السلفية الأموية واجهت المافيا السياسية
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ-الإصلاح السياسي أساسي في المفهوم السلفي:

أبرزت السلفية الأموية أركان إسلام الدولة العشرة، ونادت بمعالم العقيدة السياسية ومبادئ السياسة الشرعية، منها:
الأولى: ينبغي إلزام الحاكم بالعدل في قسمة المال وتولية الولاة، ولوازمه كالمساواة والكرامة، ونحوهما من القيم الداخلة في مصطلح (العدل) في القرآن.
الثانية:ينبغي إلزام الحاكم بالشورى، لأن الحاكم وكيل عن الأمة في تنفيذ مصالحها الشرعية، وليس وكيلا عليها. ولذلك يجب على أعيان الأمة قيادة الأمة، لأطره على مشاورتها، بصدوره عن تدبير أهل الرأي والعقل، المفوضين من قبل الأمة، ليصبحوا هم أهل العقد والحل.
الثالثة: التعددية وحرية الرأي والتعبير والاجتماع والتجمع السامية، كما جسدها تعامل الخليفتين الراشدين:عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز، اللذين جريا على تطبيق علي بن أبي طالب.
الرابعة: قيام الأمة بالجهاد السياسي، الذي هو مقتضى التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روحيا ومدنيا، سياسيا واجتماعيا.
وأن هذه الأمور من ما ينبغي الزام الحاكم بها، لأنها هي مقتضى البيعة على الكتاب والسنة.
فحركات الفقهاء الأمويين تذكرت الغافلين المحافظين على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية، بأصول السياسة الشرعية.
وترفع أصابع التساؤلات التالية، على مدونات العقيدة التي سادت في عصور الاستبداد، ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وكتاب السنة للخلال وكتاب السنة للبربهاري، والعقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز ، ونحوها من متون العقيدة التي يدرس في الأزهر بمصر وفي كليات الشريعة السعودية:
1- أليست العدالة من أركان العقيدة ؟.
2- أليس حفظ مال الأمة من أركان العقيدة .
3- أليست الشورى من أركان العقيدة؟.
4- أليست الحرية السامية والتعددية فكرية واجتماعية وثقافية من أركان العقيدة؟ وشيوخ السلفية الأموية أكثر الفقهاء انفتاحا في مسألة الحرية الفكرية والسياسية، وأنه لا يجوز لسلطان ولا لفقيه أن يلزم الناس برأيه، وأن مسألة الحرية والعدل والشورى من أصول العقيدة.
5-أليس بناء الدولة المذهبية القمعية، من هوادم العقيدة؟
6-أليس حفظ حقوق الأقليات غير المسلمة أليست من مسلمات العقيدة وأركانها؟.
7- مشروعية جهاد الطغيان السياسي عامة والسلمي خاصة، وكون إنكار المنكرات السلطانية، من أصول العقيدة.

هذه المسائل السبع أجمع عليها عموم الفقهاء الأمويون، ولم يخالفهم صراحة أحد من الفقهاء العباسيين اللاحقين، لأن هذه المسائل قطعية، ولكن من خالفوهم لم يصرحوا بذلك.
أليست هذه الأركان، هي مقتضى شروط البيعة الشرعية، على الكتاب والسنة.
التذكير بذلك ضروري لكي لا تنحصر أصول العقيدة، بمدونات عباسية، لم تثمن شروط إسلام الدولة والمجتمع العشرة، ككتاب السنة للإمام البربهاري والطحاوية للطحاوي وشرحها لابن أبي العز، والسؤال الفاغر فاه، أمام المحافظين اليوم على الصياغة العباسية في عهد الإمبريالية الغربية:ألا تدخل شروط إقامة دولة العدل والشورى، في قطعيات العقيدة؟:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

ب-حرية الرأي والتعبير في مواقف وكلمات الفقهاء الأمويين:

جسد عمر بن عبد العزيز اعتراف الدولة المسلمة؛ بحرية الرأي والتعبير، فكتب عمر بن عبد العزيز بالكف عن الخوارج ونحوهم، ما لم يسفكوا دماً حراماً، أو يأخذوا مالاً، وكذلك تعامله مع الشيعة، ومن أجل ذلك تذكره الشريف الرضي، بعد بضعة قرون، وهو يعاني قمع بني العباس الشيعة، على صمت من بعض المحسوبين على السلفية أو تأييد:
يابن عبد العزيز لو بكت العيــــــن فتى من أمية لبكيتك
أنت حررتنا من الأسر والقتـــل فنعم البيوت في الناس بيتك
وأنصف القدرية والمعتزلة، ولم يعتبر بدع أهل القبلة مخلة بالعدالة، بل ولى بعض المبتدعة، كغيلان الدمشقي في أعمال الدولة.
قارن إقرار هذا الملك العادل، بصنيع ملوك بني أمية كهشام بن عبد الملك الطاغية، وولاته الطغاة الذين حاوروا أهل البدع بالسلاح، كخالد القسري الذي (ضحى!) يالجعد بن درهم، منتضيا سيف الدفاع عن السنة، وقانون قتل دعاة البدع، وغفلة بعض رموز السلفية العباسية الذين أيدوه عن كواليس السياسة، وقارن موقفهم بموقف البخاري ومسلم ورواة صحاح الحديث، الذين رووا الحديث عن دعاة البدع!
ومنهم الحسن البصري الفقيه المجاهد بحمل السلاح في ثورة ابن الأشعث، والمجاهد السلمي بقول كلمة الحق والعدل أمام السلطان الجائر، الذي قرر-أيضا- قاعدة أن لا يؤخذ الناس بآرائهم مهما تطرفت، ما لم تتحول إلى حمل السلاح فقال عندما سئل عن من يرى رأي الخوارج ولم يخرج، فقال "العمل أملك بالناس من الرأي".
ومنهم الإمام التقي العادل الشهيد الصابر عبدالله بن الزبير، الذي صلت جميع الطوائف خلفه، لعدله وإنصافه وتسامحه.
ومن ذلك نعرف أن كل من سكت راضيا عن منكرات السلاطين الكبرى كالاستبداد والظلم وانتهاك حرية الرأي والتعبير والتعددية السامية. ففي إيمانه شك، لأن "الإيمان يهتف بالعمل فإن وجده وإن لا ارتحل" كما قال الحسن البصري فضلا عن ينظر في أمره أهو سلفي أم غير سلفي.تطبيق عموم الفقهاء الأمويين، بين أن الإصلاح السياسي من أعظم معالم المنهج السلفي.

ج-قررت حمل السلاح عندما رأت الكفر البواح:

السلف الأموي والعباسي الصالح رضي الله عنا وعنهم، لم يختلفوا في وجوب الإصلاح السياسي، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وأنه مبدأ قطعي وركن من أركان الإسلام العظام، لاسيما أن إنكار منكرات السلطان الظاهرة. ولم تكن مذاهبهم أقولا محبرة في أوراق، ولا همسات يلقونها في رواق، بل مواقف ولوحات بارزات،(انظر طرفا منها للشهيد عبد العزيز البدري:مواقف العلماء أمام الحكام)
لم يختلفوا في المبدأ:إلزام الحاكم بشرطي البيعة على الكتاب والسنة؛ العدل والشورى، وقصره عن الجور قصرا، وأطره على العدل أطرا.
وإنما اختلفوا في أسلوب إزالة المنكر السياسي، فلأهل السنة والجماعة مذهبان في إجراءات المبدأ، مذهب الأقلية ومذهب الأكثرية، كما بين الشيخ عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب، في رسالة(جواب أهل السنة).
أما مذهب الأقلية فهو الاكتفاء بالكلام: أي الاكتفاء بالأسلوب السلمي، فقالوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو باللسان إن قدر على ذلك، وقد راق لهم مسلك سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعبدالله بن عمر، وهو قول لأحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث (انظر تفصيل ذلك في جواب أهل السنةلعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:70 ومابعدها).
أما مذهب الأكثرية من فقهاء العصر الأموي؛ فقالوا بوجوب حمل السلاح، عند مثول الكفر البواح، وهو الظلم والاستبداد(كما ذكر النووي) إذا لم يقدر المحتسبون على إنكار المنكر السياسي إلا بذلك، وهو مذهب الفقهاء الأمويين الذين سلوا السيوف، ورأوا أن سلها ذروة سنام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وقد روي هذا قولا وعملاً عن أكثر من خمسين من رموز فقهاء العصر الأموي،من صحابة وتابعين.
منهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، ومن قام معهما.
وهو قول من خرج على الحجاج، كعبد الرحمن بن أبي الأشعث، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير وأبي البخترى الطائي، وعطاء من أبي رباح السلمي والحسن البصري، والشعبي وإبراهيم النخعي.
وهو قول الذين خرجوا مع محمد بن عبد الله بن الحسين ذي النفس الزكية.
وهو قول أبي حنيفة ومالك بن أنس والشافعي سلوكهم، عندما خرجوا على دول الاستبداد والجور.
وهو سبب قول الأمير يزيد بن الوليد الأموي عندما خرج على ابن عمه الوليد بن يزيد.
وهو قول سفيان الثوري وإبراهيم التيمي، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة والشهيد أحمد بن نصر الخزاعي.
هذا هو رأي جمهور الفقهاء الأمويين، وقد نعته ابن تيمية وابن حجر العسقلاني:بمذهب السلف القدماء.
وعلى هذا قامت دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب (انظر لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: جواب أهل السنة: "70- وما بعدها").
لأن الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود خلعا ييعة الخليفة العثماني، لأن الخليفة سلطان مستبد جائر مفرط مهمل، وإنما استجازا ذلك لأنهما داعيتي عدل، يخرجان على دولة ظلم وبغي فجريا على رأي قدماء السلف.

د-السلفية الأموية كشفت قناع المتفرعن الذي يعلن الجهاد ويقتل دعاة القسط

التذكير بالسلفية الأموية مهم أيضا لإبراز أعظم خلل في كتب العقيدة العباسية، وهو الجهاد مع السلطان الجائر، فالسلفية الأموية اكتشفت لعبة الحجاج،الطاغية الذي يسقى الناس كئوس الاستعباد والاستبداد، ثم يسعى لفتوح الاستلاب تحت عباءة الجهاد، وقد فصلت ذلك في كتاب الجناحين.
لا يسع أي طالب علم صغير ولا كبير أن ينكر مشروعية الخروج على الدولة المستبدة المتغلبة.
ولا يستطيع طالب علم صغير ولا كبير أن ينكر أن هذا الأسلوب ينجح أذكر ولا سيما في المجتمعات العربية صحراوية، التي لم تترسخ فيها أعراف تكتل سياسي سلمي ، ينظم التعبير عن الرأي العام.ولا سيما التكتل المنظم الذي هو شرط فعالية التعبير السلمي.
ولا ينكر جاهل ولا عالم أن أي دولة تواصل التفرد بالقرار السياسي والظلم، وتمنع التعبير السلمي، وتعرض البلاد للفوضى، وإلى مزيد من اختلال الأمن، فإنما تدفع الناس دفعا إلى العنف.
ولكن الأسلوب السلمي أضمن وأجدى، وأن تجارب التاريخ تعلمنا،أن سبيل الإصلاح السياسي المستمر المضمون، هو بناء أعراف سياسية ناضجة، تفعيل التجمع الأهلي ولا سيما المدني، وأن مركب العنف ليس مضمون النجاح ولا الاستمرار، لأسباب ذكرتها في مقالة سابقة، شرحتها في كتيب / للإصلاح: هدف منهاج الطريق الثالث: إلى دولة العدل والشورى . (الدار العربية للعلوم1425هـ 2004م. بيروت) وكتيب الكلمة أقوى من الرصاصة: التكتلات الأهلية السلمية هي الجهاد الأكبر (الدار العربية للعلوم1425هـ 2004م. بيروت).

هـ-السلفية الأموية بينت أن المفهوم السلفي ليس صلصالا رخوا يفرق بين إقامة العدل وإقامة الصلاة :

من أهم ما بينته -السلفية الأموية أن المفهوم السلفي ليس صلصالا رخوا يفرق بين إقامة العدل وإقامة الصلاة :
لأن السلف الصالح منذ العصر الأموي، لم يقروا أي حاكم على المنكرات السلطانية،-رغم أن الدولة الأموية حافظتعلى هوية الأمة، و لم تتهاونون أمام أي عدوان خارجي، بل بالغت في دفع العدوان، حتى غزت الأمم الأخرى في حروب وفتوحات ظاهرها الجهاد، وباطنها الامتداد والاستحواذ والعدوان- ورغم ذلك قاوموها لأنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن الدولة الأموية أخلت بقواعد الإمامة الكبرى: قواعد الدولة والأمة الإسلامية مثل:
1- العدالة ولوازمها ووسائلها.
2- الشورى الشعبيةولوازمها كالحرية السامية والتعددية
3-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة،في جميع شعائر الإسلام، روحية ومدنية.
4-التعاون على البر والتقوى
5- واعتبر السلف الأموي الصالح، أن تقويم اعوجاج الحاكم هو الكفر البواح، وأنه يجب من أجل إصلاح الفساد السياسي حمل السلاح.
ولو لم تكن العدالة والشورى من أصول الدين، لما خاض السلف الأموي المصلح أكثر من سبع ثورات.

لم يكن لديهم أدنى شك في حق الأمة في مقاومة الطغيان (الأمر بالمعروف) والنهي عن المنكر، حتى لو كان الطاغية حاكما كالحجاج، يرسل جيشا يفتح الهند والسند، ويسمي الاعتداء على الكفار جهادا، مخالفا ما استقر عليه علماء الأمة، كالحسن البصري وابن تيمية(انظر لابن تيمية:قاعدة في قتال الكفار ومهادنتهم، وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم)، ومزيد من البسط في كتاب:العدالة والحرية جناحان حلق بهما الإسلام).
ولذلك أنكر الفقهاء على بني أمية هذه الفظائع.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو