت تحت عناوين (حكّام الجور، الظلمة، الجبابرة) كما أطلق الذهبي ـ وسواه ـ على الحجاج بن يوسف وخالد القسري وغيرهما، أو تحت مسمّيات (الاستبداد، الطغيان، الحُكم المطلق) كما يَسود في مفردات السياسة الحديثة. يمكن أن نلخص المشكلة في إطارها الذهني المجرد، وفق محورين:
ـ المحور الأول:
إذا ما سلّمنا أن ثمة في التاريخ السياسي طريقتين للوصول إلى الحكم، هما طريق (الاختيار) وطريق (الغَلَبة). وإذا ما اتفقنا بداهة وبالعموم، على أن الحاكم الذي أتى عن طريق (الاختيار والشورى) هو أقرب للصلاح والتقوى والكفاءة من الحاكم الذي أتى بـ(القوة والغلبة).
هنا يأتي السؤال للأخ بندر الشويقي ولغيره ـ إذا ما ابتعدنا عن نقاش مسألة شرعية بيعة المتغلب من عدمها، وافتراضنا جدلاً شرعيّتها ـ .. هل أتت الشريعة بأفضلية منهج (اختيار الحاكم)، أم بأفضلية منهج (القوة والغلبة)؟
طبعاً أظن ألا أحد يختلف على أن الشريعة أتت بنصوص عديدة تذم فيها شِرعة الغلبة والاستئثار والقوة، وتحض فيها على الاختيار والشورى، كقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) وحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو عبيدة ومعاذ بن جبل، وورد فيه ذكر الحكم الملكي الجبري العضوض بصيغة الذم (إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضاً، ثم كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض).
وما ورد عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي شدّد على رفض منطق الغلبة والاستئثار، حيث ورد عنه في صحيح البخاري أنه قال (إني قائم العشيّة، فمحذر الناس هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم)، وكما ورد أيضاً في صحيح البخاري على لسان عمر (من بايع رجلاً دون شورى المسلمين، فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه، تغرّة أن يُقتلا)، وقد وردت روايات أخرى عن عمر بن الخطاب يقول فيها عن الحاكم المتغلّب (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه). يكفينا هنا أن نصل إلى نقطة اتفاق، مفادها أن الشريعة أتت بأفضليّة (اختيار الحاكم).
ـ المحور الثاني:
في المجتمعات التي يسود فيها حكم الفرد المطلق، الذي لا رقيب عليه ولا مبدّل لحكمه (سواء جاء هذا الحاكم عن طريق الاختيار أو الغلبة)، يغلب عليها ممارسة الجور والظلم والطغيان ونهب مقدرات البلاد والعباد. وتقريب البطانة الفاسدة التي تزيد في غيّه وتبارك له ضلاله وتشرّع له ظلمه وجوره. وربما لا تشذ عن هذه القاعدة إلا نماذج محدودة، يكون فيها الحاكم على درجة من التقوى والصلاح تمنعه من الظلم والجور. (هناك نماذج عديدة لحكّام كانوا تقاة صالحين قبل وصولهم للسلطة، ثم بدّلوا بعد حكمهم، كعبدالملك بن مروان، الذي كان آية في التقوى والعلم قبل حُكمه، حتى قال عنه ابن عمر: "تركت المدينة وليس فيها أعلم ولا أنسك من عبدالملك بن مروان"، ولكنه حين وصل للسلطة، أقام عتاة الجبابرة الظلمة على ديار المسلمين، كالحجاج بن يوسف وخالد القسري وسواهما).. المهم أن التعويل على العدل في هذا المجتمع يكون فقط من بوابة تقوى الحاكم وصلاحه وخشيته من الله، أو (الضمير) و(الوازع الديني) كما يُسمى في علم النفس الاجتماعي.
أما المجتمعات التي لا يكون فيها للحاكم مُطلق التصرّف، ولا يحوز فيها على كل الصلاحيات، بل يخضع لرقابة ومتابعة من قِبل أشخاص لا يخضعون لسلطة الحاكم (كممثلي الشعب المنتخبين مثلاً)، الذين لهم الحق في إيقاف غيّه وظلمه، ولهم الحق في عزله إذا طغى وفسد، هي مجتمعات أقرب إلى العدل ومنع الجور وإيقاف نهب مقدّرات الأمة .. والتعويل على العدل في هذا المجتمع يأخذ مسارين، الأول: تقوى الحاكم وصلاحه، والثاني: القانون الذي يمنعه ـ في حال انعدام التقوى والصلاح ـ من الجور والظلم والطغيان.
بكل ما يحمله المقطع السابق من بداهة عقلية وإجماعٍ كونيٍ، بات معه قانوناً سننياً، كان لابد من استعراضه ليكون مدخلاً ضرورياً للذي يليه.
طبعاً لست مضطراً للتأكيد أن شذوذ القواعد تزيدها رسوخاً وتأكيداً، كأن يأتي حاكم مُطلق فيكون آية في العدل والصلاح، وفي الجانب الآخر يأتي مجتمعٌ يخضع فيه الحاكم لرقابةٍ ومحاسبةٍ ومع ذلك يَسود فيه الظلم والجور.
إذا ما رأينا وفق نظرنا العقلي المجرد، وباستقراء التجربة التاريخية للشعوب والمجتمعات، أن وجود رقابة ومحاسبة للحاكم فيها خير وصلاح للمجتمع المسلم، يأتي هنا تساؤل مهم مفاده .. هل ثمة في الشريعة نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة يمنع المجتمع الإسلامي من تعيين مراقبين ومحاسبين للحاكم.. أي هل أن أتت الشريعة بوجوب الحُكم المُطلق المتفرّد للحاكم دون حسيب أو رقيب؟
أزعم أنه لا يكاد يشذ ـ ربما سوى القليل ـ عن الاتفاق على عدم وجود نص قطعي الثبوت والدلالة يمنع من وجود رقابة ومحاسبة للحاكم.. بل أتت النصوص على تعظيم شأن المنكرين على الحكّام الظلمة (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) رواه أبو داود والترمذي. وكل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على الحاكم، في مدونات الفقه تُشير إلى خيريّة وعظمة هذا المعنى في الشريعة.
وفق ما تقدم، نصل إلى نتيجة أزعم أن الغالبية الساحقة من الإسلاميين ـ بكل أطيافهم ـ يتفقون عليها.. وهي أن النموذج الأفضل للحكم يكون عن طريق (الاختيار والشورى)، وبوجود هيئات رقابية تمنع أو تحد من ظلم الحاكم وتفرّده.
ينبني على هذه النتيجة سؤال مهم: ما هي الأنظمة والقوانين المناسبة لضمان صدقيّة ونزاهة (اختيار الأمة). وما هي الأدوات والآليات الضامنة لجدية المُراقبة والمُحاسبة؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدة أسئلة: هل عند الشيخ بندر الشويقي اعتراض شرعي ـ لاحظ أنني أقصد اعتراضاً شرعياً لا واقعياً أو مجرد شعور بعدم جدوى الفكرة ـ على فكرة اختيار الحاكم عن طريق صناديق الاقتراع؟
وهل عنده اعتراض شرعي على فكرة (انتخاب الأمة لمجلس شورى) يُساهم مع الحاكم في إدارة دفة البلد المسلم، بحيث يحقّ لمجلس الشورى التصويت على القرارات، وتشريع القوانين والأنظمة التي لم يرد بها نص قطعي أو إجماع صريح، والرقابة على مؤسسات الدولة التنفيذية لضمان نزاهتها وشفافيتها، ولضمان عدم تفشي الظلم والجور والتعدي على حقوق الناس؟
لاحظ أنني هنا أتحدث عن أصل مبدأ انتخاب الحاكم وانتخاب مجلس شورى. ولتكن هناك الضوابط والشروط التي تريدها فيمن يحق له الحكم، ومن تحق له عضوية مجلس الشورى. لأنه في حال لم يكن لدى الشيخ بندر اعتراض على أصل مبدأ الاختيار عن طريق صناديق الاقتراع، وأصل مبدأ انتخاب مجلس شورى للرقابة والمحاسبة.. سنكون عندها قد اتفقنا على ثمانين بالمائة من تصور النموذج الأصلح للحكم في البلاد المسلمة.
أما في حال كان عنده اعتراض على أصل مبدأ (الاختيار عن طريق صناديق الانتخاب)، وأصل مبدأ (انتخاب الأمة لمجلس شورى للمُراقبة والمُحاسبة).. فهل يُمكن حينها أن نطلب منه أمرين اثنين .. الأول: توضيحٌ للنصوص قطعية الثبوت والدلالة التي تمنع من هكذا طريقة في اختيار الحاكم ومجلس الشورى.. الثاني: توضيح ـ ولو بملامح عريضة ـ للطريقة التي يراها أفضل في إدارة دفة البلد المسلم، وضمان النزاهة وعدم الظلم والطغيان ونهب المال العام.
* حكاية البديل التائه:
حين كتب الأخ عبدالعزيز قاسم عن وجوب طرح (البديل)، ثار عليه عدد من الاعتراضات، يمكن تكثيفها في اعتراض واحد مفاده (ليس مطلوباً من الناقد أن يُنشأ بديلاً تفصيلياً). وإن كنت أتفق مع هذا المنطق جزئياً، من ناحية أنه لا يُطلب دوماً من الناقد أن يضع برنامجاً تفصيلياً مطولاً كبديلٍ لأي منظومة ينقدها، إلا أن السؤال هنا ليس عن وجوب طرح بديل ناجز ومكتمل ومُجرّب. بل نحن نريد من الشيخ بندر الشويقي ـ أو من غيره ـ أن يشير لنا فقط إلى ملامح عريضة للنموذج الذي يراه الأصوب لهيكلية السلطة السياسية، الذي يضمن الحقوق ويحد من الجور والظلم.
وإذا كان لا يستطيع أن يضع حتى ملامح عريضة للمشروع السياسي المضاد للديمقراطية، رغم أنه بات متخصصاً في نقدها، فلا أقل من أن يُحيلنا إلى كتاب أو دراسة لباحث أو متخصص أو أكاديمي أو سياسي، وضع فيها مشروعاً بديلاً للنظام السياسي الديمقراطي، ويرى الشيخ بندر أنه الأقرب للشريعة ولتحقيق مصالح الأمة، إلا إذا كانت المنظومة الإسلامية المحافظة ـ السلفية وغيرها ـ بكل متخصصيها وسياسييها وباحثيها عجزت عن إصدار دراسة واحدة تضع ملامح لمشروع سياسي بديل عن الديمقراطية، يمنع الظلم والاستبداد، ويضمن صدقيّة الشورى ودوامها.
وأنا هنا لا أطلب شيئاً مُعجِزاً، بل هو بدهية بحثية لكل تيار سياسي وفكري عريض وممتد، كالتيار السلفي. لذا حين انتقد حزب التحرير الإسلامي فكرة (الديمقراطية الغربية)، وضع مكانها نظرية مختلفة ومتكاملة ـ بمعزلٍ عن تقييمها ـ يمكن مناقشتها ودراسة مكامن القوة والضعف بها.
وأنا هنا أكرر .. لا نريد أن يضع الناقدون للنظام السياسي الديمقراطي نظرية متكاملة وناجزة كما فعل حزب التحرير الإسلامي، بل ستكفينا الإشارة لملامح عريضة لمشروع سياسي يحفظ الحقوق ويمنع الظلم.
من ناحية أخرى، يحق للباحث أن يوجه تساؤلاً لمنظِّري المنظومة السلفية الرافضة لفكرة الانتخابات.
لماذا لم نشهد أي مُمانعة سلفيّة لكل هياكل الدولة والمجتمع المستوردة من الغرب، فنظام مجلس الوزراء، ونظام الجامعات، وهياكل المستشفيات وأنظمتها الصحية، وأنظمة المصارف والمؤسسات المالية، ونظام الشركات التجارية، ونظام تخطيط المدن، والمرور، والأمن، والتعليم ....الخ، بل وحتى أنظمة كليّات الشريعة والمعاهد العلميّة، وألقاب الدرجات العلميّة ـ كالدكتوراه مثلاً ـ التي يتسابق للحصول عليها كثيرٌ من طلبة العلم. كلها أنظمة وهياكل مستوردة من الغرب. ولم يجد الإسلاميون أدنى حرج في استقدامها والاستفادة منها واستيعابها في بنية المجتمع المسلم، ما دامت لا تحتوي على ما يُضاد أصول الشريعة وثوابتها، وفي الوقت ذاته فيها نفع وخير للمجتمع المسلم.
لماذا إذن لا نجد ضراوة المُمانعة والرفض إلا حين يكون الحديث عن هياكل السلطة التي تحد من نفوذ الحاكم وتمنع الظلم وتضمن الشورى!! هذه المفارقة تذكرني بما يفعله أحد (كتّاب البلاط) الذي تخصص في نقد معارضي الدولة. فكلما كتب أحدهم نقداً للظلم والاستبداد والفساد والتعدي على الحقوق، صدرت التعليمات لهذا الكاتب بأن يرد. وإذا ما قيل له: اتق الله، ولا تكن عوناً للظالم، ولا تقف في طريق الإصلاح. رد هذا الكاتب بتذاكٍ يُحسد عليه: وهل وجدتم في ما أكتبه مدحاً صريحاً للظلم والفساد؟!
طبعاً أنا لا أقصد بهذا المَثَل اتهام كل ناقدي دعاة الإصلاح والشورى. ففيهم كثير من أهل الخير والفضل والصلاح، الذين لهم رؤاهم الفقهية والشرعية والواقعية في مثل هذه الاعتراضات، ولا نملك حيالها إلا أن نختلف معها باحترام وود وتقدير.
لكنني لم أجد متسعاً في السبعين محملاً على حُسن الظن ـ وأتمنى أن أجد ـ لأولئك الذين يعملون على خطين.. الأول: كيل المدائح وتدجيج الثناء للحاكم والأمراء والدخول في معطف السلطة. والثاني: شنّ الهجوم العنيف على كل دعاة الإصلاح وإيقاف المظالم، سواءٌ كانوا (ديمقراطيين) أو (صحويين) أو سواهم!!
* تشريع بيعة المتغلّب .. أسئلة مشروعة؟
الذي أعرفه عن الشيخ بندر الشويقي ـ من خلال متابعتي لبعض كتاباته وحواري المباشر معه ـ أن التصور الوحيد الذي يراه لنظام وهيكلية السلطة، يقوم على (تشريع بيعة المتغلّب) بشكل تتحول معه من (حالة اضطرار مؤقتة يسعى المجتمع لتغييرها) إلى حالة (تأصيل وتكريس وتطبيع)، وإن قال نظرياً إن (اختيار الحاكم) هو الأولى شرعاً، في ذات الوقت الذي يرى فيه هذا الأولى متعذرٌ على أرض الواقع. ويستعين على أسطرة ورفض مبدأ الاختيار بتفسير راديكالي للديمقراطية، باعتبارها لصيقة بالعلمانية، ولا يمكن أن تنسجم مع الشريعة.
وقبل أن أتناول بنقاش موجز لرؤية المنظومة السلفية للسلطة، أود التأكيد على أن الخَيار الذي أنزع إليه هو الخيار (الديمقراطي الدستوري)، الذي لا أرى في أصوله مخالفة للشريعة، وفي نفس الوقت يمنع هذا النظام أي ممارسة للعنف والقوة في العمل السياسي، ويرفض توظيف التكفير في الصراع مع السلطة، ويرى مشروعيّة المُعارضة السلمية النابعة من أصل (الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر). ويرى وجوب اختيار الأمة للحاكم، وبناء عقد اجتماعي بين السلطة والشعب، كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع مُسلمي ويهود المدينة في الوثيقة الشهيرة التي يُطلق عليها (وثيقة المدينة). ويرى أيضاً وجوب إقامة مؤسسات دستورية، تحد من جور الحاكم وتفرّده، وتضمن استقلال القضاء، ونزاهة المراقبة والمحاسبة لأجهزة الدولة التنفيذية.
لكننا حين نحاول الاقتراب أكثر من فَرَضيّات وأبعاد النظام السياسي الذي تتبناه المنظومة السلفية. يمكن حينها أن نصل إلى عدة ركائز، من أهمها:
ـ تشريع بيعة المتغلّب، وأنه حاكم شرعي تجب له السمع والطاعة.
ـ أن الطريقة الوحيدة لإصلاح السلطة تكمن في (النصيحة السريّة)، ويكون عندها المُسلم قد أُعذِر أمام الله.
ـ أن على المسلم أن يسمع ويطيع ولا ينزع يداً من طاعة، حتى يرى كفراً بواحاً عنده من الله فيه برهان.
وحين أحاول أن أشارك الشيخ بندر طريقته في الاستمتاع بتوجيه الأسئلة التي تُحاكم المنظومات الفكرية وفق سقفها النظري الأكثر راديكاليةً وتطرفاً، فإنني وفق هذه الخطوط العريضة للرؤية السلفية في العلاقة مع الحاكم، أطرح ثلاثة محاور من الأسئلة.
ـ المحور الأول: في حالة ـ كالتي نعيشها اليوم ـ ينعدم فيها وجود خليفة للمسلمين (حاكم واحد)، ويوجد عوضاً عنه خمسون حاكماً مُختلفاً ومُتفرقاً يحكمون أرض الإسلام، فوجوب البيعة حينئذٍ تكون لمن؟
هل تكون البيعة بحسب الجغرافيا التي يلزم منها ضِمناً الاعتراف بالحدود الوطنيّة التي صنعها الاستعمار؟ أم أن البيعة تكون للحاكم الأصلح والأتقى والأكثر تطبيقاً للشريعة (وأظن حينها أن الشيخ الشويقي يتفق معي في تفوّق الملاّ عمر في ذلك)؟ وماذا يفعل المسلم في حال كان كل هؤلاء الحكّام لأرض الإسلام لا يُطبقون الشريعة؟ هل لا تلزمه البيعة لأحدهم حينئذٍ؟ وماذا في حال كان هناك حاكم واحد فقط يحكم بالشريعة. ويسيطر فقط على بِضعة جبال في الحدود الأفغانية الباكستانية. هل تجب على المسلم البيعة له؟ وهل تجب عليه الهجرة إلى الأرض التي يحكمها؟
ـ المحور الثاني: لنفترض جدلاً أن الحاكم المسلم الشرعي ارتكب كل الموبقات ـ دون الكفر ـ، فشرب الخمر في الطرقات.. وقتل ظلماً وطغياناً وبغياً نصف الشعب المسلم، وسحل العلماء والدعاة في مجازر مروعة ترتعد لها فرائص هتلر وستالين وصدام حسين .. وشرّع لجنوده اغتصاب نساء المسلمين الشريفات في بيوتهن .. ونَهَب أموال الناس بالقوة، وصرفها على بغية وضلاله وفسقه وظلمه، وجعل المسلمين في فقر مدقع وبؤس وكفاف .. ولكنه مع كل أفعاله الشنيعة تلك لم يرتكب (الكفر البواح)، ولا زال يصلي أمام الناس .. فما هو التصرّف الشرعي مع هذا الحاكم؟ هل يجب على المُسلم شرعاً أن (يسمع) و (يُطيع) ولا ينزع يداً من طاعة؟ ويكتفي بنُصحِه (في السر) ويعتقد أنه بذلك أُعذِر أمام الله؟
ثم ألا ترون معي أن شعباً كهذا، يملك كل هذا القدر من مبررات السمع والطاعة للحاكم مهما فعل، هو الشعب المثالي والنموذجي الذي يتنافس على حُكمه كل طغاة الأرض؟!
ـ المحور الثالث: ما المقصود بالكفر البواح؟.. ألا تعتقد أن (تشريع الربا)، رغم ضخامة حرمته في الشريعة، والتحالف والصداقة والخضوع لدول كافرة (كأمريكا وبريطانيا)، هي التي أسست ودعمت وموّلت مشروعات الاحتلال للدول المسلمة في فلسطين والعراق وسواهما، وأن هذين الأمرين ـ دون كثير سواهما ـ هما من (الكفر البواح) الذي يجوز معه الخروج على السلطة؟ باعتبار أن من أهم المكفّرات تشريع العمل بما حرم الله، ومساندة الدولة الكافرة في حروبها على الدول المسلمة، بل والخضوع الكامل لها.
على الأقل، فإن هذين الأمرين (تشريع الربا والخضوع للكافر) هما من المكفّرات التي لا يجوز الشك بها ـ بل ويكفر من شك في كفر مرتكبها ـ عند الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأئمة الدعوة النجدية. وأظن أن الشيخ بندر يعرف هذا يقيناً، دون حاجة إلى إيراد عشرات الشواهد من أقوال الأئمة، التي يمكن لمن أراد أن يجد تلخيصاً لها، أن يقرأ كتابي (ملة إبراهيم) و(الكواشف الجليّة في كفر الدولة السعودية)، اللذين تضمّنا عشرات النصوص الدالة على هذا المعنى من كلام أئمة الدعوة النجدية.
ما أرجوه فقط ألا يكرر أحدٌ تلك المبررات التي يرددها بعض علماء السلطة، والتي تنتمي لعالم الفكاهة أكثر من انتمائها لميدان العلم، حين يقولون إن كل ما تفعله السلطة من مخالفاتٍ للشريعة هو في حقيقته فعلٌ غير مشرّع قانوناً، أي أن القانون الأساسي للبلاد يمنع أي مخالفة للشريعة، وأن هذه الأفعال (كتشريع الربا) لا تتجاوز أن تكون مخالفة لقانون البلاد القائم على الشريعة.. لذا لا يمكن أن تُصنّف ضمن فعل (الكفر البواح).
لأنه وفق هذا النظرية، لن ينعم الحاكم فقط بفعل كل الموبقات والمظالم والطغيان. بل وسيزيد عليها بفِعل كل ما ينضوي تحت (الكفر البواح)، وتشريع كل ما يُناقض قطعيّات الإسلام، من أكل للربا، وفتح بيوت الدعارة العلنية، ومنع الصلوات، وتسليم مقدرات البلاد المُسلمة للكافر الحربي، شريطة أن يضع ـ قبل ذلك ـ في جيب ثوبه ورقة صغيرة مكتوب عليها (أن النظام الأساسي للبلد لا يجوّز تشريع أي أفعال تخالف الشريعة)، وليستمتع بعدها بفعل كل المُوبقات والظلم والكفر البواح.
هذا النتيجة، التي وصلت لتكفير الدولة بسبب (تشريع الربا، والخضوع للكافر، وسواهما)، هو ما انتهى إليه المنتمون للتيارات الجهادية التكفيريّة في مجتمعنا، الذين هم اليوم إما تحت التراب، أو وراء قضبان السجن الداكنة.
أعلم أنني وفق هذا الاستخدام لطريقة الشويقي في طرح الأسئلة، وفي دفع المنظومات والأفكار إلى سقفها الأقصى، وفي حسم المسائل الكبرى وفق ثنائيات حادة ومُصمَتة، قد صنعتُ ثنائية جديدة مفادها (شريعة الحجاج بن يوسف) أمام (ديمقراطية الحبيب أبو رقيبة) التي صنعها الشويقي.
* ما الأكثر خرقاً لأحكام الشريعة؟
مدار رفض الشويقي للديمقراطية، هو أنها تحتوي على أحكام تضاد الشريعة، وذكر عدداً من الأحكام الشرعية التي يرى أن انتهاكها يُعد من أصول العمل الديمقراطي الذي لا تستطيع الفكاك عنه.
ونحن إذ نقدِّر للشيخ بندر الشويقي غيرته على أحكام الشريعة، نظن أن مدار المشكلة تتلخص في مدى معرفته بطبيعة العملية الديمقراطية، التي يبدو أنه يُصر على أن يفهمها بطريقة (مصطفى كمال أتاتورك).
ولكن لأفترض جدلاً ـ ووفقاً لأحد الأمثلة التي أوردها الشويقي في تعقيبه ـ أن العملية الديمقراطية كانت تقوم على مبدأ المساواة في موضوع قتل المسلم بالكافر. (رغم أن هذه مسألة خلافية، فقد رأى جواز قتل المسلم بالكافر عدد من أئمة الإسلام، كالشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأبو يوسف ومالك والليث وسواهم، حيث رأوا أن المسلم لا يُقتل بالكافر الحربي، ولكنه يُقتل بالكافر المُعاهد.. ولا أدري لِم ذكر الشويقي هذه المسألة وكأنها من قطعيّات الشريعة، رغم شُهرة الخلاف فيها!!)، أعود لأقول.. لنفترض أن الديمقراطية أتت بالمساواة بين المُسلم والكافر في موضوع القتل، ولكنها تحتوى في والوقت ذاته على آليات ونُظم ومؤسسات تحد من تفشي الظلم والجور والاستبداد.
فأيهما أكثر خرقاً لقيم الإسلام وروحه وشرائعه عند الشيخ بندر. من يرى أنه يجب علينا أن نطبّق آليات النظام الديمقراطي التي تأتي بالعدل. وأنه ثبت باستقراء (مصلحة الإسلام الراجحة)، ولثبوت (الضرورة البيّنة) ـ حتى وإن اختلف الشويقي في رجاحة المصلحة ووقوع الضرورة ـ أن نساوي بين المسلم والكافر في موضوع القتل، حتى لا يهيج علينا العالم كله تحت شعار التمييز العنصري. وأن من يرى هذا الرأي (جواز المساواة في القتل مراعاة لمصلحة الإسلام) يستند فيما يراه على نصوص شرعيّة عديدة، كقوله صلى الله عليه وسلم حين برر لعمر امتناعه عن قتل أبيّ بن سلول بقوله (دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وحديثه صلى الله عليه وسلم لعائشة الذي ورد في صحيح الجامع (لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم)، حيث شرِّع لنا الرسول عليه الصلاة السلام أهمية مراعاة (الرأي العام) لعدم تشويه صورة الإسلام، مع أن الرأي العام في زمن الرسول كان محصوراً في مكة والمدينة، وربما في كل الجزيرة العربية على أوسع تقدير، لا كما هو اليوم الذي بات فيه البوذي العاكف في متاهات منغوليا، والزنجي الهائم في غابات أفريقيا، فضلاً عن الغربي الذي يحتسي القهوة في أحد شوارع سياتل، يعلمون بدقائق أمورنا (صوتاً وصورة) لحظة حدوثها.
ولأفترض أن الشيخ بندر الشويقي يختلف مع من يرى هذا الرأي (جواز مساواة المسلم بالكافر في القتل)، ويرى أنه انتهاك للشريعة، لكنه قائم على اجتهاد (سواء كان معتبراً عنده أو غير معتبر). فأيهما أعظم خرقاً لقيم الإسلام وأحكامه وشريعته عند الشويقي، هل هو هذا الفعل، أم سجن ثلاثة ألاف سجين سياسي دون محاكمات، ونهب مقدّرات الأمة وثرواتها؟!
* هل يسود العدل في مجتمعاتنا؟
بداهة أننا حين نتحدث عن (العدل)، فنحن لا نخرج عن إطار النسبية. فليس هناك عدل مطلق على هذه الأرض. لذا نحن نقارن بين المجتمعات التي تسود فيها قيم العدل والقانون والمساواة بين الناس، وتتكئ على مؤسسات دستورية تحد من تفشي الظلم والتجبر والطغيان، وبين تلك المجتمعات التي لا رقيب فيها ولا حسيب على الحاكم وحاشيته.
من يتأمل نصوص الوحيين، سيقف مبهوراً أمام تعظيم الشريعة لقيمة العدل في المجتمعات، ولا أريد أن أستعرض هنا عشرات النصوص في ذلك. لكن سأسرد بعضاً منها على سيبل التذكير:
قال تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، حيث جعله الله سبحانه ركيزة لبعث الأنبياء والرسالات والكتب. (وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم).
العدل هو أول فعلٍ على الأرض يجب على الأنبياء القيام به بعد الإيمان. (شهد الله انه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم)، حيث إن إقامة العدل والقسط ركيزة من ركائز التوحيد.
وانظر هنا كيف ساوى الله عزوجل بين الكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالعدل: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب اليم)
وإقامة الحق والحكم بالعدل فريضة ولو كانت ضد أنفسنا أو والدينا أو الأقربين: (يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).
كما أن المُستعرض لنصوص الوحيين، سيُدهش أيضاً لمقدار تعظيم الشريعة لقيمة (مساعدة الناس) في شؤونهم الدنيوية ورفع الظلم عنهم، وهي أمورٌ مرتبطة بشكل صميم بسيادة العدل في المجتمعات، ووجود آليات ونُظم تحمي حقوق الناس من التعدّي عليها. حتى جاء في الحديث الذي رواه ابن عباس أن الخروج لقضاء حاجة المسلم (الخير المتعدي) خيرٌ من اعتكاف عشر سنين (من مشى في حاجة أخيه وبلغ منها كان خيرا من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل بينه وبين النار ثلاث خنادق، أبعد ما بين الخافقين). وكذا الحديث الذي رواه البخاري عن أنس أن رسول الله قال (ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته).
واقرأ معي هذا الحديث الذي رواه ابن عمر عن الرسول عليه الصلاة والسلام لنعلم تعظيم الشريعة لمساعدة الناس وتفريج كرباتهم ورفع الظلم عنهم (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهرا (...) ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام).
وهنا أتساءل.. هل ثمة أقرب إلى هذا الفضل من دعاة العدل والشورى، ومن المنادين برفع الظلم والجور ووقف نهب المال العام في مجتمعاتنا المُسلمة؟!
حين نلتفت يمنة ونرى الشريعة قد أتت بعشرات النصوص القطعية في الثبوت والدلالة، التي تدل على عِظم شأن العدل ومحوريته في الشريعة، ثم نلتفت يسرة ونرى انتهاك قيم العدل وتفشي الظلم والجور والطغيان والاستبداد في مجتمعاتنا!! .. فهل يدرك حينها أخي بندر الشويقي أي انتهاك عظيم للشريعة يجري بين ظهرانينا؟
هل يعلم أيَ نتائج مدمرة يجنيها مجتمعنا جرّاء التفرّد والغلبة والاستبداد، ولغياب قيم الشورى والعدل والرقابة والمُحاسبة، وهل يعلم حجم المشاكل الاقتصادية التي يعانيها المواطن، رغم أنه يعيش في دولة هي الأغنى والأكثر مداخيل وثروات؟!
هل يعلم أخي بندر أن كل مواطن سعودي ـ بحساب المتوسط ـ يدفع من عُمره عشرة أعوام من العمل والكدح (كما أثبتت ذلك دراسة علمية) من أجل أن يدفع قيمة ارتفاع أسعار الأراضي السكنية بسبب النهب المُنظم لها، ولكون الأرض ابتداءً تُمنح بالمجان لأميرٍ يبيعها بعد ذلك بسعر مرتفع (لاحظ أنني لا أتحدث عن عشرة أعوام من أجل توفير قيمة الأرض السكنية!، بل أتحدث عن عشرة أعوام من أجل توفير قيمة "الفرق" بين سعر الأرض الحقيقي السوقي المُفترض، وسعرها الحالي الواقعي)
وهل يعلم أن متوسط مدة انتهاء القضايا في محاكمنا هو بين أربعة وخمسة أعوام. (هناك قضية لصديق تدور حول مبلغ مالي بسيط امتدت لأكثر من اثني عشر عاماً!!).
وهل يعلم أن هناك أكثر من ثلاثة آلاف سجين في المُعتقلات دون مُحاكمات، وكثيرٌ منهم لا يُسمح لوالديهم وزوجاتهم بزيارتهم لمُدد طويلة.
وهل يعلم أن المواطن السعودي البسيط (الذي لا يملك واسطة تُدخله إلى مستشفيات التخصصي، أو العسكري، أو الحرس الوطني) قد لا يجد له سريراً في مستشفى حكومي إذا ما أنهكته الحياة وافترسه المرض، وما قصتا المذيع محمد المقرن وهديل الحضيف ـ رحمها الله ـ عنا ببعيد.
(والدتي حفظها الله مُصابة بفشل كلوي منذ ثمانية أعوام، ولأننا لا نملك واسطة، هي تُجري عمليات الغسيل الكلوي ثلاث مرات في الأسبوع بمستشفيات خاصة مقابل مبالغ طائلة).
وهل يعلم أن التقديرات المُحايدة لنسبة البطالة في مجتمعنا تتحدث عن قرابة النصف مليون عاطل عن العمل!
وهل يعلم أن قرابة 60% من مدارس وزارة التربية والتعليم هي في مبانٍ مستأجرة رديئة غير ملائمة أصلاً للجو التعليمي.
وأخيراً، هل يعلم أن السعودية تقع في قعر السلّم العربي في تقارير الشفافية ومراقبة الفساد المالي التي تُصدرها المنظمات الدولية المُحايدة.
أمام العديد من المشاكل المروّعة التي يُعاني منها المواطن، في بلد يُعد الأغنى في العالم، هل يمكن أن نُهمّش من موقع العدل وقضايا سيادة القانون والمؤسسات التي تحد من الفساد والجور ونهب الثروات، ونضعها في آخر سلم الأولويات خلف مسائل لا يخرج كثير منها عن دائرة الاجتهاد الفقهي المُعتبر؟!!
* * * *
كنت أود الحديث عن (مفهوم الحرية وحدودها).. لكن يبدو أنه موضوعٌ تتطاول فيه الصفحات والأوقات .. ولا مجال يتسعُ هنا لمزيدٍ من تسويد الصفحات.
أنا أفهم يا شيخ بندر ضجرك حين تسمع أشواق الناس إلى الحريّة. ولا أدري إن كنتَ شعرتَ يوماً بأغلال الاستبداد التي تُثقل كواهلنا، بعد أن بات الظلم والجور ونهب الثروات وسجن الآلاف دون محاكمات مجرّد (ديكتاتورية إدارية) سيُصلحها ولاة الأمر في ساعة من نهار.
يبدو أن الحرية باتت اليوم مفردة من خيال.
أعدك حين نلتقي أن أقصّ عليك حكايات الحرية، والعنقاء، والخِل الوفي!
=======
لتنزيل الممادة كاملة على هيئة ملف وورد، الرجاء النقر هنا
اي ملاحظ لأي جدل يدور في الساحات الإنترنتية تشارك فيه هذه المجموعة السلفية التي تشارك الآن في هذا الحوار(ولا اقصد كل السلفيين حاشاهم لله)يلاحظ شدة الاستفزاز التي تعيشه أثناء الجدل،وهذا له عدة مظاهر:
1- الهبوط المباشر لمستوى النقاش الى الهجوم الشخصي و استخدام ألفاظ لا تنتمي إلى الخطاب الإسلامي بتاتا.
2- النزوع المباشر إلى ترك القضية محل النقاش وترك الرد على براهين الطرف المباشر والإكتفاء القاصر باعتبار الكاتب غير مؤهل لمناقشة رموزهم التي اعتادت منهم السمع والطاعة ..وهذه ردة فعل المقلدة في كل زمان ومكان.
تفسير هذا الأمر في نظري يعود إلى إحساس هذه الطائفة بخسارتها لمواقعها ونفوذها على الجماهير،فهي اصبحت-كما اشار الأحمري-لاتقدم أي مشروع للجماهير تعدهم به للخروج من اوضاع التخلف والاستبداد التي تعيشه هذه الجماهير،وأيضا لم تعد تقدم أي رموز تلتف حولها المجتمعات،وأي تتبع للرموز التي تتابعها جماهير المجتمعات الإسلامية سيظهر رموز بارزة لاتنتمي لهذه المجموعات المتسلفنة صاحبت الصوت العالي خلف الكيبوردات فقط.
كل ما هنالك : دفاع عن الإستبداد من حيث أرادوا أم لم يريدوا..
الجماهير في الدول الإسلامية ومعظم أفراد الحركات الإسلامية يحلمون بالديمقراطية..بل يناضلون من إجل أن تخضع الأنظمة الإستبدادية إلى نظام ديمقراطي يشمل الجميع،ولم يعبأوا أبدا بقلة هنا تنافح عن ما بقي لها بكل تعلمته من وسائل للبغي وسوء خلق
لا بد من احترام النصوص في عدم الخروج على الحاكم المسلم وعدم إثارة الفتن ، وأما إذا غلب الفساد ولم تتحقق الحكمة من تنصيب الحاكم فالحل هو وجود مجلس له صلاحيات كبيرة تكون له كلمة الفصل في المسائل الكبيرة ومنها عزل الحاكم (وهذا لا يعد خروجا عليه ، لأن هؤلاء الذين هم أهل الحل والعقد هم من أولي الأمر ، ثم إنهم لم يخرجوا بسلاح ، وهم أيضا يطبقون صلاحياتهم) ، وهذا غير مجلس الشورى فهؤلاء (أي أهل الشورى) مستشارون وقراراتهم غير ملزمة للحاكم عند أكثر الفقهاء ، والفرق بين أهل الحل والعقد ، وأهل الشورى ما يلي : 1- أهل الشورى يستشارون، أي يطلب منهم الرأي ولا يقدمونه ابتداء في الغالب . 2- أهل الشورى من ذوي الاختصاصات العلمية، أما أهل الحل والعقد فلا يلزم الاختصاص منهم، ولكنهم من ذوي القدرة والشوكة. 3- أهل الشورى مهمتهم مستمرة ومنتظمة وربما لها مجالس محددة، أما مهمة أهل الحل والعقد فربما تكون طارئة، لاسيما عند حصول الفتن والاضطرابات . انظر كتاب : أهل الحل والعقد ، للطريقي
هل يستطيع السلفيون الرد على هذه الأسئلة الواقعية؟
هذا هو التحدي الحقيقي
وما سواه هو تهويشات
الانتخاب أفضل لأنه الذي فعله الصحابة مع أبي بكر (رضي الله عنهم أجمعين) لكن النقاش ينبغي أن يكون حول أمرين ، الأول : أن الاختيار والانتخاب لم يكن عاما من جميع الناس وإنما من أهل الحل والعقد من الصحابة ، وهنا سؤالان : الأول : أن هؤلاء هل كانوا كذلك لأنهم أثبتوا جدارتهم قبل ، أم أن ثناء رسول الله (صلى الله عليه وسيلم) عليهم كان له دور في تحديدهم ، وهم بطبيعة الله لم يعينوا ، لأنه لم يكن هناك حاكم وخليفة وقتها حتى يعينهم ، فكيف يتم تحديدهم عند التنازع فهل يحددون بالانتخاب وما ضوابطه حتى لا ينتخب غير الكفؤ أو الفاسد . ثانيا : كان ذلك الانتخاب والاختيار في المدينة فقط ، فهل يكون كذلك الآن في المدينة أو مكة مثلا أو في عاصمة كل دولة ، أو في جميع المدن ؟ أرى أن النقاش في هذه المسائل أكثر فائدة وأضبط للنقاش
يا ألله كم طربت لأسلوب القديمي وأفكاره
أسئلة محرجة دون شك ، وترتيب منطقي
الكاتب اختصر الموضوع حول سؤال واحد :
أنتم مع اختيار الحاكم ومراقبته ومحاسبته ولا لأ ؟
أجيبو أيها القوم
أشكر لك أيها الفاضل هذا الجهد في تناول هذه القضية التي كانت وستظل محل جدل بين دعاة الحل الإسلامي . ولا أظن مقالتك ولا مقالات الآخرين سوف تحسمها . وثنائي على جهدك هذا لا يعني الموافقة عليه . ولي على ما ذكرته أيها الفاضل تعليق مطول أضعه في نقاط :
النقطة الأولى : واعتبرها نصيحة قبل أن تكون اعتراضاً. ففي حواراتنا و سجالاتنا الفكرية كثيراً ما نشرع فيها ، ثم ندرك في وسط الطريق أننا بحاجة لأخلاقيات الحوار أكثر من حاجتنا لمادته العلمية.
في الجزء الأول من مقالتك ألبست الشيخ بندر الشويقي لباس الخوارج ، و جعلته مكفراً لتتسعين بالمائة من الجماعات الإسلامية فضلاً عن غيرهم. والشيخ بندر ليس نكرةً يعيش في أقاصي الأرض. بل هو طالب علم معروف ، له طلابه ودروسه ، عرفه الجميع من خلال كتاباته في المشهورة المنتديات و التي لها جمهورها ، وافقناه على ما فيها أو عارضناه. وهو من أشد الناس بعداً عما رميته به . و أنا قد زرته و ناقشته مراراً ، واستفدت منه ، وأدرك تماماً أنه ليس من النوعية التي تتحدث عنها . وقد كتبت تعقيباً على كلامك وكنت سأرسله لمجلة العصر . لكني فضلت أن أكتب ما عندي هنا تحت مقالتك.
هذه التهمة التي ألصقتها بالشيخ بنيتها على فهم غريب لكلام ذكره عمن يصوت مطالباً بتنحية الشريعة ، فحولته أنت لمن يصوت لحزب غير إسلامي . ثم شرعت في التفريع على ذلك . br> النقطة الثانية : إذا أردت أن يكون كلامك موضوعياً ومنصفاً و أكثر تركيزاً في موضع الخلاف ، فحبذا لو تبتعد عن الضرب على وتر عاطفة الناس الذين يعانون من واقعٍ أنت تدرك أن رافضي الديمقراطية يعانون منه كما يعاني منه غيرهم. فالحديث عن والدتك المريضة ، وعن ابنة الحضيف الذاهبة (رحمها الله)، وعن تردي الخدمات الطبية والتعليمية وعن مستويات المعيشة المتدنية في دولة نفطية ثرية. كل هذا الواقع يشترك الجميع من المعاناة منه . فأنت لا تتحدث مع ملوك في قصورهم لا يشعرون بمعاناة الناس على الأرض .
بحث الجميع وخلافهم إنما هو حول منهج الخروج من هذا الحال . فتوظيف هذه الأوضاع من أجل الضغط القارئ من خلال إيهامه بأن المخالفين يؤصلون لبقاء هذه الأوضاع ، و أنك أنت و دعاة الديمقراطية الساعون في تغييره ، مغالطة علمية غير موضوعية .
بل الواقع يشهد أن أصحاب الدعوة السلفية أكثر مساساً بمشاكل الناس على الأرض. في حين أن غيرهم يكتفي بالجدل الفكري في الكتب وعلى أعمدة الصحف، وهو الجدل الذي لا يكلف الأقلام سوى القليل من الحبر. و عند أول مواجهة حقيقية مع النظام لا تجد إلا ناكصين على أعقابهم ، إلا ما ندر.
فتتبع حاجات الناس من الأرامل والمساكين والأيتام والمبرات الخيرية وحث الناس على الصدقة و مواساة المحتاج . كل هذه الأنشطة تكاد تكون امتيازاً سلفياً من النادر أن يدخل فيه الكتبة المفكرون العصريون.
يبقى بعد هذا الحديث عن ضبط حقوق الناس في المال العام . وهذا موضع المعترك الذي يختلف الناس ليس في أصله بل في منهجية الوصول إليه. وليس المطلوب منا الموافقة على أي حلٍ لمجرد أنه نجح في مكان آخر.
النقطة الثالثة : لو جاءك معترض بأمراض الغربيين التي تبدأ من الكفر وتمر بالانحرافات الخلقية و إدمان الخمور وجرائم العنف و المخدرات والانتحار والشذوذ والإيدز. ثم قال لك : هذه هي ثمرة النظم الديمقراطية التي تدعوننا إليها. ستقول له مباشرة : ليس هذا هو النظام الذي نريده ؟ نحن نطالب بنظام معدل يوافق شرع رب العالمين.
فكذلك مخالفوك حين تحدثهم عن الوضع القائم عندنا وما فيه من بلايا ومشاكل ، هم يقولون لك : ليس هذا هو النظام الذي نرتضيه. نحن نطالب بنظام أعلى ، يعتمد على تحكيم الشريعة إلزاماً ، وليس على رأي الأكثرية ، ويعتمد على الشورى ، و ليس على الوراثة .
أنت تتساءل ما هي آلية الوصول لهذه الشورى. والسؤال سوف يرجع إليك ، فما هي آلية الوصول للديمقراطية ؟ فأنتم والآخرون لا تملكون سوى المطالبة والضغط إلى أن يتكرم صاحب القرار أو يرضخ.
النقطة الرابعة : أنت أيها الفاضل و كثيرون آخرون عند الحديث عن تحكيم الشريعة تدورون حول ما يسمى بالأحكام قطعية الثبوت وقطعية الدلالة . فهل الشريعة عندكم محصورة في هذه الأحكام ؟!
وهل الخلاف عندكم في مسألة ما يتطلب (شرعاً) اعتماد مرجعية علمية ، أو تشكيل لجان علمية للوصول إلى القول الموافق لمراد الله من خلال الاجتهاد في النص الشرعي ليكون اجتهاد هذه اللجان قولاً و قانوناً ملزماً للحاكم الجاهل بدين الله ، أو أن المطلوب فقط الاجتهاد في البحث عن الخلافات من أجل انتقاء قول يوافق بناء النظام الديمقراطي بقطع النظر عن قربه أو بعده عن النص الشرعي. ولا أظنك غافلاً عن حقيقة أن ركوب خلافات العلماء كان البوابة التي نفدت من خلالها القوانين الوضعية لبلاد المسلمين.
النقطة الخامسة : تحدثت عن قتل المسلم بالكافر ، و قلت إن المسألة خلافية. فهل ستخبرني كم من المسائل التي سوف ترميها وراء ظهرك بحجة كونها خلافيةً ، كي يصح لك نظامك الديمقراطي ؟!
وهل يلام بعد هذا من يقول إنكم ستضطرون للعبث بالشريعة من أجل تصحيح فكرتكم ؟
مسائل الخلاف تتطلب منهجاً علمياً منضبطاً في التعامل معها ، وليس منهجاً فوضوياً يستند بالخلاف أكثر مما يستند للنص.
النقطة السادسة : ماذا عن الأحكام التي لم يقع فيها خلافٌ . وهي كثيرة جداً ، فما موقفكم منها ، هل ستحدثون فيها خلافاً جديداً كما فعل شيوخ هذا الطريق أمثال العوا وسائر الرفاق.
أورد لك الشيخ الشويقي مثالاً واحداً من هذه الأحكام المجمع عليها بين علماء المسلمين قبل أن تصاب عقول بعض المسلمين بسحر الديمقراطية . فبدل أن تجيب عنه تعمدت تحريف الاعتراض وصرفته إلى تهمة بالتكفير بالجملة.
اقرأ الاعتراض جيداً كي تفهم ما أعنيه.
داخل البرلمان ، لو صوت أحدٌ مطالباً ليس بتنحية الشريعة ككل . بل فقط لو نادى بنظامٍ مناقضٍ لقطعي من قطعيات الشريعة .
ما حكم هذا في ظل النظام الديمقراطي ؟
و ما حكمه في ظل نظام الإسلام ؟
واجه هذه المسألة وستفهم بعض ما يحاول الآخرون شرحه لكم. و هي بالمناسبة ليست المسألة الوحيدة التي تعترض طريقكم ، لكن مشكلتكم أنكم تكتفون دائماً بالتقرير والسرد ، و لا تتوقفون عند الحواجز الشرعية الكبرى التي تطأونها تحت أقدامكم وأنتم تلهثون وراء سراب الديمقراطية الموعودة.
تحياتي لك ولمن خالفك.
b.awad500@yahoo.com
جهد مشكور وعمل مبرور تقبل الله منا ومنك أخي الكريم وكل عام وأنتم والمسلمون بخير وعافية.
لقد رفعت سقف الحرية عاليا أخي الكريم وتحدثت صراحة بما يخسر معه المبطلون .
إن كان لي من تعقيب فهو وجوب تبكيت وإحتقار سدنة الإستبداد وعبيد البلاط الذين يفتئتون على الأمة ويصادرون حرياتها ويعتدون على حقوقها وعدم دعوتهم ب " الشيخ" إلا على حسب المعنى الوارد عند أهل مصطلح الحديث.
ويظل المنافحون عن الظلم يدورون في حلقة مفرغة ويعيشون التناقض بين الدعوة إلى الشريعة كلاما ومناقضتها فعالا.
أخي الدكتور نواف.
راقبت وتابعت الكثير من الحوارات المشابهة .
و المراقب المنصف مهما كان توجهه يعي أن المشكلة التي يعانيها من يحاور السلفيين تركيزهم على مسألة التخصص الشرعي.
قد تكون هذه ورقة ضغط في لعبة جدلية. لكن العقل يقضي بصحة اللعب بها.
و لعل مجال دراستي الشرعية القديم يجعلني أميل لقوة الاستناد لمثل هذه الحيثية.
لست أحب التصنيفات و لا الانتماءات الحزبية. وقد أستطيع القول إن سني لا يسمح لي بذلك. و قد سافرت وخالطت جماعات وأفكاراً شتى. أخالف بعضهم في أشياء وأوافقهم في أشياء.
لكن الحقيقة التي أراها بين عيني دائماً أن السلفي (الحقيقي) يملك من أدوات النظر و الاستدلال أكثر مما يملكه غيره ، وأعني بالسلفي الحقيقي المهتم بالتحصيل العلمي. وليس الدعي الطائش المهذار.
وحتى طالب العلم من التيارات الأخرى غير السلفية غالباً ما تراه أقرب للتصورات السلفية من أقرانه.
تابعت هذا الجدل منذ بدأ ، ومن جديدٍ رأيت تلك الحقيقة تلوح أمام عيني كالشمس. بدايةً من سجال الأحمري وانتهاء بمقالتك هذه .
فاستشهادكما بفتيا الشيخ ابن باز عثرة علمية كبرى.
واستشهاد الأحمري بابن عمر عثرة أكبر. فلو استشهد به في ذم النظام الوراثي وتوقف لتم استدلاله ، لكن أن يجعل قوله حجةً ذم ما سوى الديمقراطية . فهنا العثرة .
و طريقة تفسيرك لكلام الشويقي و تحميله ما لا يحتمل من التكفير الشامل عثرة عملية أخرى .
و مقالك هذا جمع عثرات علمية ربما لا يلحظها من هام قلبه بأشواق الحرية التي لا يلام أحد على التشوق لها ، لكن يلام على غلبة الشوق وطغيانه .
حين تقول إن الخيار الديمقراطي الذي تدعو إليه يرفض توظيف التكفير في الصراع مع السلطة.
فهذه عثرة علمية أخرى.
فليس هناك شيء اسمه خيار يرفض التكفير. لأن التكفير ليس حقاً لزيد أو عمرو حتى يوظفه أو لا يوظفه . بل هو حكم يوجد حيث وجدت شروطه . و لا يملك أحد أن يصدر نظاماً يرفض التفكير كله.
فإن أصررت على هذا . فقد صادقت على دعوى مخالفيك بأن نظامك يناقض نظام الإسلام.
ونسبتك لمالك القول بأن المسلم يقتل بالكافر غلطة أخرى . وخذها ممن خبر مذهب مالك. فليس في مذهبه شيء مما نسبته له.
ويغلب على ظني أن نسبتك هذا القول لليث بن سعد خطأ آخر .
وأما باقي الأسماء التي نسبت لها هذا القول فلم أتتبع صحة نقلك عنها. و الذي أعرفه أنه قول لأهل الكوفة وحدهم.
ومن العثرات العلمية قولك ما المانع أن نقتل المسلم بالكافر من أجل الرأي العام العالمي. ثم استدلالك بحديث (لولا أن قومك حديثي عهد بكفر...).
فهل ستستبيح دم مسلمٍ حفاظاً على سمعتك عند الرأي العام العالمي؟!
مع أن قولك هذا حتى لو وافقك غيرك عليه . فليس له أثر في محل الخلاف. فهذه المسألة جيء بها من أجل بيان التناقض بين النظام الديمقراطي الذي يتطلب المساواة المطلقة ، وبين النظام الإسلامي الذي لا يعترف بها.
فأنت إذا أقررت بأن الإسلام (في الأصل) لا يقر المساواة ، فقد أقررت أنه يناقض النظام الديمقراطي. ولك بعد هذا أن تساوي أو لا تساوي مراعاة للرأي العام العالمي كما تقول.
الكلام هنا يطول ويتشعب.
لكني فقط أردت أن أبين أن الحديث هنا لا يدور حول خيارات سياسية مفتوحة . بل هو حديث عن نظرية يراد أن توضع في ميزان الشريعة . فمن لم يكن معه ميزان . فليتوقف إن كان يحب لنفسه السلامة قبل يوم الندامة.
أتمنى أن يفرد لأحمد الأحسائي .. مساحة أكبر للتعقيب ولو أفردت لوحدها فهو أفضل .. الرجل يملك منهجاً تفكيكياً رائعاً .
أنا اختيار الحاكم (انتخابه) هو أفضل الطرق لتنصيب الحاكم شرعا . وأن مراقبته ومحاسبته يكون عن طريق أهل الحل والعقد . وأما معارضة الشرع ورفض تطبيقه عبر الأحزاب أو الأفراد فهذا لا يجوز ، وأيضا الحرية في الأمور التي تخالف الشرع لا تجوز ، وحل هذين الأمرين بتقييد الدستور لجميع الأحزاب والأفراد بأن يكون المرجع هو الشرع . ويبقى مجالا للنقش الأمور التالية : كيف يحدد للحاكم بضع سنوات ثم يخضع للاقتراع مع أن ذلك لم يحدث من قبل خاصة أيام الخلفاء الراشدين ، وهذا يعود إلى مسألة وهي أن النظام السياسي الإسلامي هل هو محدد بطرق لا يجوز الخروج عنها أم أن الأمر واسع . وهل تكون المعارضة علنية للحاكم مع أن ذلك قد يجر إلى مفاسد ؟ وهذا يعود إلى مسألة وهي هل المعارضة المذمومة السب والشتم والتحريض أو حتى مجرد النقد الهادف ؟
شكر الله لك ، والله لقد أثلجت صدري بهذا الرد المتماسك والذي يرد النزاع لموضعه الأساسي..
ولكن عسى هذه الكلمات أن تحد آذانا صاغية وقلوبا واعية بما نحن فيه..
لقد سئمنا الكلام حول التفاصيل والاستشكالات البعيدة كل البعد عن موطن المشكلة..
نريد أن نستعيد إنسانيتنا التي لم يبق منها شيء في واقعنا المليء بالظلم والجور .. فما الطريق أيها المشايخ يا من لا تألون جهدا في نقد الديموقراطية؟
تسلسل فكري متماسك
وذكاء في طرح الأسئلة على التيار السلفي في موقفه من اختيار الحاكم وتصوره لنظام الحكم
أتمنى من أي شيخ سلفي أن يجيب على الأسئلة المطروحة هنا دون مماحكات والتهاء بالهوامش
فنحن نرى أن الديمقراطية تحوي مشاكل عديدة ، ولكنها رحمة إذا ما قورنت بالاستبداد الحاصل في بلداننا العربية
لماذا يصر بعض الإخوة من طلبة العلم على تجميع كل ما يمكن أن يطعن في النظام الديمقراطي ولو كانت حججاً تافهة ، وفي ذات الوقت لا يقدمون بديلاً سوى القبول بالوضع القائم!!!
تحديد المشكلة في إطارها النظري مهم جداً
وقد أجاد الكاتب في التحويل الإجباري للنقاش حتى يكون في صلب قضايا الخلاف ، لا بقاء الحديث حول العموميات ، والاكتفاء بالتركيز على نقاط التطرف في تصور ما للديمقراطية
ربما كان المقطع الأهم بنظري في مقال الكاتب هو حين تحدث عن الأفكار التالية :
أولوية الاختيار
وشرعية الرقابة والمحاسبة
عدم وجود نص يحرم الانتخاب عن طريق صناديق الاقتراع أو وجود مجلس منتخب للمحاسبة والمراقبة
وقد ختم ذلك بقوله:
إذا كنتم لا ترون مشكلة في هذه المسائل ، فنحن حين إذن نتفق على ثمانين بالمائة من الموضوع
تبقى الكرة في ملعب الرافضين للديمقراطية حتى يجيبوا على هذه الأسئلة :
هل هم مع الاختيار والمراقبة والمحاسبة للحكومة؟
وهل عندهم مشكلة في آليات الانتخاب ووجود مجالس منتخبة للمحاسبة؟
أما التفاصيل الأخرى فهي الأقل أهمية
ويكن نقاشها في حال تم الاتفاق على أصل الموضوع المذكور آنفاً
عرض رائع وممتع يا أستاذ نواف

