
إن تحقير جهود المصلحين السالفين، والنظر إلى عيوبهم،عبر النظارات المقعرة،والزوايا الحادة، والدعوة إلى شطب إنجازاهم من ذاكرة الأمة، ليس خصلة محمودة لا في الدين ولا في العلم، فالإنصاف يقتضي الإعتراف بدور الآخرين.
لكن تحديد صورة الإسلام النموذجية، بتجربة في زمان أو مكان سابق، أو تحديد النجاح بإعادة إنتاج نموذج ناجح، في معطيات وتحديات معينة، أو في مناخ وتضاريس متميزة، يحتوي على نظرة اختزال متجمدة،تقدس الأشخاص، وتظنهم تجسيداً كاملاً للأفكار، وتخلط بين المبادئ والأشخاص، وتمنع الأذهان من الحيوية اللازمة، لفهم ذواتنا وفهم من حولنا،فضلا عن فهم الإسلام.
والإسلام لايمكن أن يختزل في الأشخاص، ولا في الصياغات المحدثة، بعد عصر الراشدين.
ومن الضروري اليوم أن تتفتح الأذهان،من أجل ابتكار آليات وأفكار; تنجح في مطاولة التحدي، فالذهن كمظلة الطيار، لايمكن أن تعينه على النزول إذا لم تنفتح، وكذلك مظلة الماشي أثناء هطول الأمطار، لا يمكن أن تقيه الأمطار إلا إذا انفتحت.
ومن أجل ذلك فلابد أن نستمد روح الطموح، التي تغلغلت في شخصيات المصلحين، وتتأسى بها للاستشهاد و الاعتضاد، من السلفيين الأموي والعباسي الصالح والناجح، روح حرصهم علي فهم الحقيقة الدينية، وروح تعمقهم في الحقيقة العلمية، وروح إدراكهم الحقيقة الاجتماعية معاً، فبالحقائق الثلاث، كان ماكان من نجاح،وهذا يعني أن لا نحدد النجاح، في أوعية تجارب معينة.
ب- نقد التراث لايكون إلابروح الولاء والانتماء:
كيف تكون العلاقة بيننا، وبين رموزنا الفكرية والدينية والثقافية، التي أسهمت في بناء المجموع التراكمي للعقيدة والتربية والثقافة الإسلامية، في مختلف العصور؟ هل تكون علاقة تسفيه وتكذيب، وطعن وهجاء، ولوم وتقريع، وإنكار وجحود، وقطيعة معرفية وتربوية،كما هو لسان الحال أو المقال ،من غلاة التجديد و بعض المندفعين فيه؟.
أم علاقة مبالغة إغراق في الإطراء والمديح؟، وتبرير كل خطأ، وعلى اعتبار أن الأصل أن نخطيء و يصيبوا، وأنهم خير منا جميعا تقوى وورعا، وعقلا و علما، ولذلك يجب علينا أن نقصر فهم الدين على منظارهم، وأن لا نجتهد في أمر إلا من خلال أبصارهم ، وأن لا نقول بشيء جديد، إلا بأثارة من علمهم، وأن لا نسلك طريقا لم نجد عليه آثار أقدامهم، ناقلين مقولاتهم ومرددين معالجاتهم، كما هو التيار الديني الشائع المحافظ على الصياغة العباسية للعقيدة والتربية والثقافة الإسلامية،اليوم، الذي لم يركز على سؤال الحرية والتعددية والشورى.
أم أنه لابد من تصحيح ، مفهوم العلاقة بيننا وبين سلفنا العباسي الصالح، لتكون علاقة علمية موضوعية، وكل علاقة علمية فهي نقدية، أي علاقة نقد ومناقشة، لا علاقة تقديس وتسليم، فلا نتخذهم مرجعية، بل شواهد يعتضد بها.
علاقة مراجعة وتمحيص، لا يتهيب الإنسان من أن يخالف غيره إذا ملك الدليل، ولا يتهيب التلميذ من أن يقول لأستاذه: كتابك غير مفهوم، ولا يتهيب المريض من أن يقول لطبيبه: طبك لم يشفني رغم تقديري لإخلاصك وعلمك.
إن المبالغة في التعظيم مرض نفسي اجتماعي، ينتج عن طبيعة المجتمع مقهور، يفضى إلى تقزيم الذات، وتعظيم الماضين، وهو أسلوب احتماء عاطفي، يحاول الحفاظ على الهوية، في عصر الهيمنة الغربية، وهو نبيل الدوافع والنيات والمقاصد، ولكنه عاطفي الوسائل والمناهج.
لا ريب أن للمعلمين والمرشدين والآباء والمفكرين، من الحُداثَى والقدامى تعظيماً واحتراماً وتقديراً. فاحترام جهودهم، شعيرة من شعائر الإنصاف، التي تهدي إليها الفطرة والطبيعة، فضلا عن هداية الشريعة. وبرهم وإحسان الظن بهم سنة حميدة في الدين.
ومن المهم إذن إحسان الظن، وترك الخوض في النيات والمقاصد، فلكل مجتهد من الأجر نصيب، حتى ولو أوقعه الاجتهاد الشرعي، في أخطاء منهجية أو موضوعية، كما نبه ابن تيمية والغزالي، وينبغي التخلص من تصويب البصر وتصعيده على الجوانب الخلفية، أو من خلال الزوايا الحادة، وينبغي ترك الغيبة والنميمة والأحقاد، ونبش الجثت والرفات، التي قد ترتدي رداء الأكاديمية والبحث العلمي والإصلاح.
والتقدير والإجلال الشخصي، وإحسان الظن بالآخرين، وتلمس الأعذار لهم، حق من حقوق الناس عامة، وللمؤمنين حقوق خاصة، وللعلماء والمثقفين حقوق أخص.
ولكن ينبغي بعد ذلك، أن لا نخلط بين تقدير الأشخاص والأعمال، وهما أمران تعودنا على الخلط بينهما، في علائقنا العلمية والاجتماعية، أي ينبغي فصل التقدير الشخصي، عن التقدير الموضوعي.
ففي الاحترام الشخصي نعجب بصلاح الشخص الذاتي، ونيته الحسنة،وإخلاصه وحماسته، وعفته وزهده واستقامته، ونشاطه وحيويته، أما في الوزن الموضوعي، فنعجب بالأعمال الناجحة والنتائج الصالحة، والأفكار العملية. لأنها هي الحكمة التي تؤخذ من أي شخص، وهي علامة الذين آمنوا، لأنهم "عملوا الصالحات".
وعند دراسة الأعمال والأقوال، ينبغي أن يشكر الجيل اللاحق الأجيال السالفة، ويثني عليها، ويذكر محاسن موتاه، ويبرز فضائلهم وفواضلهم .
و ينبغي أن لا يركز على أخطائهم، إلا في مناسبات معينة،تهدف إلى إيضاح الحق الملتبس، مع ضرورة الإشارة إلى الأجواء التي عاشوا فيها، والضغوط التي ألجأتهم إلى بعض الاتجاهات، أو الأخطاء أو النواقص، لأن استخدام معايير حديثة، لمحاسبة الماضين؛ إخلال بالمنهج العلمي الموضوعي،ولا يمكن تطبيق آليات منهج حديث بأثر رجعي، على أناس كان لهم آليات ومناهج وسقف معرفي، لا يمكن أن يحلقوا فوق أفقه، هذه مسألة علمية.
وهناك مسألة اجتماعية، لأن المبالغة في نقد الماضين؛ ترسخ قطيعة مبيرة، بين سلف الأمة وخلفها، تنجرح فيها الذات الاجتماعية، عبر تهديم رموزها الفكرية، فتسقط الأسوة الحسنة في الأمة، لأن التراث جزء من مكونات الشخصية القومية للأمة.
ومن أجل ذلك ينبغي تجديده بروح الولاء والمحبة والانتماء، ولابد إذن من الإشادة بخلاياه الحية، أثناء استبعاد خلاياه الميتة.
ج-محاولة لمعرفة الخطإ والصواب:
من حق أي محافظ اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة أن يقول إن الحنابلة أصابوا، عندما تحدثوا عن (الفوقية والعلو) في مثل قوله تعالى(الرحمن على العرش استوى) فالنصوص التي تدل على أن الله في السماء كثيرة وافرة، ولا يمكن في سياق الكلام العربي تأويلها على العلم، أما حديث النزول فالمقصود في الحديث الحث على قيام الليل.
ولكن ينبغي أن يقال للمحافظين اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة: والكلام في أن الله ينزل بذاته أو لاينزل ، وأن ذلك يناقض الفوقية، لا طائل تحته ولا يترتب عليه عمل. ولم يثره السلف الراشدي الصالح، فالبحث فيه غير مشروع أصلا.
و من حق أي محافظ اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة أن يقول أصاب الأشاعرة عندما فسروا العين بالرعاية، في قوله تعالى ((ولتصنع على عيني)) واليد في قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم"، وقوله تعلى"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" وقوله "على مافرطت في جنب الله" , وقول الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك رينا ... وقوله "بين أصبعين من أصابع الرحمن" فطبيعة السياق اللغوي، تجعل هذا التفسير هو المراد،وقد مدح الله الصالحين، من "أولي الأيدي والأبصار"، ولم يكن المراد إثبات العيون ولا الأيدي، بل إثبات الإرادة والحكمة, ولا يمكن أن يفهم المتمرس بالبيان العربي؛ أن المراد بمثل هذه النصوص، إثبات يد ولا عين ولا ساق , فضلا أن يقول بعضهم أن لله عينين اثنتين.
ولكن ينبغي أن يقال للمحافظين اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة: ما فائدة الانشغال بالتصويب والتخطئة، في قضايا تاريخية، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، كانت تجيب عن أسئلة ماثلة، وإشكالات قائمة، واجتهد الحنابلة عندما تجاوزوا المعنى الأساسي المقصود إلى معنى أضافي، هو إثبات يد ورجل وعين وجنب وقدم لله، وحدا الأشاعرة التنزيه فاجتهدوا عندما تجاوزوا المعنى الأساسي المجازي إلى النفي، وكل في اجتهاده راعى نوازل زمانه حسب إمكانه، عندما دخل هذه المضائق، واجتهادهم لا يلزم أحدا، الدفاع عنه إن كان صوابا، ولا نقضه إن كان خطأ، لأنه ليس لست له أولوية، وليس سؤالا مثارا، فالأسئلة اليوم هي الشيوعية والعلمانية والقومية والوطنية والإمبريالية.
ولكن ينبغي أن يقال للمحافظين اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة: لماذا نخرج اليوم عن المعاني الأساسية المقصودة في السياق، التي يفهمها جمهور الناس، من خلال سنن العرب في الكلام.
ولماذا نشغل طلاب الجامعات وجماهير المجالس والمساجد، ونجرهم إلى الخوض في أمور لا تدركوها، وفي مالا طائل تحته، ولا يترتب عليها عمل.
لماذا يستدعي المحافظون اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة، الخلاف في توحيد الأسماء والصفات, والتصارع المرير حول هذا المفهوم الجديد، والتكفير والتبديع، ويغرقون الناس في شقاق وصراع؛ لا يفيد الأمة إلا مزيدا من الصداع، ومزيدا من البلبلة والأوجاع، وهم أول من يعلم أنه لا يقدم فكراً علميا ولا أولويا ولا قطعيا, إنما هو ظنون تفر من اليقين إلى التخمين.
نؤكد هذا لكي لا تختلط السلفية منهجا هو نجم القطب ؛بآراء واجتهادات خلافية، عند الحنابلة في صياغة ابن الطحاوي،أو عندهم في صياغة الأشعري، سواء في قضايا ظنية ثانوية اجتهادية، استبدت باسم العقيدة.
ولذلك ينبغي أن يحذر المحافظون اليوم-في عصر الامبريالية الغربية-على الصياغة العباسية للعقيدة من أن يجعلوها مسطرة ، يقيسون بها إسلام الناس، ويتخذونها أصلا لبناء فكر إسلامي يقاوم العلمنة والفرنجة.
ليس من الضروري أن يكون دعاة السلفية الموازنة، بين الإصلاح الروحي والسياسي، في عهد الإمبريالية الغربية؛جزءا من معركة قبل ألف عام، حول قضية خلق القرآن ولا حتى حول مسألة الأسماء والصفات برمتها، وليس من أضروري أن نصوب أشعريا ولا من الضروري أن نخطئ خلاليا أو تيميا، ولكن من الضروري أن نقول للجميع: كلكم سلفي أصيل، والسلفية تسع الجميع، فلا تضيقوا على أنفسكم ولا على الآخرين.

