
أ-تحرير شق الدين الروحي من الخرافات الغيبية:
ابن تيمية كان مجددا تجديداً معياريا، عندما حارب الخرافات المخلة بالشق الروحي من التوحيد.فحرر مفهوم السنة من بدع التبرك بالأموات ،والتوسل بهم والاستغاثة ، والطواف حول قبورهم.وكان مجدداً تجديداً معياريا، عندما رفض الغلو في التصوف والتشيع.
كان كثير الفائدة عندما حارب نقص الفاعلية الاجتماعية، ورسوخ الخمول والاستسلام عبر المنظومة الدينية، ويعتبر مجدداً تجديدا عظيما، عندما انتبه إلى ما في الاستغاثة بالأموات، من انحراف عن السنة، وهاجم معظمي القبور والطوافين عليها. فتجديده الأكبر في محاربة الخرافات الغيبية.
وكان سلفيا ثاقبا عندما أدرك أن لا تعارض بين النقل والعقل، وسبك قاعدة "النص الصريح لا يخالف العقل الصحيح"، وعندما رفض مصطلح المصالح المرسلة، رافعا شعار: لا مصلحة مرسلة لم تذكرها الشرعة، ولكن ذكر المصالح، إما أن يأتي مفصلا أو مجملا.
ولكنه كان يقدم وجهة نظر مرجوحة عندما يمدح معاوية بن أبي سفيان،فمعاوية رضي الله عنه-مع ماله من فضل في شق العقيدة الروحي-، أعظم أهل عصره إخلالا بعمود فسطاط الإسلام الثاني:العدل، عندما أهدم الحكم الشوري، وأقام الملك عضوض، ولكن ابن تيمية تأثر بروح عصره، الذي ذكا فيه الصراع، التي فاستدرجته روح العصر إلى معمعة صراع واختلاف، كان من عوامل التدابر والتكافر،عندما صارع الأشاعرة والشيعة الإمامية. ومن الصعب على متأخر أن يدرك الظروف التي أحاطت بمتقدم، عندما رتب أولوياته، لكن ليس من الصعب على المتأخر؛ أن يدرك أنه لا ينبغي إعادة إنتاج هذا الجو المتدابر المتناحر.
وكانت فيه حدة وشده، دفعته أحيانا إلى المبالغة في التبديع والتكفير، كما ذكر تلميذه الذهبي.
ب-بين الفعل ورد الفعل:
من أصول المنهج السلفي الراشدي، ترك تكفير الأشخاص المعينين إلا بعد إزالة الشبه،وتعريفهم بأنهم خالفوا الدين، ولكن السلفيين العباسيين تكافروا، وغلا بعضهم في التكفير، فقد كفر بعضهم أشخاصا معينين من دون ضوابط التكفير، كابن عربي وابن سينا، وتكفير بعض مقولات الأشخاص كمقولات ابن عربي صواب منهجي، بصرف النظر عن صحة وجهة النظر وفسادها، أما تكفيرهم بأعيانهم، فخطأ منهجي لأن للتفكير ضوابط لم يتحرها المبالغون، وبالغ السلفيون الحنابلة كغيرهم من الفرق في التكفير، وبالغ التيميون في التبديع، فبدع بعضهم بعضا، وبدعوا أئمة من أعلام السنة، كابن خلدون والشاطبي والغزالي، وقد فتحت مبالغات ابن تيمية الباب، للإمام محمد بن عبدالوهاب، عندما أغرق فكفر من طاف حول القبور أو تبرك بها، وزاد على ذلك فاستحل دماءهم.
ركز ابن تيمية في صياغة العقيدة علي جانبيها الغيبي، و في صراعه مع الباطنية والصوفية والفلاسفة، كان يحاول الإجابة عن سؤال فرض نفسه على المناخ الاجتماعي،وحكمه على الفرق-وإن اشتد-كان حكما على أناس موجودين، ومن أجل ذلك للمحافظون اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة؛ أن ينتبهوا إلى أن أحكامه على الشيعة الإمامية، وعلى النصيرية، وعلى طوائف أخرى؛ إنماهي أحكام على قوم معينين، بناء على ما رأى وقرأ من أفعالهم ومقولاتهم،وأنه لا ينبغي اليوم إطلاقها، على أحفاد لم تصدر منهم مقولات وأفعال، وأن مقياس التكفير حدده علي بن أبي طالب، وعليه الاعتماد، وتابعه عمر بن عبد العزيز، والمحدثون وبهم يحسن الاستشهاد والاعتضاد. وما عداه يعتذر له ولا يعتذربه.
لم يكن متأنيا في الحكم على خصومه، لأنه كان فارساً محارباً، والفارس في جو الصراع، لا يكون على قدر كاف من الموضوعية، في كل فكر وفعل مارسه، كما أشار محمد البهي
وفي أتون الصراع السني الشيعي، الذي أريقت فيه الدماء، وانشحنت النفوس بالأهواء؛ لم يستطيع بأن ينفك من مناخ الصراع، ولا من المؤثرات الشامية، وهي بيئة يصعب فيها إنصاف علي رضي الله عنه، وآل البيت، بينما يسهل كيل المديح لمعاوية رضي الله عنه، ولابنه يزيد وللأمويين، دون ميزان، على خلاف البيئة التي عاش فيها الإمام أحمد بن حنبل.
ج-الأجوبة الخاصة بحقلها لا ينبغي تعميمها في كل الحقول:
وينبغي أن نتذكر إن تركيزه على الجانب الغيبي من العقيدة، في ردوده، كانت نتيجة فهمه روح عصره، ولقد حاول أن ينهض بالأمة، حسب قدرة الأفراد، وحسب النظام المعرفي السائد، وأنه أخطأ وأصاب، فليس رسولا معصوما بالوحي.
وهناك فرق بين مسلك الكوكبة الأولى من السلفية العباسية كالشافعي وأحمد، الذين تجاهلوا علم الكلام والفلسفة والمنطق، ومسلك الغزالي ونحوه وابن تيمية خاصة، الذين رغم ذمها الفلسفة والمنطق كتبا العقيدة بمصطلحاتهما، ولذلك صار فهم كتبها صعبا، على من لم يطلع على علم الكلام.
ولا ينبغي للمحافظون اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة؛ أن يقرروا رسائله، على أنها متون تعايمية جامعية، ابن تيمية رحمنا الله وإياه جل جهوده، كسائر فقهاء تلك العصور، عندما يكتب في شق العقيدة الروحي و الغيبي.
ولذلك فإن تقسيمٍات عديدة له في شق العقيدة الروحي إنما هي اجتهادات، أبرزها تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ووضع مسألة الأسماء والصفات ، في أقسام التوحيد اجتهاد ووجهة نظر معتبرة، ولكنها مبالغة، جر إليها أتون الصراع المذبي، ومنأجل ذلك فإن تخليص صياغة العقيدة من إشكالها أولى، وهي لا تلزم كل من امتطى المنهج السلفي، والصراع فيها ثانوي غير أولي.
صياغة ابن تيمية للسلفية الحنبيلة، في شق العقيدة الروحي لمذاهب الحنابلة في كتاب (التدمرية)، ونحوه كانت أيضا إجابة عن الأسئلة المثارة، في البيئة الزمنية والمكانية هناك، وما في الجو الثقافي من فرق إسلامية وغير إسلامية، وما في المستوى الثقافي من تركيب وتعقيد. لقد تصارع ابن تيمية والأشاعرة، في قضايا الأسماء والصفات، وتعرض للأذى والنفي والسجن، وأنفق الجميع قدراً كبيراً من الأوراق والأوقات، ولكنه الحصيلة العملية لهذه الجهود، ليست على مقدار الجهود.
د- أثر المناخ في معالجات ابن تيمبة:
ابن تيمية كان مجاهدا مناضلا، وكان فارسا لا يشق له غبار، وعاش في عصر اضطراب سياسي وفكري واجتماعي، وليس من طبيعة الأمور أن يسلم من الغبار، ومن خلال صياغته أنطقه قوم كثير بما لم ينطق، ولم يلاحظوا أنه يغضب ويحتد ويشتد، كما ذكر تلميذه الذهبي، فيقع في مبالغات لا تنسجم مع منهجه، الذي أعلنه مرارا، وكرسه في كتاب العقل والنقل.
ولكنه-ولعل ذلك للاستقواء على خصومه-بالغ في التعصب لأمثال أفكار الخلال وعبد الله بن أحمد والبربهاري، فناقض منهجه، فجاءت له أفكار ، تندرج في ما أسميناها إغفال مبدأ الأولويات، فشارك في معارك الخلافات والصراعات، في أمور اجتهادية غيبية، ظلت تتناقش في عالم الغيب، أكثر من تناقشها في عالم الشهادة. وهذا جعلها تكتب ألوف النسخ، في ما يخلخل السلام الاجتماعي والوفاق، فكفر بعضها بعضا، وقمع بعضها بعضها .
وجارى فرقا عقدت على الناس فهم العقيدة، عندما رد عليها بمصطلحات كلامية، لايسير في غاباتها إلا متفلسف.

