السلفيات المواضي وقضايا العدالة والعمران. الإنجاز السلفي العباسي الأكبر: إعلان المرجعية وتدوين نصوصها، المصباح في زجاجة ومشكاة
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية

أ- المصباح: حفظ النص:تدوين مصادر الملة

السلفية: هي المناداة بفهم مصباح القرآن والسنة، من خلال صفاء زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة حقائق علوم الإنسان والطبيعة.
وهذا التعريف يشير إلى ثلاثة عناصر:المصباح/التطبيق/سنن الله البشرية والطبيعية.
فالعنصر الأساس يحدد أن السلفية هي تحكِِِِِِِِِيم النص القرآن والسنة، ومدونات مصادر الحديث والتفسير والسيرة، الإسلام النصي، الذي لم يتأثر بالمؤثرات التاريخية،بعد الراشدين.
من أجل ذلك عني السلفيون العباسيون؛ بحفظ مصادر الملة، فدونوا الأصول من تفسير القرآن، ورواية الحديث والسيرة النبوية والراشدية. فالمدونات السلفية عنيت بتصحيح الحديث والسيرة وتدوينها،وساقت من أقوال الصحابة وسيرهم ومواقفهم ما يكفي لاستنباط الأحكام في شق العقيدة الروحي والمدني معا.
وهذا أهم عمل قام به السلف العباسي الصالح، فدونوا مادة أصول المعرفة الدينية. وحفظوها من الضياع، وهي وظيفة جليلة ظاهرة لا خلاف عليها،
ومن هؤلاء (أحمد بن حنبل مثلا) فالإمام أحمد بن حنبل (في كتاب المسند) يقدم حديثا أي في الأصول ينبغي اعتمادها، (مادامت أحاديث صحيحة، في اعتبار المحدثين). ثم ظهرت في تدوين الحديث مجموعة الصحاح: لمالك والبخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والمقدسي، وهي أصح الكتب، التي التزمت بشروط الحديث الصحيح، وتجنبت إدخال الضعيف، وإن لم تخل من أحاديث ضعيفة وأخرى موضوعة.
وأصحاب السنن، إنما جهدهم الأكبر في تدوين السنة،
وفضل السلفيين العباسيين الصالحين الذي لا يجاريهم فيه سابق ولا لاحق، هو جمع أصول الدين والملة، كالحديث والتفسير والتاريخ والمغازي. و لكن هذا التدوين لم يكن من دون أخطاء، و الأخطاء تصدر من الأنبياء، فكيف نستغرب صدورها من الفقهاء و المحدثين.
و لكن ينبغي عدم التعميم، فغالب ما جمعوه صحيح في الجملة، أو يعضده صحيح غيره،أو لا يخالف أصلا شرعيا، وهم في مرحلة تصفية أولية وجمع، ولم يكونوا في مرحلة تصفية نهائية وفرز، فما اتبعه رواد التدوين، هو ما أمكن في ظل ظروف الاختلال السياسي.

ب-لكي لا يصبح القرآن حمال أوجه/ المصباح في زجاجة:

فكيف يقرأ نص القرآن والسنة؟، وما فيه من إجمال يحتاج إلى تفصيل، أو أصل يحتاج إلى تفريع، أو مبدأ يحتاج إلى آليات ووسائل؟.
وضمان ذلك أن يوضع المصباح في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، فالزجاجة تمنع من أن يكون القرآن والسنة نصا مفتوحا، تعبث به رياح الجهل والأهواء التي قد تعصف بنور المصباح،لكي لا يكون القرآن حمال أوجه، والسلفيون في كل زمن، يرددون الحديث الشريف (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).
وعلى الرغم من أن الحديث على كل حال؛ فيه مقال وفي تصحيحه جدال، كما ذكر حسان عبد المنان، فإن اتباع سنة الخلفاء الراشدين يتحدد بتطبيقهم القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وتفصيلهم ما أجمل، وبيانهم ما التبس، وابتكار وسائل لتنفيذ القواعد، وكل حديث يأمر باتباع أي أحد غير الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنما هو مقيد بهذا التوجيه.
بذلك يتحدد منهج فقه الكتاب والسنة، -أيضا-حسب فهم الصحابة، وفهم العرب الفصحاء وأساليبهم، دون تقعر يخرج بالكلام عن مستوى فهم العادي من الناس، كما قرر الشاطبي في الموافقات. لأن القرآن نزل بلغة العرب
هذا الضابط عبر عنه الشافعي عندما قال " السنة حاكمة على القرآن". وقد عبرنا عنه بأسلوب الزجاجة التي من خلالها يتلألأ مصباح القرآن بصورة أقوى أكثر.
وأكد رواد السلفية والسنة والجماعة العباسيون الأوائل؛ على أن السلف-الواجب الإقتداء بهم- هم الصحابة السابقون والتابعون بإحسان-قبل الخلاف-وأن السلفية هي الرجوع إلى نص الكتاب والسنة، من خلال تطبيقهما النبوي والراشدي.
ومن أجل ذلك أكد رواد السلفية عبر العصور أن السلفية التي يجب بها الاقتداء، هي سلفية هي ما كان عليه النبي والصحابة السابقون ما أي قبل الصراع والاختلاف والأهواء، سلفية ما قبل العصر الأموي فضلا عن العباسي.
ففي ذلك الماضي الجميل، كان ضوء مصباح القرآن، يشع من خلال زجاجة النبوة، كانت تزيده لمعانا، وترد عنه رياح الأهواء.
وكانت لعموم الصحابة السابقين عقول سياسية بازغة، تدرك مشكاة سنن الله الاجتماعية، وحقائق علوم الإنسان والطبيعة، وتزيل اللبس عندما يصبح النص-عند حدثاء الإسلام- حمال أوجه، و هذا ما أدركه عمر عندما دون الدواوين، وأدركه الصحابة في طاعون عمواس: الحجر الصحي.
وأدركه علي بن أبي طالب، من أن ضرورة الحفاظ على عروة الإسلام الكبرى الحكم الشوري ، ولم يدركه من خذله أو نازعه أوقاتله، أو هجن مذهبه، وهذا ما أكده عموم الفقهاء، من أن تصرفاته السياسية؛ بينت السنة النبوية، وهذا ما أدركه عموم فقهاء السلف الأموي، والسلف من مخضرمي العصر الأموي والعباسي، الذي عبر عن منهجهم ابن تيمية بأنه "مذهب للسلف قديم".
وبذلك يتبين أن من زعم قال أن الإمامة الشورية العادلة ليست من أصول العقيدة،التي يجب لأجلها الجهاد والاستشهاد،محجوج بما لزمه أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، في المواقف الصعبة، التي تشيب لهولها الولدان.
فلو لم تكن وحدة الأمة والعدل من أصول الدين؛لما قاتل أبوبكر المرتدين.
ولو لم يكن الحكم الشوري من أصول الدين، لما خاض الخليفة الراشد الرابع، ومعه جمهور المهاجرين والأنصار، ثلاث معارك طاحنة، ولترك السنة من أجل تخاذل بعض كبار الصحابة، ولاعتزل الشأن العام، كسعد بن أبي وقاص وأضرابه. ولاستسلم لتيار القبلية والبداوة، كما فعل ابنه الحسن ومن معه.
وبذلك نفرق بين مفهوم الجماعة في النموذج الشوري، ومفهوم الجماعة في النموذج الجبري العضوض، وندرك أن عام الجماعة الذي كال له بعض المؤرخين والفقهاء المديح و الثناء؛ إنما هو عام رسوخ نمط االملك العضوض، عام نشوء البدعة الكبرى في شق الشريعة المدني، عام نقض إحدى عروتي الإسلام: الحكم الشوري والصلاة.
وبهذا وذاك يصبح المتشابه من النصوص وحمال الأوجه صريحا محدد الدلالة، أما في العقل المتصحر الجديب، فصار النص مفتوحاً، وصار حمال أوجه، كما قال الخليفة علي بن أبي طالب، لأنه أخرج عن ضابطه (التطبيق) النبوي والراشدي.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو