أحمد بن حنبل: رفض منهج الفكر التجريدي/ رفض السفسطة/ الجهاد السلمي من أجل حرية الاجتهاد
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ- هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ اللعبة السياسية:فرق تسد / بسؤال بيزنطي بدد طاقات الأمة:
هذه القضية رغم أنها ثانوية، شغلت المجتمع في عصري المأمون والمعتصم، وهي مسألة غيبية اجتهادية، و تفصيل دقيق لا يدركه إلا القليل، وسؤالها لم يثر في عهد النبوة والخلافة الراشدة، فقد كان سلفيو العصر الراشد مشغولين بإتقان العمل، عن التشدق في الجدل.
إنها مظهر من مظاهر الجدل الثقافي، في أجواء القمع السياسي، و قد تمخضت عن احتكاك أمة جديدة بأمم أخرى قديمة، وصار بينهما تماس وتمازج، فانفرز الناس فيها إلى فريقين:
فريق حافظ على القديم وبالغ، فجرته المحافظة، إلى تساهل في تمحيص المنقول-كما نجد في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، التي لم تخل منها حتى كتب العقائد، ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل.
وبالغ هذا الفريق في الحفاظ على الرواية، حتى أنكر بعض رموزه المجاز ، وحتى همش دور العقل البرهاني والسياسي، الذي هو هدف الخطاب القرآني، وفريق جره التجديد فانبهر بالفكر الأجنبي، إلى العناية بالجدل النظري ولو كان تجريديا، على حساب صحيح المنقول، وجنح بمفهوم العقل إلى الهوى و الانطباع الشخصي، الذي لا يسانده تجريب عملي، و لا دليل حسي. وبين الفعل ورد الفعل، وظهرت حماسة واندفاع دون احتياط، وسادت ثنائية الأسود المرفوض جملة وتفصيلا، والأبيض المقبول جملة وتفصيلا.
لقد أثار المعتزلة قضية خلق القرآن، في سياق ردودهم على الملاحدة والنصارى، عندما قال يوحنا الدمشقي: إن المسيح غير مخلوق، لأنه "كلمة الله"، وكلام الله غير مخلوق، فرد عليه المعتزلةبأن وصف عيسى بأنه " كلمة الله" مجاز، لاحقيقة، وكذلك القول بأن القرآن كلمة الله أيضا مجاز، فساقتهم المبالغة في التنزيه، إلى مزالق التأويل الذي أوحى بالتعطيل.
وكان المأمون أعلم ملوك بني العباس،في الفقه والحديث، والفلسفة والعلوم، وأكثرهم ترجمة للعلوم، وأكثرهم حبا للمناظرة والنقاش، وقد راق له قول المعتزلة، منذ نعومة أظفاره، قبل أن يصل إلى سدة الحكم.
وكان أيضا واجدا على أهل الحديث، المتحفظين على الترجمة وجلب المعارف، لا سيما أنهم وقفوا مع أخيه الأمين وعمه إبراهيم المهدي، عندما خرجا عليه، من أجل أنهما لايقولان بخلق القرآن،على أنهما أقرب إلى الفسق والتجبر والجور والجهل، وهو أقرب إلى العلم والعدل والعقل.
وكأن المأمون يريد أن يفرض عقيدة أو مذهبا للحكومة، يقوي به صف الموالين، ويفرزهم عن الفقهاء والمحدثين المعارضين، الذين جلب له تأييدهم أخاه وعمه، مزيدا من الاضطراب السياسي.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يدرك أن الفتنة سلطانية، ولذلك لم يحمل المعتزلة أوزارها، فسامح كل الذين آذوه إلا المأمون، مشعل حربها.
ولكن من بعده أوحوا بأن المؤامرة مؤامرة اعتزالية، وذلك تعميم غير دقيق.كما دلل على ذلك الدكتور فهمي جدعان، في كتابه(المحنة).
ولم تكن الفتنة خاصة بالمعتزلة، فقد أدارالمأمون امتحان القضاة؛بواسطة قاضي القضاة: يحيى بن أكثم، وهو سني، وشارك فيها عبد الرحمن الشافعي، قبل أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي.
وكان كل من يشغل منصبا حكوميا، يقوم بتنفيذ تعليمات السلطان، وهذا أمر طبيعي في قضاء وإفتاء لا استقلال لهما عن الحكومة، وأن يجرم القضاة والمفتون خصوم الحكومة، ويقبضوا ثمن كل تجريم ترقيات وأعطيات.

ب مبالغة في الفعل أنتجت مبالغة في رد الفعل:

من حق المعتزلة أن تثير سؤالها في رواق وأوراق ، ولكن لم يكن من اللائق بها أن تعطيه حجما كبيرا في مؤلفاتها، وليس من اللائق بها أن تشغل الرأي العام بها في المجالس والمساجد والأسواق.
ولكن أعظم خطأ ارتكبته المعتزلة أنها استجابت لا ستدراج السلطان، فاستخدمها سلما لمآربه وأحابيله، عندما وافقه بعض شيوخها على جعل القول بخلق القرآن؛ مسطرة تقاس بها الإيمان، ويمتحن بها القضاة والعلماء والأعيان، ثم جرتها المبالغة في الانجرار إلى فخ السلطان، فوافقته على التكفير والتبديع أولا، ثم وافقته على العنف والقمع المادي.
فاستدرج المأمون والمعتصم المعتزلة إلى التنكيل بخصومه السياسيين، عبر سؤال فكري، واختصر حزبه السياسي، برنامجه الفارق بين محازبيه ومخالفيه، بسؤال، كالفخ المنصوب: هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟.
خسر السلفيون في عهد المأمون، وخسر المعتزلة في عصر المتوكل، ولم يكن هذا ناصرا مخلصا للسنة، ولا ذاك مخلصا للعقلانية، كلاهما مخلص في بناء قلعة الاستبداد، ولذلك ابتعد الإمام أحمد عن المتوكل، ولم يغترر بما أبداه من تظاهر بنصر للسنة، ولكن تلاميذه شربوا المقلب، كما شربه المعتزلة من قبل.
وكانت خسارة المعتزلة أكبر، عندما ضربت فكرة حرية الإرادة، أول مبدأ أصلته في مذهبها، بمشاركة المحسوبين عليها في إجبار الناس على اعتناق رأي لم يقتنعوا به.
اهتمام الفريقين بهذه القضية أكبر دليل على أن أولوية العدل والشورى والحرية، لم تتغلغل في الثقافة الاجتماعية، على الرغم من أنها فكرة إسلامية، بل ظلت فكرة نظرية هشة، لم تترسخ لتنتج فكراً مدنيا عمليا، بسبب الداء المزدوج الكسروي الصحراوي، ومضاعفانه من سفسطة ورهبنة.
وراعى الإمام أحمد بن حنبل;أيضاً أمراً آخر،هو أن هذه المسألة باب إذا انفتح على مصراعيه؛ تدخل منه المنهجية الاعتزالية، التي بنيت على الميتافيزيقا اليونانية، فوقف ذلك الموقف. لأن المعتزلة، أوحت بالعقل المتجرد من التجريب و الحس، حاكماً على الشريعة، عندما أكثرت من تأويل النصوص التي لا تستجيب لهذا العقل التجريدي الذي لايفضي إلى عمل، و ليس العقل العملي والسياسي.
لقد جر المأمون الناس إلى فتنة، وكلا الفريقين بالغ في فكرته، فالعقل ليس بحاكم على الشريعة ولا بمحكوم، لأن الشريعة نور من الظلمات، ولكن العقل هو العينين اللتين يرى بهما الإنسان النور، فالشريعة رسالة إلى العقل نفسه، و العقل البشري هو المتلقي لجميع الرسالات، فكيف يكون حاكما أو محكوما، وإنما المحكوم هو الهوى.
لقد حاول الإمام أحمد إذن مقاومة مساوئ تيار علم الكلام، ومساوئ المنطق اليوناني، كي لا يكون أساسا للمعرفة الإسلامية،عندما رفع شعار القرآن غير مخلوق.
وعادة ما يكون المنادون في التجديد مبالغين، يكون المدافعون أيضا مبالغين، ولذلك رد السلاح الكلامي الذي قال، القرآن مخلوق أداة للانتصار، فقال (القرآن غير مخلوق) أي أنه رد الفكر الاعتزالي بسلاحه، فاستل من المنظومة الاعتزالية أدوات نقضها، وهذه وجهة نظر معتبرة.
وعلى كل حال فالإمام أحمد وجيله كان يجسد في موقفه من خلق القرآن، صورة واحدة من مواقف وحركات سلفية، تشكل معالجة آنية، تفهم في سياقها الاجتماعي، ممثلا لونا من ألوان السلفية الاجتهادية وهي حركة فكرية، ولدها الصراع الثقافي، فأجوبتها محددة بأسئلة مطروحة.

ج-ما العبر لنا في العصر الإمبريالي:

ينبغي اليوم أن لا نخلط بين ثلاثة أوجه في نشاط شخصية متعددة الجوانب كالإمام أحمد بن حنبل, رحمنا الله وإياه:
-مارواه فقد كان معياريا عندما ألف المسند, وانتصر للمحدثين، لقد كان أحد حفظة النص الكبار، وهذا موضوع ذكرناه في أكبر إنجاز سلفي عباسي.
-وما رآه، في ما بنى منه تلاميذه مذهبا فقهيا.
-ما رآه وسجله تلاميذه في مدونات العقيدة، وهو جواب سؤال ماثل، ثار في عصره ومن الصعب أن نحكم عليه بمقاييس عصرنا، ومن الصعب أن نقدر العلاقة بين الفعل ورد الفعل، في أجواء زمن متقدم، وليس هدف البحث ذلك، إنما الهدف أن نقارب العبر التي قد تفيدنا اليوم في عصر الإمبريالية الغربية:
الأولى: بأن المنهج السلفي؛ يقرر أن السنة الواضحة، هي ما كان عليه النبي صلى الله علية وسلم، أي ترك هذا النقاش جملة وتفصيلا، فالسنة إذن هي ما قال الإمام أحمد وغيره قبل حدة الصراع: القرآن منزل وكفى. الأولى أن يتمسك الإمام أحمد بما كان يقوله قبل المحنة: القرآن منزل وكفي كما فعل مالك وأحمد بن نصر الخزاعي، وآثر ابن عبد البر. لأن القول بخلق القرآن أو عدمه؛ لا يستند إلى نص قطعي صريح ولا إلى برهان عقلي، فهو اجتهاد ظني، في مسألة لا يترتب على كثرة الجدل فيها عمل.
الثانية: لا أولوية للتركيز على الغيبيات الظنية، التي ليس لها أولوية، في وقت تعاني الأمة المستضعفة،من الاستبداد والجور. فإذا كان الفقهاء سيدخلون السجون ويتعرضوا لضربات الأسواط والأسياف، فإن قيام أعيان الأمة ولا سيما العلماء والفقهاء بدعوتها إلى إلزام الحاكم بشروط البيعة على الكتاب والسنة: العدل والشورى أولى وأحرى.
الثالثة: من الضروري أن تتعرف الأمة على المنطق والفلسفة والكلام, والترجمة العلوم والمعارف، مهما كان لذلك من سلبيات، فإنها مؤقتة، فلولا فضل المنصور والمأمون، لما نبغ نوابغ الإسلام في الطب والكيمياء والجبر والفلك والهندسة.
الرابعة:النضال في سبيل الدفاع عن حرية الاجتهاد في الرأي والتعبير جزء من العقيدة:الإمام أحمد يدرك أن القول بأن القرآن غير مخلوق، إنما هو رد اجتهادي نبع من حرية الاجتهاد،وليس مسألة قطعية، يستند فيها إلى شعاره المعلن: "ما أنا عليه وأصحابي". ولكنه جسد قاعدة شرعية جليلة، هي حرية الاجتهاد، واعتبر دخول السجن في سبيل الدفاع عن الرأي من الجهاد، من أجل مقاومة سلطان يفرض اجتهاده أو تقليده على الناس، ويولى من قال برأيه القضاء، ويجبر عليه المحدثين والفقهاء.
الخامسة:من الواضح أن الإمام أحمد، وإن لم يشارك مالكا وأبا حنيفة والشافعي، القول بالخروج على السلطان المستبد المتغلب، كان معنيا بفكرة العدالة، شجاعا يقول كلمة العدل أمام السلطان الجائر.
وهو أيضا من أكثر العلماء إنصافا لأهل البيت رضي الله عنهم، وأكثر الناس ثناء على علي رضي الله عنه وآل البيت، فقد رسخ التربيع بعلي، أي اعتباره رابع الخلفاء الثلاثة، وقد كان التربيع مجال جدال في عصره، حتى شدد النكير على من لم يربع بعلي، واستثمر ماناله من شهرة ومصداقية في ترسيخ فضل علي، وهو أكثر المحدثين رواية لفضائل علي، كما في كتابه ""المسند""، مع أنه كان عباسي الميل السياسي.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو