هل تحقق الأمة وحدة مرجعيتها في الحج؟
10-1-2005
فهو مؤتمر يتجاوز بطبيعته الآفاق السياسية لأنه مؤتمر شعبي بقرار رباني، ويتجاوز الحدود والفواصل الجغرافية ويتجاوز كذلك الإطار الإقليمي للعالم الإسلامي..وحدة المرجعية التي نقصدها أن تتوحد الأمة في أهدافها العليا وغاياتها الكبرى وإطارها العام، بحيث يؤمن الناظر إلى الأمة المسلمة على اختلاف حدودها وامتداد جغرافيتها أنه أمام أمة واحدة القصد والهدف والتوجه والمصير والمصلحة، لا يمكن ضرب وحدتها
يتجدد موسم الحج في حياة الأمة الإسلامية كل عام منذ فرض الله تعالى فريضة الحج على المسلمين إلى قيام الساعة .. ومن قبل ذلك منذ أمر تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج ..
وأمة الإسلام هي أمة الحج، فإذا كان الحج فريضة على المسلم المستطيع – من استطاع إليه سبيلا – مرة في العمر، فإنه فريضة سنوية على الأمة في مجموعها العام، فهي أمة تحج كل عام .. وموسم الحج هو مؤتمر المسلمين الشعبي الأول، ولعله المؤتمر الشعبي العالمي الأوحد الذي يتكرر بنفس العدد وحجم التجمع وكيفية اللقاء وقدسيته، وهو مؤتمر شعبي حقيقي حاشد تُخرج فيه الشعوب سفراءها لتتلاقى وتجتمع وتتعارف وتتآخى ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، فتُخرج له الشعوب من كل ألف نسمة فردا واحدا على المستوى الرسمي المسموح به، بينما يتضاعف هذا الرقم مرة على الأقل عند الحصر الفعلي لعدد الحجاج السنوي .. وهو مؤتمر عالمي موسع لا يقتصر على إقليم جغرافي دون إقليم أو قارة دون قارة، يحضره سفراء الشعوب من كل قارات العالم ودوله ويمتد التمثيل الشعبي فيه ما امتدت رقعة الإسلام في كل بقاع الأرض، ولا يقتصر في ذلك على العالم الإسلامي ودوله، إذ يلتقي فيه المسلم الاسترالي مع المسلم الأمريكي وكذا المسلم الأوربي مع المسلم الهندي والمسلم العربي .. فهو مؤتمر يتجاوز بطبيعته الآفاق السياسية لأنه مؤتمر شعبي بقرار رباني، ويتجاوز الحدود والفواصل الجغرافية ويتجاوز كذلك الإطار الإقليمي للعالم الإسلامي..، فليس الحج عبادة فردية يخرج فيها كل مسلم متجردا إلى ربه يؤدي المناسك ثم يعود من حيث أتى .. ولكنه عبادة جماعية واجتماعية كبرى ومناسبة ضخمة للتجمع، من أجل هذا حدد له المولى عز وجل أياما وأوقاتا معلومة ومحددة بكل دقة ليجتمع كل الحجيج في لحظة واحدة في صعيد واحد الأمر الذي يتحقق في أجلى صوره في يوم الحج الأكبر عند الوقوف بعرفة ..
ولعل هذا الاجتماع الفريد المتجدد واحد من تلك المنافع الكبرى للحج التي ذكرها المولى عز وجل في قوله تعالى: ( ليشهدوا منافع لهم) الحج 28 ، لتشمل كل منفعة كبرى تعود على الأمة وعلى الحجاج فرادى وجماعات ..
* بين التوحيد والوحدة:
موسم الحج ومؤتمره الحاشد الجامع مناسبة مركزة لإعلان التوحيد .. هو موسم التوحيد الخالص شعاره الخالد ( .. لبيك لا شريك لك لبيك.. )، موسم تلتقي فيه الأرض قاطبة على التوحيد عبر ممثليها المحتشدين بالمشاعر المقدسة وعبر ذويهم المعلقة قلوبهم بتلك المشاعر وبإخوانهم الذين سبقوهم إليها.. ما أروعه من موسم وما أجملها من أيام تلك التي تنطلق فيها الألسنة من كل حدب وصوب تعلن كلمة التوحيد، وترتبط فيها القلوب بإله واحد، وتتطلع فيها العيون إلى السماوات العلا، وترتفع فيها الأكف إلى خالق السماوات والأرض طلبا للرضا والقبول .. ليكون مؤتمر التوحيد الحاشد في مكة مركز الأرض بينما تنطلق أشعة شمس التوحيد منها إلى دائرة محيطها هو محيط الأرض كلها..
ويجب أن يكون موسم التوحيد الخالص هذا موسم التوحد محققا لمعادلة قرآنية ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء92 .. لقد ربط الله تعالى بين وحدانيته وبين وحدة الأمة، فالأمة المسلمة أمة واحدة عمادها الأول توحيد الرب تعالى وإفراده بالعبادة .. والأمة التي تجتمع على أسمى معنى تلتقي عليه الإنسانية، بل يلتقي عليه أقطاب الكون جميعا من ملائكة وجن وإنس ودواب وشجر وحجر.. وهو معنى توحيد الله وإفراده بالعبادة : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) الإسراء 44 ، ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات 56، هي أمة يجب أن توحدها عظمة الغاية وشرفها امتثالا لأمره تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران 103، وأن تحقق معنى الأخوة الإنسانية الإسلامية تحقيقا لقوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات 10 .. والوحدة والأخوة الإسلامية العالمية تتجلى في أبرز صورها وأعظم مظاهرها في فريضة الحج .. تتجلى بين الشعوب في شعاب مكة والمدينة، ولو تآكلت أو بهتت صورتها على الصعيد السياسي والرسمي..
في موسم الحج نلمح معنى من معاني قوله تعالى ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) الأنفال63.. إن الألفة الإسلامية والرباط الإسلامي حقيقة حتمية خلقها المولى عز وجل الذي أمره بين الكاف والنون، حقيقة كونية ثابتة مثلها مثل حقيقة الخلق والحياة والموت.. حقيقة واقعة لا تحتاج إلى قانون ولا إلى جهد بشري.. انظر إلى تآخي المسلم مع المسلم في موسم الحج، ثم انظر إلى السياسات العالمية والأموال المتدفقة لفصم تلك العلاقة الحتمية الأبدية.. تجد نفسك تردد قوله تعالى ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ) الأنفال36..
حققت الأمة وحدتها العاطفية فكيف تحقق وحدتها المرجعية ؟
لقد تحققت لأمة الإسلام وحدتها العاطفية وأخوتها الإسلامية، حققها لها المولى عز وجل دون جهد منها ولا مشقة، فهل تستفيد الأمة من النعمة الربانية الكبرى وتنطلق من الوحدة العقئدية والوحدة العاطفية إلى وحدة المرجعية؟
وحدة المرجعية التي نقصدها أن تتوحد الأمة في أهدافها العليا وغاياتها الكبرى وإطارها العام، بحيث يؤمن الناظر إلى الأمة المسلمة على اختلاف حدودها وامتداد جغرافيتها أنه أمام أمة واحدة القصد والهدف والتوجه والمصير والمصلحة، لا يمكن ضرب وحدتها ولا تضاد مصالحها ولا اختلاف منهج التلقي الأول لديها ولا تحويل أصولها وثوابتها ولا ضرب بعضها ببعض، لأنها تسير في مسار واحد نحو هدف واحد وإن تعددت السبل وكثرت المنافذ واختلفت الوسائل ..
النفرة إلى عرفة ومنها مثالا رائعا لذلك، فهدف الحجيج في الحالين واحد محدد تتعدد له الأساليب وتكثر الطرق وتختلف الوسائل، فمن يأتي عرفات ماشيا ومن يأتيها راكبا حافلة ومن يأتيها راكبا سيارة صغيرة، والطرق إلى عرفة كثيرة متعددة لكنها كلها تصب في الموقف ..
ووحدة المرجعية هي المقدمة الطبيعية للوحدة السياسية والخلافة العالمية .. لقد ضعفت الدولة العباسية لما انتشرت فيها الدعوة الشعوبية فكانت من أسباب انهيارها وسقوطها .. ولا تستطيع الأمة الإسلامية أن تحقق وحدة الدولة والكيان تحت راية واحدة قبل أن تحقق وحدة الهدف ووحدة المصير ووحدة الشعور ووحدة الاقتصاد ووحدة الشعوب ووحدة المصالح .. لقد سقطت الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الميلادي الماضي، وسقط بذلك الكيان السياسي لدولة الإسلام، لكن السقوط الأكبر للكيان الإسلامي حدث عندما سقطت وحدة الشعوب الإسلامية واستشرت الشعوبية وتحول الحكم العثماني في أعين العرب إلى حكم تركي أجنبي، فقامت الثورة العربية من جهة وتآكل النفوذ الروحي الذي يجمع المسلمين من جهة أخرى، فكان ذلك مقدمة طبيعية لسقوط الخلافة .. ويوم تحقق الأمة وحدتها الفكرية ورباطها القائم - بعد وحدة العقيدة والشعور- على وحدة المصالح والمصير تستطيع أن تحقق بذلك عودة الخلافة الفكرية والاجتماعية للأمة، وهي خلافة أهم وأعمق بكثير من الخلافة السياسية الرمزية التي ترمز في النهاية إلى وحدة الكيان الإسلامي.
وهو دور تستطيع أن تنجزه الأمة من خلال شعوبها وعلمائها وكوادرها الفاعلة في مختلف المجالات وإن اختلفت أهواء الساسة ومشاربهم.. وليس هناك مناسبة أضخم من موسم الحج لتحقيق هذا الأمل، فالأمة باعتبارها الكيان المدني الذي يقابل السلطة أو ما يعرف في العصر الحديث بمصطلح مؤسسات المجتمع المدني هي وحدها المؤهلة للقيام بهذا الدور..
* وليعذر بعضنا بعضا في الخلاف فيما دون الأصول ..
ملمحا آخر مهما من ملامح فريضة الحج وهو أن يعذر بعضهم بعضا فيما تباينوا فيه أو اختلفوا فيما دون الأصول والثوابت المقررة شرعا .. كان هذا الأمر واضحا جدا في فقه النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ، فلقد كان فقهه صلى الله عليه وسلم أن يوسع ضيقا لا أن يضيق واسعا ، حتى يمكن أن نتخذ شعارا فقهيا في الحج ( التوسيع والتيسير على المسلمين ) ومن دلائل ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم :
1 – ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا وقال: افعل ولا حرج
2 – لما وقف وظهره للصخرات بعرفة قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف
3 – وقال في مزدلفة عند المشعر الحرام: وقفت ها هنا وجمع كلها موقف
4 – اختلاف أنواع الإحرام نفسها بين التمتع والقران والإفراد دلالة على هذه التوسعة وهذا التيسير..
إن المتأمل لمشهد الحرم عقب الصلاة المكتوبة يرى قوما قد قاموا لأداء صلاة النافلة، وآخرون ماكثون للتسبيح وغيرهم يطوفون بالبيت والبعض يتراص لصلاة الجنازة وقوم قد أمسكوا بالمصحف يقرؤون كتاب الله ، وأناس خارجون وآخرون داخلون .. حركة دائبة في جميع الاتجاهات فهل يمكن ضبط إيقاع هذه الحركة أو ترتيبها ؟ .. كل له منطلقه ومبرره، ولا يجمع هؤلاء جميعا إلا الصلاة المكتوبة فهي الثابت وكل ما عداها من المشهد متغير ، وهي الأصل وكل غيرها فرع ..
والتماس العذر للناس بعضهم بعضا هو أحد أعمدة وحدة المرجعية العامة مع ترك التفاصيل الدقيقة لظروف كل مجموعة وطبيعتها والمؤثرات التي تؤثر عليها ..
* التعددية والتنوع الثقافي واللغوي:
مظهر بارز من مظاهر سفراء الشعوب المسلمة في الحج وهو إفراز طبيعي لامتداد دين الإسلام رقعة وانتشارا، وقبول هذا التعدد والتنوع الثقافي ركيزة أساسية من ركائز تحقيق وحدة المرجعية، عندما يؤمن كل شعب إيمانا جازما أنه غير مطالب بالتنازل عن تفاصيل حياته اليومية وعن خصوصيته الثقافية لتحقيق الانصهار في بوتقة وحدة الإسلام العالمية، وإنما يترك له الإسلام مساحة واسعة من الحفاظ على الإرث الثقافي فيترك له لغته ولسانه الذي ولد به ولهجته التي درج عليها، وطريقته في المأكل والمشرب والملبس، ووسائله وأدواته الخاصة في الحياة ما لم يتعارض كل ذلك مع المبادئ والآداب الإسلامية ، ويبقى الإسلام الإطار العام الذي يؤطر حياته كلها .. الملبس مثالا فصل الإسلام عورة الرجل وعورة المرأة وأوجب سترهما ثم ترك لكل قوم حرية ما يختارون من ملابس تحقق هذا الستر ..
إن أكبر معوقات الوحدة النفسية والسيكولوجية عند الشعوب هي شعورها بأنها خاضعة لثقافة الفئة المنتصرة أو الغالبة وأنها منصاعة لتلك الثقافة البيئية لا للدين، أي الخضوع لأعراف أرضية لا لقوانين سماوية، والإسلام لم يفرض على الناس لغة قريش ولا لهجتها ولا طرائق معيشتها لأنه نزل على نبي عربي قرشي .. لقد راعى الإسلام الفوارق الثقافية والتنوع البيئي بين الشعوب فتعددت قراءات القرآن الكريم أقدس كتاب في حياة البشر بتعدد اللهجات العربية الكبرى .. وعندما تحرك المسلمون الأوائل للفتح الإسلامي المبارك لم يصدروا ثقافاتهم البيئية ولم يفرضوها على الشعوب فرضا ولم يعمدوا إلى عولمة ثقافية يخضعون لها الشعوب ماحين إرث كل شعب وتراثه .. ومن هنا نرى الناطقين بالعربية لا يتجاوزون ربع تعداد المسلمين في عالم اليوم، رغم مكانة اللغة العربية وفضلها كونها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الإسلامية المرتبطة بهما..
لم يفرض الإسلام على الناس تغيير لغتهم وهي الوعاء الثقافي الأهم في حياة الناس، فهل يفرض على الناس ما دون ذلك من عادات وتقاليد بيئية في المأكل والمشرب والملبس ! ..
هذا التنوع وتلك التعددية الثقافية والبيئية هي التي تعطي لأمة الإسلام زخمها وقوتها وحيويتها ، وهما صمام أمان لوحدة مرجعية إسلامية كبرى تتجاوز التفاصيل وتركز على الأصول الثابتة ..
إن الذي يربط المسلم بأخيه المسلم أكبر بكثير من المظهر الخارجي ولغة التخاطب ولهجة الحديث، أكبر كذلك من الجنس واللون والإرث الثقافي.. فما يربط المسلم بأخيه ومن ثم بأمته الواحدة عوامل هي:
1 – وحدة العقيدة وتحقيق الوحدانية لله بحيث يتوحد الصف الإسلامي على كلمة التوحيد ..
2 – وحدة التشريع العام من لدن خالق السماوات والأرض
3 – وحدة التوجه سواء في التوجه إلى قبلة واحدة أو إلى فكر عام واحد
4 – وحدة الشعور والوحدة العاطفية التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد
5 – وحدة المصير باعتبارهم كيان إسلامي واحد
6 – وحدة المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وهو رباط حيوي وهام جدا لبلورة مرجعية إسلامية عليا، وليس هذا جنوحا للبرجماتية ونظريتها النفعية، ولكن واقع الحال يؤكد أن الأمة تتفرق يوم تشعر بتضاد المصالح ويوم يربط بعض أبنائها مصالحهم بمصالح أعدائها، وعندما تتضافر المصالح المادية مع عناصر التوحد الأخرى فإنها تقويها وتكسبها صلابة وصمودا ..
فهل تعي الأمة واحدا من أهم دروس فريضة الحج الكبرى ، فتسعى لتوحيد مرجعيتها كما يحقق حجاج بيت الله أخوتهم الإسلامية في الحج؟
وأمة الإسلام هي أمة الحج، فإذا كان الحج فريضة على المسلم المستطيع – من استطاع إليه سبيلا – مرة في العمر، فإنه فريضة سنوية على الأمة في مجموعها العام، فهي أمة تحج كل عام .. وموسم الحج هو مؤتمر المسلمين الشعبي الأول، ولعله المؤتمر الشعبي العالمي الأوحد الذي يتكرر بنفس العدد وحجم التجمع وكيفية اللقاء وقدسيته، وهو مؤتمر شعبي حقيقي حاشد تُخرج فيه الشعوب سفراءها لتتلاقى وتجتمع وتتعارف وتتآخى ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، فتُخرج له الشعوب من كل ألف نسمة فردا واحدا على المستوى الرسمي المسموح به، بينما يتضاعف هذا الرقم مرة على الأقل عند الحصر الفعلي لعدد الحجاج السنوي .. وهو مؤتمر عالمي موسع لا يقتصر على إقليم جغرافي دون إقليم أو قارة دون قارة، يحضره سفراء الشعوب من كل قارات العالم ودوله ويمتد التمثيل الشعبي فيه ما امتدت رقعة الإسلام في كل بقاع الأرض، ولا يقتصر في ذلك على العالم الإسلامي ودوله، إذ يلتقي فيه المسلم الاسترالي مع المسلم الأمريكي وكذا المسلم الأوربي مع المسلم الهندي والمسلم العربي .. فهو مؤتمر يتجاوز بطبيعته الآفاق السياسية لأنه مؤتمر شعبي بقرار رباني، ويتجاوز الحدود والفواصل الجغرافية ويتجاوز كذلك الإطار الإقليمي للعالم الإسلامي..، فليس الحج عبادة فردية يخرج فيها كل مسلم متجردا إلى ربه يؤدي المناسك ثم يعود من حيث أتى .. ولكنه عبادة جماعية واجتماعية كبرى ومناسبة ضخمة للتجمع، من أجل هذا حدد له المولى عز وجل أياما وأوقاتا معلومة ومحددة بكل دقة ليجتمع كل الحجيج في لحظة واحدة في صعيد واحد الأمر الذي يتحقق في أجلى صوره في يوم الحج الأكبر عند الوقوف بعرفة ..
ولعل هذا الاجتماع الفريد المتجدد واحد من تلك المنافع الكبرى للحج التي ذكرها المولى عز وجل في قوله تعالى: ( ليشهدوا منافع لهم) الحج 28 ، لتشمل كل منفعة كبرى تعود على الأمة وعلى الحجاج فرادى وجماعات ..
* بين التوحيد والوحدة:
موسم الحج ومؤتمره الحاشد الجامع مناسبة مركزة لإعلان التوحيد .. هو موسم التوحيد الخالص شعاره الخالد ( .. لبيك لا شريك لك لبيك.. )، موسم تلتقي فيه الأرض قاطبة على التوحيد عبر ممثليها المحتشدين بالمشاعر المقدسة وعبر ذويهم المعلقة قلوبهم بتلك المشاعر وبإخوانهم الذين سبقوهم إليها.. ما أروعه من موسم وما أجملها من أيام تلك التي تنطلق فيها الألسنة من كل حدب وصوب تعلن كلمة التوحيد، وترتبط فيها القلوب بإله واحد، وتتطلع فيها العيون إلى السماوات العلا، وترتفع فيها الأكف إلى خالق السماوات والأرض طلبا للرضا والقبول .. ليكون مؤتمر التوحيد الحاشد في مكة مركز الأرض بينما تنطلق أشعة شمس التوحيد منها إلى دائرة محيطها هو محيط الأرض كلها..
ويجب أن يكون موسم التوحيد الخالص هذا موسم التوحد محققا لمعادلة قرآنية ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء92 .. لقد ربط الله تعالى بين وحدانيته وبين وحدة الأمة، فالأمة المسلمة أمة واحدة عمادها الأول توحيد الرب تعالى وإفراده بالعبادة .. والأمة التي تجتمع على أسمى معنى تلتقي عليه الإنسانية، بل يلتقي عليه أقطاب الكون جميعا من ملائكة وجن وإنس ودواب وشجر وحجر.. وهو معنى توحيد الله وإفراده بالعبادة : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) الإسراء 44 ، ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات 56، هي أمة يجب أن توحدها عظمة الغاية وشرفها امتثالا لأمره تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران 103، وأن تحقق معنى الأخوة الإنسانية الإسلامية تحقيقا لقوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات 10 .. والوحدة والأخوة الإسلامية العالمية تتجلى في أبرز صورها وأعظم مظاهرها في فريضة الحج .. تتجلى بين الشعوب في شعاب مكة والمدينة، ولو تآكلت أو بهتت صورتها على الصعيد السياسي والرسمي..
في موسم الحج نلمح معنى من معاني قوله تعالى ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) الأنفال63.. إن الألفة الإسلامية والرباط الإسلامي حقيقة حتمية خلقها المولى عز وجل الذي أمره بين الكاف والنون، حقيقة كونية ثابتة مثلها مثل حقيقة الخلق والحياة والموت.. حقيقة واقعة لا تحتاج إلى قانون ولا إلى جهد بشري.. انظر إلى تآخي المسلم مع المسلم في موسم الحج، ثم انظر إلى السياسات العالمية والأموال المتدفقة لفصم تلك العلاقة الحتمية الأبدية.. تجد نفسك تردد قوله تعالى ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ) الأنفال36..
حققت الأمة وحدتها العاطفية فكيف تحقق وحدتها المرجعية ؟
لقد تحققت لأمة الإسلام وحدتها العاطفية وأخوتها الإسلامية، حققها لها المولى عز وجل دون جهد منها ولا مشقة، فهل تستفيد الأمة من النعمة الربانية الكبرى وتنطلق من الوحدة العقئدية والوحدة العاطفية إلى وحدة المرجعية؟
وحدة المرجعية التي نقصدها أن تتوحد الأمة في أهدافها العليا وغاياتها الكبرى وإطارها العام، بحيث يؤمن الناظر إلى الأمة المسلمة على اختلاف حدودها وامتداد جغرافيتها أنه أمام أمة واحدة القصد والهدف والتوجه والمصير والمصلحة، لا يمكن ضرب وحدتها ولا تضاد مصالحها ولا اختلاف منهج التلقي الأول لديها ولا تحويل أصولها وثوابتها ولا ضرب بعضها ببعض، لأنها تسير في مسار واحد نحو هدف واحد وإن تعددت السبل وكثرت المنافذ واختلفت الوسائل ..
النفرة إلى عرفة ومنها مثالا رائعا لذلك، فهدف الحجيج في الحالين واحد محدد تتعدد له الأساليب وتكثر الطرق وتختلف الوسائل، فمن يأتي عرفات ماشيا ومن يأتيها راكبا حافلة ومن يأتيها راكبا سيارة صغيرة، والطرق إلى عرفة كثيرة متعددة لكنها كلها تصب في الموقف ..
ووحدة المرجعية هي المقدمة الطبيعية للوحدة السياسية والخلافة العالمية .. لقد ضعفت الدولة العباسية لما انتشرت فيها الدعوة الشعوبية فكانت من أسباب انهيارها وسقوطها .. ولا تستطيع الأمة الإسلامية أن تحقق وحدة الدولة والكيان تحت راية واحدة قبل أن تحقق وحدة الهدف ووحدة المصير ووحدة الشعور ووحدة الاقتصاد ووحدة الشعوب ووحدة المصالح .. لقد سقطت الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الميلادي الماضي، وسقط بذلك الكيان السياسي لدولة الإسلام، لكن السقوط الأكبر للكيان الإسلامي حدث عندما سقطت وحدة الشعوب الإسلامية واستشرت الشعوبية وتحول الحكم العثماني في أعين العرب إلى حكم تركي أجنبي، فقامت الثورة العربية من جهة وتآكل النفوذ الروحي الذي يجمع المسلمين من جهة أخرى، فكان ذلك مقدمة طبيعية لسقوط الخلافة .. ويوم تحقق الأمة وحدتها الفكرية ورباطها القائم - بعد وحدة العقيدة والشعور- على وحدة المصالح والمصير تستطيع أن تحقق بذلك عودة الخلافة الفكرية والاجتماعية للأمة، وهي خلافة أهم وأعمق بكثير من الخلافة السياسية الرمزية التي ترمز في النهاية إلى وحدة الكيان الإسلامي.
وهو دور تستطيع أن تنجزه الأمة من خلال شعوبها وعلمائها وكوادرها الفاعلة في مختلف المجالات وإن اختلفت أهواء الساسة ومشاربهم.. وليس هناك مناسبة أضخم من موسم الحج لتحقيق هذا الأمل، فالأمة باعتبارها الكيان المدني الذي يقابل السلطة أو ما يعرف في العصر الحديث بمصطلح مؤسسات المجتمع المدني هي وحدها المؤهلة للقيام بهذا الدور..
* وليعذر بعضنا بعضا في الخلاف فيما دون الأصول ..
ملمحا آخر مهما من ملامح فريضة الحج وهو أن يعذر بعضهم بعضا فيما تباينوا فيه أو اختلفوا فيما دون الأصول والثوابت المقررة شرعا .. كان هذا الأمر واضحا جدا في فقه النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ، فلقد كان فقهه صلى الله عليه وسلم أن يوسع ضيقا لا أن يضيق واسعا ، حتى يمكن أن نتخذ شعارا فقهيا في الحج ( التوسيع والتيسير على المسلمين ) ومن دلائل ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم :
1 – ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا وقال: افعل ولا حرج
2 – لما وقف وظهره للصخرات بعرفة قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف
3 – وقال في مزدلفة عند المشعر الحرام: وقفت ها هنا وجمع كلها موقف
4 – اختلاف أنواع الإحرام نفسها بين التمتع والقران والإفراد دلالة على هذه التوسعة وهذا التيسير..
إن المتأمل لمشهد الحرم عقب الصلاة المكتوبة يرى قوما قد قاموا لأداء صلاة النافلة، وآخرون ماكثون للتسبيح وغيرهم يطوفون بالبيت والبعض يتراص لصلاة الجنازة وقوم قد أمسكوا بالمصحف يقرؤون كتاب الله ، وأناس خارجون وآخرون داخلون .. حركة دائبة في جميع الاتجاهات فهل يمكن ضبط إيقاع هذه الحركة أو ترتيبها ؟ .. كل له منطلقه ومبرره، ولا يجمع هؤلاء جميعا إلا الصلاة المكتوبة فهي الثابت وكل ما عداها من المشهد متغير ، وهي الأصل وكل غيرها فرع ..
والتماس العذر للناس بعضهم بعضا هو أحد أعمدة وحدة المرجعية العامة مع ترك التفاصيل الدقيقة لظروف كل مجموعة وطبيعتها والمؤثرات التي تؤثر عليها ..
* التعددية والتنوع الثقافي واللغوي:
مظهر بارز من مظاهر سفراء الشعوب المسلمة في الحج وهو إفراز طبيعي لامتداد دين الإسلام رقعة وانتشارا، وقبول هذا التعدد والتنوع الثقافي ركيزة أساسية من ركائز تحقيق وحدة المرجعية، عندما يؤمن كل شعب إيمانا جازما أنه غير مطالب بالتنازل عن تفاصيل حياته اليومية وعن خصوصيته الثقافية لتحقيق الانصهار في بوتقة وحدة الإسلام العالمية، وإنما يترك له الإسلام مساحة واسعة من الحفاظ على الإرث الثقافي فيترك له لغته ولسانه الذي ولد به ولهجته التي درج عليها، وطريقته في المأكل والمشرب والملبس، ووسائله وأدواته الخاصة في الحياة ما لم يتعارض كل ذلك مع المبادئ والآداب الإسلامية ، ويبقى الإسلام الإطار العام الذي يؤطر حياته كلها .. الملبس مثالا فصل الإسلام عورة الرجل وعورة المرأة وأوجب سترهما ثم ترك لكل قوم حرية ما يختارون من ملابس تحقق هذا الستر ..
إن أكبر معوقات الوحدة النفسية والسيكولوجية عند الشعوب هي شعورها بأنها خاضعة لثقافة الفئة المنتصرة أو الغالبة وأنها منصاعة لتلك الثقافة البيئية لا للدين، أي الخضوع لأعراف أرضية لا لقوانين سماوية، والإسلام لم يفرض على الناس لغة قريش ولا لهجتها ولا طرائق معيشتها لأنه نزل على نبي عربي قرشي .. لقد راعى الإسلام الفوارق الثقافية والتنوع البيئي بين الشعوب فتعددت قراءات القرآن الكريم أقدس كتاب في حياة البشر بتعدد اللهجات العربية الكبرى .. وعندما تحرك المسلمون الأوائل للفتح الإسلامي المبارك لم يصدروا ثقافاتهم البيئية ولم يفرضوها على الشعوب فرضا ولم يعمدوا إلى عولمة ثقافية يخضعون لها الشعوب ماحين إرث كل شعب وتراثه .. ومن هنا نرى الناطقين بالعربية لا يتجاوزون ربع تعداد المسلمين في عالم اليوم، رغم مكانة اللغة العربية وفضلها كونها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الإسلامية المرتبطة بهما..
لم يفرض الإسلام على الناس تغيير لغتهم وهي الوعاء الثقافي الأهم في حياة الناس، فهل يفرض على الناس ما دون ذلك من عادات وتقاليد بيئية في المأكل والمشرب والملبس ! ..
هذا التنوع وتلك التعددية الثقافية والبيئية هي التي تعطي لأمة الإسلام زخمها وقوتها وحيويتها ، وهما صمام أمان لوحدة مرجعية إسلامية كبرى تتجاوز التفاصيل وتركز على الأصول الثابتة ..
إن الذي يربط المسلم بأخيه المسلم أكبر بكثير من المظهر الخارجي ولغة التخاطب ولهجة الحديث، أكبر كذلك من الجنس واللون والإرث الثقافي.. فما يربط المسلم بأخيه ومن ثم بأمته الواحدة عوامل هي:
1 – وحدة العقيدة وتحقيق الوحدانية لله بحيث يتوحد الصف الإسلامي على كلمة التوحيد ..
2 – وحدة التشريع العام من لدن خالق السماوات والأرض
3 – وحدة التوجه سواء في التوجه إلى قبلة واحدة أو إلى فكر عام واحد
4 – وحدة الشعور والوحدة العاطفية التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد
5 – وحدة المصير باعتبارهم كيان إسلامي واحد
6 – وحدة المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وهو رباط حيوي وهام جدا لبلورة مرجعية إسلامية عليا، وليس هذا جنوحا للبرجماتية ونظريتها النفعية، ولكن واقع الحال يؤكد أن الأمة تتفرق يوم تشعر بتضاد المصالح ويوم يربط بعض أبنائها مصالحهم بمصالح أعدائها، وعندما تتضافر المصالح المادية مع عناصر التوحد الأخرى فإنها تقويها وتكسبها صلابة وصمودا ..
فهل تعي الأمة واحدا من أهم دروس فريضة الحج الكبرى ، فتسعى لتوحيد مرجعيتها كما يحقق حجاج بيت الله أخوتهم الإسلامية في الحج؟


