
في العصر العباسي، صاغ سلفنا الصالح العقيدة، مركزين على الشق الروحي الغيبي، معتمدين على حديث جبريل الشهير،((الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر، والقدر خيره شره)) وحديث جبريل ليس على إطلاقه، ففي صورة الإسلام جوانب أخرى، وقد حدد حديث جبريل جانب التصور من شقه الروحي، والآيات والحديث والتطبيق جسدت شق التصرفات، روحيا ومدنيا. واختصار الإسلام بهذه الصياغة يجسد اختلالا في نظام العقيدة، لأن الإسلام نظام يعتمد على عمودين: مدني و روحي، و لكنهم معذورون، لظروف شرحناها مراراً.
وهم على كل حال صاغوا بهذا الشق الروحي من العقيدة بأسلوب يناسب أسئلة عصرهم، حاولوا فيه أن يجيبوا على الأسئلة التي أثارتها الثقافات الأجنبية الوافدة، وإن لم ينجحوا في الخلاص من أوشابها ، فكانت لهم حركات مباركات، وصفت بـ"السلفية"، إذ أعلنوا أنهم يلتزمون بصفاء الكتاب والسنة، و قالب تطبيقها العهد النبوي والراشدي، ورغم أن إعلان الانتساب إلى تلك المرجعة؛ لم يحل دون أخطاء كبرى منهجية وأخرى موضوعية، في صياغة العقيدة، ولكن المهم في ذلك الآن، هو أن نتذكر أن الصياغة كانت جوابا لأسئلة فغرت أفواهها، وتحديات أشرعت سيوفها، ومعطيات معرفية لابد من امتطائها.
ب-حلول خاصة ببيئات كانت وبادت:
والسلفيات العباسيات حركات مباركات، على مسرح الأفكار والحياة، امتدت إلى ما شاء الله، ولكن السلفيين رجال اجتهدوا في ما بين أيديهم، وما لم يقل سلفيو اليوم: أولئك القدامى رجال ونحن رجال، فلن يفلحوا في تجديد الدين، و لا إلى النهوض على أساسه.
فقد كانت صياغتها تنظر إلى تحديات قائمة، ومن أجل ذلك اعتبر البوطي السلفية حركة سادت فبادت.
والفروع والأعمال والأقوال السلفية العباسية، هي تراث بشري، تأثر بما لدى الأفراد والجماعات من حماسة وتهاون، وتشدد وتساهل، وموائمة بين الظروف العامة والخاصة. فالأساس الثابت لها هو النص و منهج فقهه، أما الحركات والصياغات، فهي علاجات متغيرات، لزمن ومكان ما.
فالكف عن ما شجر بين الصحابة، شعار نادى به عمر بن عبد العزيز، في مناسبة خاصة، وهذا أقصى ما يمكن صدوره من حاكم أموي، درج منذ نعومة أظفاره على سماع لعن علي، وليس متوقعا منه أن يسب مؤسس الحكم الأموي. فهو قانون نسبي آني مقبول في مقام معين، ولكنه غير لازم ولا دائم. أما أن ينادى به معيارا من مسلمات للعقيدة, ويوضع ضمن فقراتها، وكأنه من قطعياتها، أو من أصولها الكلية، فذلك أمر غير سليم، لأنه لا يصح معياريا،فهل يجوز لنا أن نكف علم السياسة عن ماشجر بين الصحابة؟، إن هذا بمثابة حماية للجهل السياسي.
وقد أدرك ابن تيمية، فدخل في خضم ما شجر بين الصحابة، وخاض خوضا دون احتياط، بكتاب (مناهج السنة) لأن المحذور زال، ولكنه رغم ذلك يقول في الواسطية، إن الكف عن ماشجر بين الصحابة، من منهج أهل السنة والجماعة.
على أن محصول شعار الكف عن ماشجر بين الصحابة؛ هو تأبيد الجهل السياسي, ووضع حاكم مستبد مغتصب كمعاوية عديلا لحاكم شوري منتخب كعلي.
وكذلك الفلسفة والمنطق والكلام، حذر منها الأوائل، بيد أن الغزالي وابن تيمية دخلا فيها، لأن جوهما تطلب الخوض فيها، وعلماء الأصول في آخر المطاف يعدون المنطق من العلوم الضرورية للدين، كما ذكر الغزالي، وكما فعل ابن تيمية.
فما للسلفيات العباسية من تراث وأفكار وحركات؛ إنما هي محاولات إجابة للأسئلة المثارة، وهي في غالبها مسددة الخطوات، في علاج أدواء بيئاتها، ولكنها-كأي عمل بشري- لا تخلو من عثرات، ولم تنتج كلها من داء التبعيض، هذا أهم سبب يجعلها لا تكفي أساساً لعلاج أدواء العصور الحديثة.
وأسلم ما فيها منهج فقه الكتاب والسنة وفقه المقاصد، في بنايته عند الشاطبي والشوكاني، وهو قادر على أن يساعدنا على بناء نظريات في المنهج نفسه، نقاوم بها الضغط الحديث، أما الصياغة العباسية لها، التي عاشت قبل صدمة الحداثة واللبرالية والعلمانية؛ فغير قادرة على ذلك، من أجل ذلك ينبغي أن لا نخلط بينهما.
فالمرجعية هي الكتاب و السنة، في مشكاة التطبيق النبوي والراشدي، و هي التي دون السف العباسي الصالح، وأهم معالم مادتها و منهجها، هي المرجعية، هذا ما اتفقت عليه حركات التجديد، وحركات التقليد.
والفرق بين حركات التقليد والتجديد، أمران
الأول: مدى الالتزام بالمرجعية، وكل حركة إصلاح لم توازن بين شقي العقيدة المدني والروحي، فقد أخلت بنظام الإسلام، لأنها لم تفطن أن شروط إقامة الأمة العشرة، كشروط إقامة الصلاة كلاهما من أصول الدين.
الثاني: في مسائل التفريغ، واستخراج النظريات والآليات، وفي صياغة هذه الأصول، فالسلفيات تصوغ مسائل العقيدة، حسب طبيعة السياق الاجتماعي، متفاعلة معه. كما فعل السلفيون في صدر العصر العباسي، وكما فعل أحمد بن تيمية، وكما فعل محمد بن عبد الوهاب، وكما فعل دعاة السلفية المدنية منذ إعلان الدستور العثماني 1292هـ (1876م).
أما المقلدون فيكررون صياغات أنتجت لعلاج مشكلات غابرة، ويثبتون عليها عندما يقلدونها صفة السلفية، وينتزعون الوصف بالسلفية من سياقه، والسلفية في الثريا و هم في الثرى، ويرددون ما كتب المجددون ومقولاتهم، كابن تيمية أو ابن عبدالوهاب، والشاطبي والغزالي. دون أن يدركوا أن تلك السلفيات كواكب دوارة، حول قطب المرجعية، ولا يدركون أن لكل عصر حركة سلفية، إنما يظلون يهمشون ويشرحون، أو يلخصون وينظمون تلك المسائل.
السلفيون المقلدون يعيدون الصياغات العباسية، فيجترون أفكاراً وصياغات، فقدت ارتباطها بالحاضر، و أفكارا تجسد الإخلال بنظام الدين. من أجل ذلك يبذلون جهودا كبيرة، ولكن النتائج ضحلة قليلة، فيصبحون كالمسافر المنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى.
أما السلفيون الأحرار فينادون بالعودة المباشرة، إلى القطب الثابت، فيحاولون أن يتفاعلوا مع الواقع، و أن يستوعبوا الوقائع والنوازل، وأن يدركوا التحدي الماثل، يونانيا أو سلطانيا أو علمانيا أوافرنجيا أو أمريكيا، ثم يحاولون أن يسهموا في تقديم المخارج والبدائل.
و قد ظهر تيار السلفيين الأحرار الحداثى، في مقالات و إشارات لدعاة الإصلاح الديني كمحمد عبده و الكواكبي و الأفغاني و خير الدين التونسي وسيد قطب والمودودي ومحمد المبارك و كعلال الفاسي، والطاهر بن عاشور و محمد قطب وحسن البنا زمحمد الغزالي و القرضاوي.
وقد ظهر تيار السلفيين الأحرار القدامى، في ماكتبه أحمد بن حنبل ومجايلوه في الرد على الزنادقة والمبتدعة، تجديداً فكريا، لأنه كان جوابا لسؤال ماثل، وتحد هاجم، وإشكال قائم، فلم تكن مقالاتهم تخاطب الأشباح، ولا تخطب في المقابر. وجاء من بعده وتغيرت أحوال المجتمع، ولكن السلفيين المقلدين لم يدركوا للتغيرات، فالتزموا ما كتبه الإمام أحمد وكأنه شرع منزل، فتحول التجديد بين أيدي الجامدين من التلاميذ إلى تقليد مترهل.
كل تجديد يرتبط اعتباره تجديداً بالمشكلة الواقعة، فإذا نشر في المكان أو الزمان الذي ليست فيها المشكلة فإنما نشره تقليد، وناشره مقلدن وإن كان قائله مجددا.
وكل إصلاح إسلامي يتسم بأمرين، الأول: النجاح في علاج الوباء بأسلوب عملي، الثاني:تركيب خلطة الدواء من صيدلية القرآن والسنة، أي أن يكون الحل منطلقا من الالتزام بالمرجعية: النص الكتاب والسنة ومنهج فقهه، على أن يقرأ النص في مشكاة التطبيق النبوي والراشدي،وصحيح علوم الإنسان والطبيعة، فإذا لم يكن الإصلاح ملتزماً بهذين الشرطين فهو غير سلفي إن لم نقل إنه ليس إسلاميا، وإذا لم يعالج الداء أو يؤسس للعلاج فليس بإصلاح و لا تجديد.
ولا فائدة لنا اليوم من عديد من ما صاغه العباسيون، من نظريات واجتهادات، في شق الإسلام المدني، لأن الذي أنتجها مناخ اجتماعي سالف،فكانت محاولات لعلاج مشكلاته لا مشكلاتنا، ولكل عصر معطيات وتحديات، تفرز تجديدا في الدين يحل الإشكالات،
لأن مرور الزمن يحول كل نشاط إلى هبوط، وكل تجديد إلى تقليد، وكل حركة حية مرنة تتحول عبر الزمن على هامدة رثة متزمتة.
ولكن هذه الحقيقة الاجتماعية على بداهتها؛ لم يدركها المتمذهبون بمذاهب، جعلوها قالبا حديديا للعقيدة، و لم يلاحظوا أن تلك السلفيات التي همشت شروط إقامة الأمة العشرة، قد تهاوت منذ إعلان الدستور العثماني، حوالي سنة 1300هـ و أن حرب الخليج الثانية قد أصدرت شهادة و فاتها سنة 1410هـ (2000م) وغاب عن المحافظين على الصياغة العباسية ، أن تلك السلفيات غير قادرة على أن تنتج خطابا يعالج المشكلات الجديدة. وأنها -إذن- لا تختزل الدين، ولا تحدد آفاق الدعوة إلى الله. وأنها على كل حال؛ ليست ميزانا يوزن به الكتاب والسنة، فلا يقرآن إلا بعيون السلفي العباسي الصالح.

