أعد صناعة التاريخ يا أحمد..
18-8-2003
سيعود أحمد ليكتب التاريخ سيعود ولو بعد حين، ولكن قبل أن نكتب التاريخ معاشر المسلمين، علينا أن نكون له صنَّاعاً بالحق لله متعبدين، وهل سمعتم أن كتابة التاريخ كانت يوماً من حق المتفرجين...
بقلم د . وسيم فتح الله
قام من سريره أحمد يهبُّ من نشاط، قد حفظ تاريخ أمته من الصين إلى الرباط، قد حضّر الدروس بجد وقرأ باجتهاد، فإنه اليوم مع اختبار التاريخ على معاد، وذهب أحمد إلى غرفة الامتحان، وروحه مشرئبة ترفل بالاطمئنان، فمادة التاريخ لديه محببة ومن قلبه قريبة، كيف لا وهو تاريخ أمته الإسلامية الحبيبة، فهل كان أحمد جاهزاً لاختبار التاريخ يا إخوان، هل وُفِّق للإجابة أم تبدلت منه الألوان، هلموا إذاً إلى قاعة الامتحان، لنرى تاريخ أمتنا أتاريخ عزة أم هوان، وحتى يكون القلب منا بانشراح والجلسة إسلامية، فلنبدأ بالتسمية والصلاة على خير البرية...
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل العقدة من اللسان، هكذا تمتم أحمد حين استلم أسئلة الامتحان، وبادر للسؤال الأول يقرأ ملهوفاً، فبالإجابة على السؤال بات قلبه مشغوفاً، "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك" كلمة في التاريخ خالدة، فمن قائلها يا أحمد من بين هذه الاختيارات المتعددة؛ بحث أحمد بسرعة بين اختيارات الإجابة، فوجد فيها هولاً ووجد فيها الغرابة، بحث أحمد عن هارون الرشيد، فهذا عنده هو الجواب الأكيد، ولكن اختيارات الجواب عنده جعلته يهذي كالمجنون، فهي بول بريمر وجارنر وشارون ! رفع أحمد يده يسأل أحد مشرفين: ففي السؤال الأول خطأ مطبعي مبين، فأسكته المشرف على الفور وهو يقول : الخطأ في الامتحان أمر غير معقول، فالتزم الصمت وبادر إلى الإجابة، ولا تشوش على غيرك ولا تحدث اضطراباً، فعاد أحمد المسكين صفر اليدين، ولم يضع للسؤال جواباً وعاد بخفي حنين، وانتقل إلى سؤال آخر عسى أن يحالفه التوفيق، فهو واثق من معرفته لتاريخ أمته العريق، فما كاد يقرأ السؤال حتى تهلل وجهه بالفرح الشديد، فهذا سؤال يعرف جوابه بكل تأكيد؛ من الذي فتح العراق وحرر أهله من حال العبيد، فهمَّ أحمد بالجواب : إنه خالد بن الوليد، ولكن القلم تعثر في يده وتلعثم اللسان، فليس في إجابات السؤال إلا اختياران؛ أحدهما ميشيل عفلق والثاني رئيس الأمريكان، أين الجواب الصحيح وعن أي تاريخ يتكلمون، أكاد أقسم أن واضع الامتحان أخرقٌ ومأفون، فلأنظر في السؤال التالي ما عساه أن يكون، وهنا كاد يجن أحمد وكاد الصدر ينفجر، فلئن كان هذا تاريخنا فحق للقلب أن ينكسر، يقول السؤال : تحدث باختصار عن الأقلية السنية في العراق، وبيِّن أثرها في إحداث الشقاق والافتراق، وهنا ما عاد أحمد يحتمل سكوتاً، وبات مكثه لإكمال الاختبار ممقوتاً، أخذ أحمد أسئلة الامتحان ومزق الأوراق، وقال للمشرفين: أستحلفكم الله هل هذا تاريخ العراق؟ غادر أحمد قاعة الاختبار لا يلوي على أحد، وأقسم على كشف الحقيقة بالواحد الصمد، ذهب إلى متحف التاريخ ومكتبة بغداد، ذهب إلى المساجد والمنابر إلى مدافن الأجداد، ذهب ليقرأ ويسأل عن هوية بلاد الرافدين، ذهب يسأل عن دماء شهداء عين جالوت ومعركة حطين، بل راح يسأل أين أبطال القادسية، وهل باتت تضحيات الصحابة والسلف منسية، بغداد عاشت رغم أهوال المغول والتتار، وبقى صوت الأذان يتردد رغم الخسف والدمار، فمن أنتم لتزيفوا تاريخها أيها الطفيليون، هل أنتم إلا سلالة العلقمي وحلفاء بني صهيون، هلموا إذاً نفتش عن الحقيقة، فما عاد أحمد يطيق الانتظار دقيقة، هلموا لندرس نحضِّر للامتحان، لنكشف تاريخ أمتنا أتاريخ عزةٍ أم تاريخ ذلةٍ وهوان...
ذهب أحمد ليعرف الحقيقة غير مبالي، فأخبروه بالتوجه إلى مجلس الحكم الانتقالي، فتمعر وجهه قائلاً: فأين دار الخلافة إذاً وأين أمير المؤمنين، فضحكوا منه وصاحوا: بماذا تهذي أيها المسكين؟ أما علمت أن هذه اصطلاحات تاريخية أصولية، وأنها حديث بعض الفئات الوصولية، أما علمت أن ديننا دين تسامح وعقلانية، وأن مقتضى الديمقراطية هو تطبيق العلمانية؟ فصاح قائلاً: وماذا عن دماء الشهداء والمجاهدين؟ فأشاروا إليه يلمزون: لعله أحد الإرهابيين، اذهب يا هذا ولا تعكر علينا صفو الحرية، وتخلص من هذه المصطلحات وتعلم الانجليزية، ولا تنس حين تدخل على ديوان مجلس الحكم أن تلقي التحية، وإياك والسلام عليكم حتى لا تـثير النعرة الطائفية، بل قل بكل احترام وتوقير، "هَلو، غود مورننغ سير"! فلم يصدق أحمد كلمة مما يسمع، وضاق صدره ألماً وكادت عينه تدمع، ولكن ما العمل عليَّ أن أعرف الحقيقة، فما عدت والله أطيق الصبر دقيقة، وتوجه إلى ديوان مجلس الحكم، فاستقبله الحارس بعبوس شديد ولؤم؛ وكاد عقل أحمد يطير لهول ما رأى، جنديٌ كافر حقير يتحسس جسد امرأة.. قف يا هذا لا تلمس جسد أختي الطاهرة، أتحسبها كما النساء عندكم خسيسة عاهرة، تعجب الحرس من موقف أحمد وتهامسوا قائلين: هل بقي أحد ممن يغار على أعراض المسلمين؟ بأي فكرٍ متطرف يتأثر هذا الشاب، ألم نوجه خطباء المساجد ليكفوا هؤلاء عن الإرهاب؟ ومضى الموقف بسلام وسمحوا لأحمد بالدخول، وشكرته الفتاة على رجولته قائلةً: ظننت الشرف في أفول. أجاب كلا والله لن تعدمي منا رجال، يفدون عرضك بالدماء بالأشلاء مهما كانت الأهوال، أما علمت أننا أبناء الأمة الإسلامية، وأن تاريخنا تاريخ عزةٍ لا هوان ودنية، وهكذا مضى أحمد كالأسد الهصور، دخل غير آبه بالحرس والديوان والقصور، دخل ليكشف الحقيقة ويدرس ويحضر للامتحان، ليكشف تاريخ أمتنا أتاريخ عزةٍ أم ذلةٍ وهوان....
دخل أحمد يسأل أهذا ديوان الحكم؟ قالوا : نعم، فتأمل قائلاً: فمن الذي أزال "الله أكبر" عن العلم؟ وأين الحاكم فإني سائله عن مسائل وأمور، قالوا إنه مشغولٌ بإعداد الدستور، فغضب أحمد غضباً لم يغضبه مثله إنسان، وهل لنا دستورٌ سوى السنة المطهرة والقرآن؟ أي نذير شؤم هذا وأي ضلال، وأصر أحمد أن يرى الحاكم في الحال، فدخل أحمد واستبشر لما رأى صاحب عمامة، لعمري هذا الحاكم مظهره يليق بالإمامة، ولكن لا تتعجل يا أحمد ولا تحكم على المظاهر، فهذا الذي يرتدي العمامة لأهل الكفر مُظاهر، وستعرف حقيقة الأمر بعد دقائق فاصبر ولا تهِن، فالأمة ترزح ردحاً تحت هؤلاء وتـئِن، وجلس أحمد في مجلس الحاكم ينتظر الجواب، وما كان يدري أنه سيرى العجب العجاب، فتعالوا ننظر حال أمنتنا العزيزة بافتخار، تعالوا وتجردوا من كل عيب وسوء، تجردوا من كل عار ...
قال الحاكم لأحمد: ما لك أيها المتذمر، قال : ما الذي يجري في بلدي المسلم إنه أمرٌ محيِّر، تعجب الحاكم قائلاً : فما بال صدور الناس كلها مثلوجة، قال أحمد : لست منهم أنا من الفلوجة، فاستنفر جهاز الإنذار عند الحاكم وجاءت فرق المظليين، وحاصرت القصر مئات الجنود بالعتاد مسلحين، "انتبهوا" يصيحون: لقد وجدنا أحد الإرهابيين، فعلم أحمد حقيقة العمامة على رأس ذلك الشيطان اللعين، تريدون ذر الرماد في وجوه الخلق فأين تذهبون من رب العالمين، قد علمتُ على كل حال حقيقة ما يجري، وعرفت أن تاريخكم مزوَّر وانشرح للحق صدري، إني مغادرٌ من قصرك وسأشق صفوف الجند والحراس، ولكني سأعود بعد أن تشتد منا الغراس، فدعوني كي أضع من يدي القرطاس كي أضع المداد،دعوني أعلمكم كيف كُتب تاريخ البصرة والكوفة وبغداد، فإنما كُتب تاريخ العراق وبغداد بالغالي من الدمِ، مذ فتحها الصحابة ويوم غدر بها ابن العلقمي، هبوني سناناً ورمحاً جمِّلوني بالقرآن، فتاريخ العراق تاريخ عزةٍ مهما افترى أولو الشيطان، هلموا إذاً إلى قاعة الدرس واستعدوا للامتحان، لنرى تاريخ أمتنا أتاريخ عزة وسؤدد أم تاريخ ذلةٍ هوان...
ذهب أحمد يا إخوتي ليستعد للاختبار الحاسم، لا لنيل شهادةٍ جامعية ولا للأوسمة والمراسم، وها هو يشتد عوده ويستغلظ ساقه، ها هو يمضي سواء أقعد أم قام رفاقه، فالظاهر على الحق يمضي أبداً لا يأبه للمخذلين، ومن سيماه في وجهه سجودٌ ليس حاله كالمنافقين، سيعود أحمد ليكتب التاريخ سيعود ولو بعد حين، ولكن قبل أن نكتب التاريخ معاشر المسلمين، علينا أن نكون له صنَّاعاً بالحق لله متعبدين، وهل سمعتم أن كتابة التاريخ كانت يوماً من حق المتفرجين...

اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو