قابس مصطلح السلفية: الإمام عبد الله بن مسعود
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ-المعني اللغوي و الاصطلاحيان للسلفية:
السلفية لها ثلاثة معان:في اللغة:
-المعنى الأول:المعنى اللغوي الأعم: السلفية : وصف وثقافي واجتماعي محايد ، يشير إلى أن التصورات والتصرفات تعيد إنتاج الماضي، سواء أكان هذا الماضي حسناً أم رديئاً، فهي الاقتداء بالسلف من الآباء والأجداد ، آباء الأرواح وآباء الأجساد.
-المعنى الاصطلاحي العام: تقديس تراث اتباع الماضين، التعلق بعادات وأعراف بالآباء والجدود، واعتبارهم حجة على كل جديد، فهي الاتباع دون نظر وعلم، بل عجز عن التجديد ولزوم للتقليد، كما الذي ذمها الذكر الحكيم.
لأن انتضاء أفكار ونظريات ووسائل منه ، لحل مشكلات الحاضر والمستقبل. فهي رغبة في التعلق بالأموات، ودوران حول ضريح الرفات الثقافي أو الاجتماعي، التي لا تستجيب لمتغيرات الحياة. ولما كان إنتاج الماضي؛ لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة الحديثة، صارت السلفية مذهبا اتباعيا، ولذلك ترد ذماً للتصورات والتصرفات الماضوية العاجزة عن حل مشكلات الناس الحاضرة.
فالسلفية –هنا-:(بمعنى الماضوية/ضد المستقبلية) : وكثير من المثقفين يستخدمونها ذماً لاتجاه ثقافي أو اجتماعي أو سياسي، فإذا ذموا هذا الاتجاه أو ذاك قالوا: هو سلفي. ويلاحظون فيها نزعة التقليد، أو الإتباع من دون دليل.
-المعنى الثالث: المعنى الاصطلاحي الخاص وصف عقيدي:
فالسلفية: هي اتجاه يعلن أصحابه أنهم لا يرجعون إلى صيغة الإسلام التاريخي، في أي عصر أموي أو عباسي أو مملوكي أو عثماني، بل يعلنون شوقهم المتجدد للتمسك بالإسلام النصي، ويتطلعون لإضاءة دربهم بضوء سراج القرآن والسنة، من خلال مشكاة تطبيقهما النبوية والراشدية،ويحاولون بناء فكرهم وعملهم، وفق هذا النموذج العالي.
السلفي بهذا المعنى هو الأصولي هو الذي يعلن أنه ينبذ المستحدثات والبدع ويرجع إلى التطبيقات النبوية و الراشدية، كما جاءت في القرآن وأحاديث الرسول، فالسلفية-هنا-هي"الأصولية"، أي العودة إلى الأصول.
فالسلفية إذن تبلورت-نظريا- بمعنى العودة إلى النص، واستنباطه من خلال مسرح تطبيقه الأول.
فالسلفية –نظريا-هي التي تعلن الإتباع بدليل، فهي إذن حركة تجديد وتأصيل معاً، إنها تعني استلهام الجذور الصحيحة: قولا في الكتاب والسنة، وعملا في سير الرسول والراشدين رضي الله عنهم، وليست عودة مطلقة إلى ما ورث الناس عن آبائهم وأجدادهم، وهذا هو الفرق بين الاصطلاح العام والاصطلاح الخاص.
ومفهوم السلفية يماثل الأصولية، وبينهما فرق لفظي.والذي يعنينا في هذا الكتاب، هو السلفية بهذا المعنى الثالث، وهي السلفية حصر المرجعية بمصباح القرآن والسنة، في زجاجة مشكاة التطبيق النبوي والراشدي، وسنن الله في الإنسان والطبيعة.

ب-نشأة مصطلح السلفية، والجو الذي ترعرع فيه:
أول من أطلق فكرة الاقتداء بالسلف؛ هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وكان خازن بيت المال، لعثمان رضي الله عنهما، فأمره عثمان بصرف مبلغ من بيت المال، لأحد الولاة، ولكن ابن مسعود رأى أن صرف هذا المال للوالي، لا يستند إلى مشروعية، فراجع عثمان فلم يقتنع برأيه، فاستقال من وظيفته، وقال "من كان منكم مستنا، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفا" "أي أنها الاتجاه الذي كان عليه الصحابة السابقون، فهم الذين أشار إليهم ابن مسعود، المتوفي سنة 32هـ والتابعون لهم بإحسان.
وهذا يدل على أن وصف السلفية ليس محصورا بأمور غيبية ولا روحية ؛ لأن مناسبة قول ابن مسعود؛ كانت في مجال العدل وحفظ مال الأمة، وفي مشروعية تصرف الحاكم في بيت مال الأمة.
وهذا يؤكد أن السلفية لاتهون من أركان إقامة عدل الدولة وإسلامها المعتبرة.
ويستنبط من ذلك أنه لا يصح إطلاق السلفية على أي اتجاه أو تيار أو كتاب أو كاتب أو حاكم، يهون من شروط عدل الدولة وإسلامها والمجتمع العشرة، وأن أي تصرف يفرق بين شق العقيدة الروحي والمدني؛ ليس سلفيا.
وبذلك تظهر فائدة تثبيت مسطرة القرآن الكريم والسنة، من خلال مشكاة التطبيق النبوي والراشدي وسنن الله في الإنسان والطبيعة، واعتبارها مقياسا وحيدا للعلم والعمل.
وصارت الكلمة بعد ابن مسعود عبارة جاهزة، عندما أطلت الروح الصحراوية البدوية والكسروية،بقرونها السياسية والفكرية، فظهرت الفرق السياسية والفكرية كالأموية والخوارج والشيعة والجبرية التي ساندت حكم الجبر والجور.
وتحولت العبارة إلى خاتم، يشير إلى اتجاه محدد، إبان الامتزاج بالثقافات الأجنبية، عندما ظهرت الفرق الفكرية كالقدرية والجهمية ، وكانت القدرية رد فعل على الفكر الجبري، فنادت بحرية الإرادة، وظهر فيها معبد الجهني الذي دعا إلى محاسبة الحاكم في المال العام، وقتله الحجاج، سنة 83هـ، كما قتل الخليفة هشام تلميذه غيلانا الدمشقي سنة120هـ.
وفي محضن القدرية نشأ المعتزلة، حينما ظهرت محاولة الإجابة عن السؤال الحرية: هل الإنسان مسير أم مخير، ولاسيما في الفكر الاعتزالي، ليقول رموز السلفية: عليكم بإتباع طريق من سلف من الرعيل الراشدي، فإنه هو الصراط المستقيم، أي أنها نادت بالعودة إلى ما كان عليه الصحابة، أي الأصول الثوابت في الكتاب والسنة، من خلل حقل تطبيقهما فوق المسرح الراشدي.

وحينما وصل المعتزلة إلى بلاط السلطان المأمون، وكان منهم عديد من القضاة والمستشارين؛ فحملوه على الانتصار لمذهبهم، رد فعل على ما نال رموزهم، منذ عهد هشام بن عبد الملك وخالد القسري، واستمرأ الخليفة المأمون هذا الاتجاه، تنكيلا بالتيار الذي آزر أخاه الأمين وعمه إبراهيم بن المهدي .
وأسرف المأمون في امتحان الناس في سؤال هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، فجاءت السلفية أيضاً وسطاً لتقول :عليكم بمن سلف من خيار الأمة، وسلف الأمة لم يتساءلوا هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، بل قالوا: القرآن منزل وكفى، وعلى ذلك جاء ما يمكن أن نسميه " السلف العباسي الصالح "

وجاء وصف الإنسان الذي يعلن أنه يقدم القرآن الصريح والحديث الصحيح الصريح ، على الرأي بأنه " سلفي " و" أثري " أي أنه إذا ثبت لديه الأثر أي النص ، لم يخرج عن معناه الصريح، الذي تعرفه العرب من أساليبها، فإذا جاء في القرآن الكريم " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً، فسروا الرسول بأنه النبي ، فلم يحملوا النص على غير ظاهره، مادام ظاهره مقبولا في السياق اللغوي، و لم يفسروه بالعقل، كما فعل المعتزلة.
ولكنهم لم ينكروا المجاز-كما يتصور بعض الناس- عندما قرأوا قول الله تعالى"وسع كرسيه السماوات والأرض"؛ فسروا الكرسي بالعلم والسلطان، لأن ظاهره غير مقبول في السياق اللغوي، ولا بد من أن يكون الكرسي مجازا.

وأكثر النصوص التي ثار حولها النقاش ، كانت في شق الشريعة الروحي الغيبي ، كأسماء الله وصفاته، وصارت الفرق التي تأثرت بالفلسفة الأجنبية التجريدية تحاول أن تتصور البارئ ، من خلال إطار الفلسفة التجريدية ، فتؤول الآيات ، حتى تعطل مدلولاتها ، ولذلك جاءت السلفية أيضاً تعلن الالتزام بفقه الكتاب والسنة ، وفق فهم الصحابة في هذا الجانب (في ما أعلنته و إن لم تلتزم بذلك في كافة فكرها ومواقفها، ولنقول عن آيات الصفات: ""أمروها كما جاءت"" دون تعطيل ولا تأويل.
وجاءت كلمة الإمام مالك رحمه الله ، بلورة للمنهج السلفي –في المجال الغيبي-لمن سأله عن معنى قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" فقال "الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب"، أي ليشغلكم التفكير في مخلوقات الله، عن التقعر في صفاته وذاته، لأنها لا يترتب عليها عمل.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو