
أ-صورة الإمام أحمد بين رسم ابن الجوزي وابن تيمية:
أحمد بن حنبل إمام عظيم, والأئمة العظام يتعلق الناس بأقوالهم ومواقفهم، ويصوغ التابعون من أقوالهم ومواقفهم، بل قد يصوغون من شوارد أقوالهم ومواقفهم العابرة؛ مذاهب واتجاهات, فالخميني ذكر (الوطنية), فاتخذ قوميو إيران منها مستندا لمذهب سياسي، وذكر فلسطين فجعلها الإسلاميون قاعدة في عملهم، وذكر الحرية فاتخذها الإصلاحيون سندا. الشخصيات العظيمة تتعرض إلى إعادة انتاج، بين الفرقاء، و كل فريق يدعم اتجاهه بالإحالة إليها، سواء كان معتمدا مستندا، أم معتضدا مستشهدا، و هذا أمر طبيعي في علم الاجتماع المعرفي.
وقد ظهر أحمد بن حنبل على مسرح المعارضة السياسية، اكتسب سمعة وذكرا، واستثمر تلاميذه وأتباعه ثباته زمن المحنة، وما منحه ذلك من جاذبية جماهيرية.
كان الإمام أحمد يتكلم في المناسبات, ولكل مقام مقال, وكان يتكلم في أحوال الغضب والرضا, والاندفاع والانكماش, والنشاط والفتور وعلى الرغم من أن الإمام أحمد أكثر العلماء تحذيرا لتلاميذه من أن يكتبوا عنه، لأنه كما ذكر يقول رأيا اليوم وقد ينقضه غدا، ولكن التلاميذ لم ينتهوا، فقد كتبوا كما متجانسا وغير متجانس، ونسبوا إليه أقوالا ومواقف وأحكاما على من حوله، بالرفض أو التحفظ أوالقبول.
حتى أظهروه بصورة من التناقض، فلاتكاد تجد له رأيا واحدا في المسألة الواحدة، بل وبنوا من أقواله مذهبا فقهيا رابعا، واكثر من ذلك استثمروا اسمه في بناء مذهب في أصول الدين، صاغوه مبتعدين عن منهجه، كما بين أبو الفرج ابن الجوزي.
ولا يتوقع أن يكذب عليه التلاميذ، على الرغم من صعوبة إثبات ما نسبوه إليه، وفق المنهج النقدي, ولعل كلا منهم كتب مافهم لا ما سمع وكرر ما إليه يميل، و لعل الرواة زادوا وحذفوا، ولذلك جاء مذهب الإمام أحمد في فقه الفروع؛ أكثر المذاهب اضطرابا في تعدد الأحكام، وتناقض الروايات، فله قولان في كثير من مسائل الفقه، بل أقوال في منهج الفقه أيضا، وله تناقضات غير قليلة, ولذلك لا يستغرب أن نجد له في بعض مسائل الأصول قولان.
ولم يكتف التلاميذ بما نسبوه إليه بل زادوه إضافات وتراكمات من عندهم، وكما استدعوا ما نسبوه إلى أحمد من أقوال، لبناء مذاهبهم، والدفاع آرائهم، بذلك بل استدعوا جميع رموز السلف الأموي والعباسي الذين سبقوه واستدعوا مجايليه.
ب-السلفية العباسية تتحول إلى مذهب يصادر مرجعيته :
عبر الزمن كرس المنتسبون إلى أحمد بن حنبل، مفهوم السلفية خاصاً بهم،وربطوا مفهوم السلفية بالفكر الذي نسبوه إليه أو بنوه عليه، أو صاغوه، واستبدوا بمصطلح السلف الصالح،
وصار المنتسبون إليه فريقان:
فانتسب إليه الأشاعرة, وصاغوا مذهبهم معلنين الانتماء إليه، واستقلوا باسم فرعي جديد هو الأشاعرة, وأيدهم علماء كثيرون كابن الجوزي، و ظهر فيهم الغزالي و الشاطبي.
وجاءت صياغة التيار الثاني عبر ابنه عبدالله وتلميذه الخلال، ورسخها ابن تيمية, اختص ذلك التيار باسم بالحنابلة.
وكلا الطرفين حاول احتكار السنة والجماعة والسلفية في حدود رؤية نسبها إلى أحمد بن حنبل، وحول شيخوخه من كواكب سيارة في مدار القطعيات، إلى أقطاب يدور حولهم الإسلام، وهي منهج قائم على, ولكن السنة والجماعة والسلفية, وتطبيقات نبوية وراشدية، ومعالم لأصول لفقه كل ذلك، كشف عنها الأحناف والشافعي قبل أحمد, وهي تسعهما معا.
وقد راوح عديد من العلماء بين التيارين، فلم يلتزموا أحدهما، كابن جرير الطبري وابن حزم.
وكلا الفرقتين انتسبتا إلى أحمد بن حنبل، كما ذكر ابن الجوزي في كتابه "دفع شيه التشبيه بأكف التنزيه" فالأشاعرة الذين يميلون إلى المجاز، في بعض آيات الصفات، يذكرون أنهم يقولون بقول الإمام أحمد، إذفسر قول الله تعالى "وجاء ربك والملأ صفا صفا"، فقال معناها: جاء أمر ربك، ويعتبرهم ابن الجوزي الأولى بالانتساب إلى الإمام أحمد، ومنهم البيهقي وابن عقيل، والذهبي والرازي، والشاطبي وابن حجر العسقلاني، و الغزالي والعز بن عبد السلام، والباقلاني والنووي.
والآخرون الذين أنكروا المجاز في آيات الصفات، يعتبرهم ابن تيمية الأولى بالانتساب إلى الإمام أحمد، كعبد الله بن أحمد والدرامي، وابن خزيمة والبربهاري وابن بطة، والقاضي أبو يعلى والهروي، ومقدسيون وحرانيون آخرون.
وكأي متنازعين على الميراث؛ ثار بينهما صراع مرير، وكفرت كل فرقة الأخرى، طوال العصر العباسي، ومن أشد معاركها وطيسا، ما ثار بين ابن تيمية والأشاعرة.
اختلافهما برهان آخر على أن السلفيات العباسية ليست قطبا، بل كواكب تدور في مداره.
ج- فروق بين شقي التوأم الحنبلي:
السلفية (التيمية) اهتمت بالدعوة إلى ترك التقليد والاجتهاد، وكان رموزها ، أكثر دعوة إلى روح الاجتهاد، وأكثر اهتماما بالجهاد، وتعرضا للسجون والاضطهاد، كابن تيمية وابن القيم، وعلى الرغم من أنهم مذهبيون متشددون في القضايا الغيبة الاجتهادية، فهم متسامحون-في الجملة لا بالجملة-في قضايا الشهادة والفقه العملي، قد حملوا على الالتزام بالمذهبية الفقهية، واعتبروها بدعة في الدين. وقد نص ابن تيمية على أنه لا يجوز للإنسان أن يلتزم مذهبا فقهيا محددا لا يأخذ فتاواه إلا منه، فدعوا إلى اللامذهبية.
ولكنهم أكثر من غيرهم تهميشاً لشق العقيدة المدني، فهمشوا شروط إقامة الدولة المسلمة، ولا سيما الشورى ولوازمها، فضلا عن علوم التقنية والصناعة والاختراع، والمعارف والعلوم، ولذلك نرد أن يظهر في البيئات الحنبلية؛ نابغون في علوم الإنسان والطبيعة والرياضيات والفلسفة والطبيعة والكيمياء والاجتماع والنفس، ماعدا ابن النفيس، ولذلك نشروا في العصر الحاضر، ميلا إلى الابتعاد عن دراسة هذه المجالات، ولا يكاد ينتشر فكرهم في بيئة؛ إلا وهمشت التكنولوجيا، بصورة يمكن أن يقال إن هذه السلفية، أقرب إلى الفهم الصحراوي للإسلام.
وكانوا أكثر حرصا على محاربة مظاهر الشرك في العادات الروحية كالطواف حول الأضرحة والقبور، وحرموا بناء المباني على القبور، وحرموا الصلاة على القبور، وحرموا الاستغاثة بالأموات، فهم أكثر تخليصا للدين من أدراك الشرك.
وكانوا ظاهريين حرفيين في آيات الصفات، فقالوا إن الله تكلم القرآن بأصوات، ومالوا إلى إنكار المجاز فيها، وبدعوا الذين قالوا بالمجاز من الأشاعرة، كالغزالي والجويني، والبيهقي وابن الجوزي، والبغدادي والرازي. وتبادلوا التهم، يصفونهم خصومهم بالحشوية والتشبيه، وهم يصفون خصومهم بالتجسيم والتعطيل، ولهم حروب فكرية تطول حول تفسير قوله تعالى (ويبعثك ربك مقاماً محموداً)، وحول (الرحمن على العرش استوى)، وكلهم يدعي الانتساب إلى مالك وأحمد بن حنبل، والحنابلة التيمية أكثر الفرق المنتسبة للسنة، هجوماً على الفرق الأخرى، ومبالغة في ذمها، وأكثرهم هجوما على الشيعة الإمامية والإباضية كثيرا.
د-كيف بنى تلاميذ أحمد مذهبين كل منهما ينبذ الآخر:
واحتكروا المفهوم فتحولت من منهج أساسه: النص في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، إتباع سلف الصحابة: في أصول قطعية لا ريب فيها، إلى صياغة وتفريعات اجتهادية، فيها مجال للاتفاق و الاختلاف، صاغها الحنابلة الأوائل، محاولين في صياغتهم استخراج نظريات من القرآن والسنة، للإجابة على الأسئلة المثارة، والتحديات الوافدة.
وقد حدث لبس كبير في هذا الجانب، تحول فيه أتباع أحمد من المنهج الذي أعلنه و حاول رسمه جيل متعدد الرموز والميول، من مالك إلى أبي حنيفة إلى الشافعي، تحول إلى مذهب فكري تحكمه توجهات وأقوال تنسب إلى أحمد بن حنبل، وشرح ذلك يطول، ويجده المعني به في كتب التاريخ والعقائد كتاريخ بغداد لابن الخطيب، لكن الإشارة إلية ضرورية.

