مرض زمنهم القديم و أمراض عصرنا الجديدة هل هما متشابهان؟
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ-لكل عصر معطيات وتحديات:

و المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية، لم يلاحظوا مسألة مهمة، ولا سيما في هذه الفترة العصيبة من حياة الأمة، لأن ثقافتنا اليوم تشكو من أمراض المجتمعات المقهورة وإفرازاتها،وقد تضاعف هذا المرض اليوم فصارت العلة علتين:
المرض القديم: فقدان الحرية والكرامة والعدالة والتعددية، عندما سلب الحجاج وسلالته كرامة الأمة وحريتها وقرارها، وتصرف فيها تصرف الولي الظلوم، باليتيم، عن أمرين:
المرض الجديد: هاجس الخوف على الهوية، من دول غربية، تريد بنظامها الحضاري زعزعة الثقة بالذات القومية بالصدمة الحضارية، وما جرته من اختلال في اتزان النفوس، أدى إلى احتقار كل أهلي موروث، وتعظيم كل وافد جديد، عند أغلب النخب، وإلى التمسك بالموروث، عند عامة الناس، ولا سيما النخب الدينية، دون ميز بين مصباح الكتاب والسنة، وما علق به من تأويل وتحريف، أظهر نماذجه كتب التفسير.
لم يدرك المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية أن المتغير لا بد أن يتغير،لأنه مرتبط بالحركة الاجتماعية للبشر، إذ يحتاج الناس إلى صياغة دينية متغيرة، تواكب حركة التغير الثقافي والاجتماعي والحضاري.
ولم يدركوا أن الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة إنما كانت جواب سؤال، أو إزالة إشكال، أو التصدي لتحد فكري هاجم.
إذا تغيرت الأسئلة والمشكلات والمعطيات، فلابد من أن تتغير الأجوبة والحلول، ولا تكون الحلول مشروعة؛ إلا بالعودة إلى صيدلية القرآن والسنة، من أجل تركيب الدواء وتركيزه، ومن لم يدرك الوقائع الجديدة التي تطرح أسئلة جديدة، فلن يمنع الرياح الشمالية من أن تسفو عليه التراب.
نسي الأتباع المقلدون أن أساتذتهم المجددون أنشأوا فكرا أجابوا به عن الأسئلة المثارة في مطلع العصر العباسي، لأن السلفيات العباسية انحصرت في شق العقيدة الروحي أولا، ثم ركزت على الشق الغيبي ثانيا، من إلاهيات ونبوات وغيبيات، وربما حصرها بعضهم بجزيئات الغيبيات الظنية ثالثا، كإثبات الصفات و الرؤية، وإنكار القول بخلق القرآن (انظر:الزنيدي:51).
لم يدرك الأتباع المقلدون هذه الحقيقة، ولذلك صاغوا العقيدة صياغات ظلت طوال القرون مثار فتن بين المسلمين، في أمور ظنية اجتهادية غير عملية،قوامها الجدل العريض في صفات الله وأسمائه:هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟، هل لله يد وعين وأذن؟ وهل له ساق وقدم وأصابع؟.
ومن المقبول أن يستمر الجدل في هذا السؤال خمس سنين، أو حتى خمسين سنة، أما أن يستمر الجدل خمس مئة سنة، والشعوب تعاني من الفقر والظلم والاستبداد، فذلك خلل فظيع في سياق الأولويات.

ب-لو اطلع رواد السلفيات الأحرار على تلاميذهم اليوم ماذا سيقولون ؟

ترى لو أن الأحرار من رواد السلفيات العباسية والمملوكية والعثمانية الذين جددوا صياغة العقيدة والفقه،في العصور السوالف، ، بعثوا من مراقدهم، وظهروا على تلاميذهم في زمان الأمبريالية الغربية؛ ألا يقولون لنا: أيها القوم! لقد اختلف عصركم عن عصورنا، فبيننا وبينكم قرون، والناس أشبه بزمانهم،منهم بآبائهم وأجدادهم.
أفلا يقولون: لقد درسنا التحديات التي كانت في عصورنا، واستخرجنا لها الأفكار والآليات المناسبة حسب اجتهادنا، وركبنا من صيدلية القرآن والسنة، أدوية ووصفات، تحاول علاج الوباء الذي أمامنا، فإذا نجح علاجنا لزماننا، فلسببين:
الأول: أنه شخص الداء المستجد، و الثاني: أنه استل من صيدلية الكتاب والسنة، خلطات علاجية يمتزج فيها الثابت و المتغير، بنسب عملية لا تقطع الوشائج بين صحة الأفكار، والنجاح في الحقل الاجتماعي.
ألا يقولون لنا: إذا أردتم أن تنجحوا، فشخصوا التحدي الماثل أمامكم، وركبوا له الأدوية المناسبة، حسب المعطيات، ولا تظنوا أن علاجاً قدمه أحمد بن حنبل أو ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب، ونحوهم ومن قبلهم ومن بعدهم أيضا; صالحاً لكل وباء.
ألا يقولون لنا: قد ظهرت لديكم بدعُُ جديدة،وأنواع من الشرك والكفر الأكبر والأصغر عديدة، فعالجوها قولاً و عملا معا، وخلصوا الناس من براثنها، وخذوا من صيدلية القرآن الكريم والسنة، علاجاً لأمراضكم، ولا تظنوا أن العلاج الذي وضعناه، في القرن الثاني عشر أو السابع أو الثالث: صالحاً لكل زمان ومكان، أو صالحاً لكل مريض، فلكل داءٍ دواء، ومن جَهلَ ذلك لم يكن طبيباً.

ج-التلاميذ والأتباع عندما يستثمرون أساتذتهم لصناعة مذهب:

المشكلة ليست في رواد السلفيات العباسية والمملوكية والعثمانية، الذين أعلنوا أن صياغتهم محكومة بمعيار، وأعلنوا أن السلفية المحتذاة، هي المصباح في الزجاجة والمشكاة.
بل المشكلة في التلاميذ الذين لا يتصورون أن ذالك الرائد أو ذاك، كان مجددا في حدود زمانه ومكانه وإمكانه، وأن أقواله وأفعاله وصياغاته اجتهاد، وليست هي الميزان ولا مقياس، إنماهي موزون ومقيس. التلاميذ الذي حبسهم فرط الإعجاب عن النظرة النقدية؛ أمثال هؤلاء اليوم هم الذين حولوا السلفيات التي فرطت بمبادئ السياسة الشرعية ووسائلها العشرة إلى ميزان, يزنون به الإيمان، فاعتبروا الصياغات العباسية صالحة لكل زمان و مكان، فدفعهم ضيق الأفق، إلى إعادة إنتاج الصياغة القديمة.
وقد ساعدت المحافظين على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية، عدة عوامل على ترسيخ الخضوع لفرعنة سلالة الحجاج القديمة وهيمنة الغرب الحديثة، وأهمها النفط الذي شجعت مضخاته دور النشر و المطابع، من أجل التعلق بالأجداد والتشبث بالبيت القديم ، فنشطوا في نشر المخطوطات والمطويات، تحت عناوين (كنوز التراث)، وعناوين السلف الصالح، والسنة والجماعة.
وأعادت تيارات الفكر الديني المحافظة على الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة الإسلامية؛ ولا سيما خلال العصور المملوكية والتركية؛تشكيل الأئمة السابقين، على الوجه الذي يعضد آراءها.
وأكثر من اختلف الناس في آرائه الإمام أحمد بن حنبل، على الرغم من أنه نهى تلاميذه عن كتابة فتاواه وآرائه، لكن تلاميذه كتبوا عنه وأكثروا، وقدموا شخصيته العلمية بصورة مضطربة متناقضة، ففي كثير من المسائل له قولان، حتى في أصول الفقه.
بل إن ذلك وصل إلى صياغة الجانب الغيبي من العقيدة، فقدمه تلاميذه المختلفون ظهيرا لهم؛ في اتجاهين مختلفين، فقد ادعى مذهبه الذين ركزوا على إثبات صفات المخلوق للخالق: كالوجه والعين واليد والساق، كما فعل ابن تيمية وابن خزيمة والبربهاري. كما قدمه ظهيرا لهم؛الذين كزوا على ماسموه تنزيه لخالق عن صفات المخلوق: والذين اعتبروا الوجه والعين واليد والساق؛ تعبيرات مجازية عن الكل والقدرة والكرم والهول، كالأشعري وأبي الوفاء ابن عقيل، كما بين ذلك ابن الجوزي.
والذي لايدرك السنة يتصور أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يجلس كل يوم يعلم الصحابة هذه السفسطة فيقول: إن لله وجها ويدا وعينين وصدرا وساعدا وفخذا وساقا وقدما وجنبا،وإن معناها كذا(على رأي البربهاري)، أو كذا وكذا (على رأي الأشعري).
وجاء المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية فاعتبروا اجتهادات الجيل السلفي العباسي الصالح وإضافات العصور المملوكية والتركية؛ هي الأصل، فلم يروا الشريعة إلا بعيونه، ولذلك أوجبوا على الناشئة، أن لا تفهم الأصول إلا كما فهمها ذلك الجيل، في مسائل العقيدة خاصة.
فادعى كل من الأشاعرة والتيمية أنهم الصواب، وعتبر الفرقتان المنتسبتان للإمام أحمد بن حنبل؛ أن ما قاله ابن حنبل هو الأصل، على أنهما أعادا إنتاج الإمام، ولذلك صارا فرقتين، وأضافتا إلى ماقال الإمام شروحهما وتفريعاتهما، واعتبرتا ذلك هو قول السلف الصالح، واحتمتا بهذا المصطلح: السلفية وبالإمام أحمد، وأعلنتا الالتزام بالأصل، ليكون راية لنشر ماسمي بمذهب (الأشاعرة)، أومذهب (الحنابلة)، ودفاع عن الغزالي ضد ابن تيمية، أو ابن تيمية ضد الغزالي.
بل هناك ما هو أخطر من ذلك، وهو أن المقلدين يضيفون إلى تعصبهم لأساتذتهم أيضاً، بما لهم من صواب وخطأ، وآني ومعياري، أنهم يعيدون تشكيل أساتذتهم تشكيلاً بخلاف الأصل الذي كانوا عليه، من أجل الاحتجاج بهم، عبر تكبير بض آرائهم وتصغير أخرى، وعبر انتقاء بعضها وطمس أخرى.
دون ملاحظة أن تلك الصياغات في زمنها، ربما كانت ناجحة وتجديدية، في حدود معطيات وتحديات عصورها، ولأن أي فكر تجديدي، إنا هو طبخة غذاء وخلطة دواء، إذا أعيد إنتاجها جملة وتفصيلا، لعلاج أدواء مكان أو زمان مغاير، تصبح تقليدية، لاسيما و جميع السلفيات المحافظة، قد أخلت بنظام العقيدة المتوازن.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى تذكر أن السلفية بوصلة تشير إلى قطب وليست القطب نفسه، هذا التصور ينبغي ترسيخه، لأن التحديات أكبر، واتجاهات التجديد أكثر، وتجاوز الأصول صار أخطر، وعجز الصياغات والمعالجات العباسية صار افظع، بذلك تصبح سلفية المصباح والمشكاة هي نجمة القطب وبوصلتها.
ليكون أساسا للعقيدة والثقافة: إن تقديم الثانويات على ، و الغفلة عن لصياغة العباسية للعقيدة على امتداد القرون، اختلطت فيها أفكار تجديد ودراية، بأفكار تقليد ورواية، فلم يكن منتسبوها بدرجة واحدة من الاقتدار، على إجابة سؤال التحدي، ولم يكونوا بدرجة واحدة في مستوى استلهام الكتاب والسنة، ولم يكن رموزها بدرجة واحدة من الرسوخ في العلم، ولم يكونوا بدرجة واحدة من القدرة على تجديد الدين. للعقيدة والتربية والثقافة الإسلامية.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو