
ينبغي أن لا ننسى أن سبب سقوط حضارتنا أمام الغزوين التتري والصليبي هو الإخلال بقاعدة "العدل أساس الملك"، وليس بقاعدة"الصلاة عماد الدين" بالقيم المدنية، هذا الإخلال الذي تساهلت به ومررته عالصياغة العباسية للعقيدة والتربية والسياسة والثقافة
هو أهلكنا ولم يشفع لنا تضخم الشطر الروحي على حساب المدني، لم تسقط بغداد بسبب الإخلال الشطر العقيدة الروحي كالصلاة والدعاء والصيام.
بل بالإخلال بشروط إقامة الحكم العادل التي أهمها بقيم المجتمع المدني الحرية والعدالة و المساواة والكرامة والتكافل و الاحتساب على السلطة والتعاون من خلال التجمعات الأهلية المدنية، التي كانت حامل الدعوة الإسلامية، لقد حلق الإسلام على يدي أجدادنا الأولين بجناحي العدالة والحرية، وعندما نتفت الروح الصحراوية والكسروية الجناحين؛ صرنا كما قال محمود غنيم:
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد؛ × تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ب-الفكر الأوربي اليوم غير اليوناني بالأمس:
التحدي الماثل أمامنا خطير وكبير، ليس الفكراليوناني, ولاماتأثر بمناهجه، ولا بعض أفكار أهل القبلة، فتلك أفكار ومذاهب وحركات، كانت قضاياها أساسية بالأمس، يبد أن بعضها اليوم مات, و بعضها صار ثانويا لا يسيطر على الوسط الإسلامي، الذي انشغل بقضايا أساسية أخرى.
فنحن اليوم أمام تحديات العلمنة التي امتطت ظهر الحداثة السياسية والمدنية ومعطياتها، وهذه الحداثة ليس لها علاج شاف،في صيدلية الغزالي والجويني والأشعري ، ولا في صيدلبة ابن تيمية وابن القيم، ولا في صيدلية محمد بن عبد الوهاب، بلا ولا في صيدلية الشاطبي. ولا في السلفيات العباسية القديمة التي لم تكتو بتيار التحولات الكبرى في العصر الحاضر. وكل نجاحات الماضي البعيد أو القريب نسبية، ولاسيما الفكر الذي لم يصطدم بالحداثة السياسية والمدنية، واللبرالية والعلمانية، فليست لها صفة التعميم في كل زمان ومكان.
إن جوهر التحدي الذي نعاني منه اليوم ، ليس شغبا بدويا، ولا إخلالا بالجانب الروحي من العبادات، كالصلاة وذكر الله والدعاء،ولا انتشارا لخرافات الاعتقاد، كالذي واجه ابن تيمية وابن عبد الوهاب. بل هو تحد حضاري مادي تقني مدني،فيه من التحديات،أنماط مركبة، تشكل أنساقا متكاملة متشابكة، فيها من المغريات والمعطيات، ما ينتهك حرمة بيوتنا وأسواقنا،ومدارسنا ودواويننا، ومساجدنا ومجامعنا. وهو يستهدف روح الأمة وكيانها المادي والمعنوي.ونحن ننساق إليه طوعا عبر الإغراء والاحتواء، أو مسوقون إليه كرها عبر الضغط والقمع، ولا يمكن أن يرفع المسلمون كابوس القهر والقمع الجاثم على صدورهم، إذا لم يطاولوه بفكر عملي بديل، بيدأ ببناء الفقه السياسي الدستوري.
ج- تجيير السلف الصالح لتهميش منظومتي إسلام الدولة العدل والعمران:
لم يتنبه المحافظين اليوم في عهد الإمبريالية الغربية، على الصياغة العباسية للعقيدة والتربية والسياسة والثقافة، إلى عمق الكارثة التربوية، التي هزمتنا أمام الإمبريالية الغربية اليوم، كما هزمتنا أمام الغزو التتري والصليبي بالأمس.
صارت لافتة السلف الصالح؛ تشكيكا بكل جديد، وصارت رفضا لقيم المدنية والحضارة، وشروط إسلام الدولة، ومبادئ السياسة الشرعية ووسائلها العشرة، التي نادى بها الإسلام، قبل أربعة عشر قرنا، كالحرية المسئولة والعدالة والمساواة والكرامة والشورى النيابية،وسائر قيم المجتمع المدني والتجمعات الأهلية ولا سيما المدني، بل وصارت تجهيلا بمفهوم المجتمع الأهلي نفسه، باعتباره علمنة وفصلا للدين عن الدولة، وشر الجهل ما يرتدي رداء العلم، ونحو ذلك من الآراء المضللة، التي حاولت كشفها في كتيب: (الطريق الثالث: الدستور الإسلامي منقذا من الحكم الصحراوي المفرط بالحقوق والحريات والعلماني المفرط بالأخلاق والهوية معا).
وصار تحقيق التوحيد مبنيا على أمور ظنية أو ثانوية، تسل فيها سيوف القمع والوأد، فتقتل حيوية الإنسان، وتفتك بالسلام الاجتماعي، تحت عنوان محاربة البدع.
وهيمن فهم السلف الرواد العباسيين على الصياغة، سواء أكان هذا الفهم يعالج أمورنا أم لا يعالجها, فجاءت الصياغة نزاعة إلى التجريد وتطبيق شيء آني، صيغ في عصر ما، وثُبَّتَ على أنه معياري صالح لكل عصر ومصر، تحت شعار" ماأنا عليه وأصحابي"، " ( أصله حديث رواه الترمذي وأبو داود والحاكم )، وكأن السلف العباسي الصالح، هم الصحابة السابقون الراشديون.
وبكثرة انصباب هذه المؤثرات؛ تحول الذهن الإسلامي المستقبلي، إلى ذهن ماضوي أدار عقارب الساعة إلى الوراء، يحاول تجميد فهم الإسلام وحبس روحه في قالب لحظة عباسية، ويعلن اتباع السلف الراشدي قبل الاختلال والاختلاف، وهو في تنظيره وتطبيقه؛ إنما يتبع السلفيات العباسية التي نسجت في ظلال الاختلال والاختلاف، والقمع والطغيان.
وصارت السلفية غفلة عن سنن الله الاجتماعية والطبيعية المطردة، التي سير الله الكون عليها، وأمر الناس بالحركة، من أجل الحصول على البركة المودعة في الأرض، لكل من عمل عملا عمرانيا صالحا، كما قال تعالى"باركنا فيها للعالمين"، وصارت روحا غيبية تنتظر بركة الله الخارقة، معفاة من بركة السعي والحركة.
وصارت السلفية روحا بدوية صحراوية، تعلن كراهية التقنية والتنمية، وتزوَرُّ عن حقائق العلوم التطبيقية والتقنية، وتلعن الفلسفة والمنطق التجريبي، من دون أن تفرق بين منطق أرسطو ومنطق بيكون، وكل هذا الجهالات العريضة، والبداوات الساذجة، والترهات والخرافات، تقدم تحت لافتة السلف الصالح.
وصارت السلفية تبريرا أو تمريرا، للإخلال بشروط إسلام الدولة والمجتمع العشرة،(تفصيلها والبرهنة عليها كتابي: العديلين والجناحين) وغفلة عن أن العدل والشورى ولوازمها كالحرية والتعددية من أصول الدين.
وصارت الصياغة العباسية للعقيدة والتربية والسياسة والثقافة
عند جميع الفرق التي تقمصتها؛ منهجا يكره التفكير العلمي، ويشيع الجمود والتقليد، ويئد كل نبض جديد، لأن السلف الصالح لم يقل به، وباسم السلف الصالح كم قتل فكر عملي صالح كثير.
ومن الإخلال بالشريعة، غفلة كثير من الناس، عن نموذج الإسلام الصافي، الذي عليه الرسول الكريم والرعيل الراشدي القويم، وانتسابهم إلى آراء وأفكار عديدة، تشكلت عبر الزمن، في مذاهب يحدد فهم الوحيين بها، مع أن الطبيعي أن يكون الحقل الراشدي هو النموذج الذي يقاس عليه، وأن تكون أقوال جمهور الصحابة السابقين وأفعالهم؛ ذات مستوى فذ من المرجعية والمعيارية،ليس لأنهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل لأنهم أيضا عاشوا في الحقل النبوي والراشدي، أي حقل تطبيق الإسلام النموذجي، وذلك لم يتوافر لأفراد ولا لمجموعات من بعدهم.
فأعمال السلف الصالح أمويا وعباسيا وأقوالهم، ليست هي المعيار الذي يقاس به الإسلام، فالمقياس الذي عليه الاعتماد هو بسلطة النص: مصباح الكتاب والسنة، في زجاجة التطيبق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، وهو أصل السلفية، وصورتها النموذجية، هي العهد الراشدين وماعداها صور دقيقة أو باهتة، متكاملة أو جزئية، متوازنة وغير متوازنة، صحراوية ومدنية، تقاس بالمقياس، وليست هي المقياس،وإنما هي اجتهادات لم يكن أهلها ذوي (تقصير)، ولكن المناخ العام ذو (قصور)؛ قصر بهم عن بلورة منظومة متسقة،فنظروا إلى الدين كعقد منثور لا منظوم، فهي اجتهادية لا يحتج بها أو يستدل، بل يستدل لها، لأنها ليست أدلة بذاتها، وتصويبها وتخطئتها واختيار ما يناسب فيها، إنما معياره مقاصد الإسلام الكلية القطعية، وهي مبادئ محكمات واضحات، حددتها الأدلة النصية والمستقرأة معا، حسب ما قرر الأصوليون كالشاطبي في الموافقات .
وإذ بعد الناس عن المنبع، صاروا يحتجون أحياناً بأقوال بعض السلف – بعد الراشدين- أو أعمالهم، التي تخالف أحياناً مقاصد الإسلام وروحه الكلية التي حددتها الأدلة القطعية، واستحسان هذه الآراء، من دون فحص وتأكد; من أنها هي السنة النبوية، يدخل في مفهوم البدعة، التي يميل فيها الناس إلى ما يرون، ويرون حسب ما يهوون، فيستحسنون آراءهم وأهواءهم، دون أن يتذكروا أن أي تفريع، حتى ولو كان على نص صريح صحيح، يشترط لصحته أن يكون منسجماً مع الروح العامة للشريعة، وما عدا ذلك فهو بدعة، وإن كان التفريع عند العقل المجرد من الوحي حسنة، كما قال الإمام مالك: »من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه سلم خان الرسالة، لأن الله يقول »اليوم اكملت لكم دينكم« فما لم يكن يومئذ دينا، لا يكون اليوم دينا (الاعتصام:1/65).
الخلاصة أن اجترار تراث جو القمع والظلم أو صل ثقافتنا السياسية والمدنية إلى مأزق.
د-البيدر الاجتماعي هو ميزان صلاح الفكر الديني:
وقد يقول قائل :لم تبدئ القول وتعيد، وتزعم أن القدامي لم يقدموا لنا فكرا كافيا نواصل عليه التجديد، ويورد نصا للشاطبي أو القرافي، وآخر لابن خلدون أو ابن فرحون، وثالثا لابن حزم أو العزبن عبد السلام، ورابعا لابن تيمية أو ابن القيم، وخامسا للفخر الرازي أو النيسابوري، وقد يقتنص مقالة في كتاب، وهذا تساؤل وجيه، ولكنه غير صحيح، على المستوى المعرفي، فضلا عن المستوى الاجتماعي، وهو المجال الذي نتساءل فيه.
عندما نتحدث عن قصية الإصلاح الاجتماعي، فلا ينبغي أن نهمش السياسيي، فإن القضية أعمق وأصعب من أن تنحصر بالكلام عن وجود نص لكاتب أو كتاب أو فكرة عابرة عند مؤلف تيار، ، فكم من شذرات فكر إصلاحي، ولكنها تند في بطون الكتب، كما تضيع شذرات الذهب في أكوام الرمال.. فالإصلاح ينبغي أن يستوعب أمورا مهمة على مستوى الفكر والعمل:
الأول: أن يتجلى فكر الإصلاح في نسق معرفي(أي بنية معرفية متماسكة) أي أن تكون التصورات الإسلامية بنية تركيبية، ذات ترابط عضوي.
وذلك لا يكون إلا بتوصيف جديد للعقيدة،-يخرجها من ضيق وجمود التوصيف العباسي والمملوكي- ولعله ينجلي بقسمها-للتفهيم والتوضبح- ركنين: شق مدني عموده العدل وشق روحي عموده الصلاة، من أجل بيان شروط إسلام الدولة والمجتع، وبناء نظريات ونظم، كنظرية المفهوم الدستوري للحكم .
الثاني:أن يكون الفكر الإصلاحي تيارا ثقافيا عاما، في عديد من الكتب، وعند عدد من الكتاب، وإن لا فإن الاتجاه الإصلاحي يوئد سراعا، فكم كتاب في أصول الفقه انتشر في جامعاتنا، كروضة الناظر، بينما خمل كتاب (الموافقات للشاطبي)؟، وكم من كتاب في التاريخ انتشر،كتاريخ ابن كثير وخملت مقدمة ابن خلدون؟، وكم نسخة تطبع المطابع من تفسير ابن جرير وابن كثير ونحوهما، هل تقارن بتفسير المنار لمحمد عبده ورشيد رضا.
الثالث: أن تنتقل الأفكار من عالم (التصورات) إلى عالم (التصرفات) الاجتماعية الشائعة، أي أن تترسخ فتتجسد في قيم سلوكية، فأساس نجاح أي مفهوم علمي إصلاحي ، أن يتغلغل في الوجدان الشعبي، وأن يقوم السلوك، لأن الذي يوجه مسار النهر الاجتماعي، إنما هي الأفكار التي يعتنقها الجمهور، لا الأفكار الرائعة في بطون الكتب ورؤوس العلماء أي أن مجال تقييم جهود الفكر المبذول، هو ما في البيدر الاجتماعي من محصول.
وميدان الحكم على الأشياء بالوجود والعدم، إذن هو القيم والمعايير، التي تحكم السلوك، وميدان الحكم على السلوك هو الظواهر الاجتماعية، تلك هي الحقيقة البسيطة.
ستدخل إلى اقااويل الحكمااء.. يا ابا بلال ..
كل ما قلته موجود ولاكن لم يفكر فيه احد مثلك
هدا الموقع جميل جدا جدا

