
وكان دعاة السلفية الموازنة بين إقامة العدل وإقامة الصلاة في هذا العصر عصر الهيمنة الغربية، كالكواكبي وحسن البنا وسيد قطب ومحمد المبارك، يبينون شمول العقيدة، ولا يجدون ضرورة لتفكيك الصياغة العباسية، أخذا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن استشراء السلفيين المحافظين على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية اليوم، يدعو إلى الانتقال إلى الجدال بالتي هي أحسن، من خلال علوم العقيدة والفقه والمقاصد وأصول الفقه والسياسة عموما والسياسة الشرعية خصوصا.
من أجل بيان أن الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة والتربية، صورة سلفية مقيسة وليست هي السلفية المقياس.
وأننا في عهد الإمبريالية الغربية؛بحاجة إلى صياغة جديدة للعقيدة والثقافة، تركز على شروط إسلام الدولة العشرة: كالحرية والهوية والقوة والعدالة والمدنية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد.
واقتنص المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية ؛ أقوالا للأئمة ولرموز لإشاعة اليأس في الأمة السلفية، واستدعوا نصوصا عابرة لأحمد بن حنبل والشافعي ومالك وابن تيمية والجويني وابن القيم وابن قدامة والقرطبي وعبد الله بن سهل التستري وابن رجب وعبد الله بن أحمد، ولم يفطنوا إلى أن أقوال السلفيين ليست حجة على نص القرآن والسنة.
فالسلفيات الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية، ليست هي المرجعية، وإنما هي حركات وصياغات ومعالجات تنتسب إلى السلفية، فأقوال رموزها وأفعالهم تساق للاستشهاد بها والاعتضاد، وليست هي السلفية نفسها التي عليها الاعتماد، فالسلفية التي عليها الاعتماد هي نص القرآن والسنة، وهو مصباح يتجلى ضوءه في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة.
الثاني: أن السلفية هي تحكيم نص القرآن والسنة، وهو مصباح يتجلى ضوءه في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، فليس نصا معزولا عن الواقع، أو حمال أوجه مفتوح.
أن هناك أفكار عديدة قال بها بعض رموز السلفية العباسية، ليست الخوض فيها محط إجماع رواد السلفية العباسية الأوائل، كمعركة:القرآن مخلوق أوغير مخلوق، أو القول بأن آيات الصفات غير الصريحة مجازية أو حقيقية لا مجاز فيها.
ونسي المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية أن من الخطأ العملي، أن تقدم كل الاجتهادات السلفية أشعرية وتيمية ووهابية ؛ على أنها هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأن لها من الآثار والمواقف والأولويات، ما لا يجسد الشعار السلفي: ماأنا عليه وأصحابي، ونسوا أن من الخطأ أن تقدم تلك الاجتهادات، طوال العهود العباسية والمملوكية والعثمانية، على أنها المحجة البيضاء، التي لا يزيغ عنها إلا مبتدع،
وحيث إن السلفية المعيار هي نص القرآن والسنة، وهو مصباح يتجلى ضوءه في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، ينبغي وزن أعمال السلف العباسي والمملوكي والعثماني الصالح بهذا المعيار، فليس ميزان السلفية ما قال أحمد بن حنبل أو الأشعري، ولا ما قال ابن تيمية أو الغزالي، ولا ماقال محمد بن عبد الوهاب أو سيد قطب، بل الميزان هو قال الله وقال الرسول، قال الصحابة السابقون، كما قال ابن القيم نفسه:
العلم قال الله قال رسوله× قال الصحابة هم ألو العرفان
وفي هذه المقالات دفاع عن المفهوم السلفي وعن السلف العباسي، الذي استتثمروه لا فتة لهوان الأمة، ووأد كرامتها وحريتها، أمام القوى الإمبريالية. ولكن المقصود الأساس، هو بيان أن الإسلام هو أساس نهوضنا.إذا تجاوزنا الصياغات التاريخية، وعدنا إلى نص القرآن والسنة، وهو مصباح يتجلى ضوءه في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة.
ب-لكي لا تصبح السلفية توحيد الأسماء والصفات:
ما قيمة وميزة التأكيد على الفصل بين المقياس والصور، التذكير بأن التطبيق النبوي و الراشدي هو المرجعية والميزان، وأن السلفيات التوالي إنما هي كواكب توابع، تدور في مدار؟، هناك ميزات و أسباب مهمة.
أولها: لكي لا نجعل نص القرآن والسنة نصا مبهما، لا يفك مكنونه وإبهامه إلا بعيون نفر من الجيل السلفي العباسي الصالح، الذي تأثرت أفكاره وانحبست مواقفه ومعالجاته وصياغاته؛ بالأفق السياسي والاجتماعي والمعرفي العباسي.
مثال بسيط على نصب هذا الميزان أن للرعيل السلفي العباسي الصالح أخطاء ليست قليلة، ألجأتهم إليها أحوال الاختلال الاجتماعي والاستبداد. أنه لا يمكن أن يقال لكل الذين خاضوا في صفات الله كالكلام، من للرعيل السلفي العباسي الصالح، من من جمدوا على ظاهر النص، ولو كانت طبيعة الكلام العربي تقتضي المجاز، أو من من أسرفوا في التأويل، أو من من آل بهم التنزيه إلى التعطيل، إن رأيكم أفضل و أسلم وأحكم من السلف النبوي والراشدي ، بل ينبغي أن يقال إن ما قلتم اجتهاد يثمن في بابه وسياقه وزمنه ومكانه، ولكن اعتباره مسطرة للعقيدة في كل زمان ومكان، إلزام بما لا يلزم.
و لكي يتبين للناس أن مرجعية ابن تيمية ونحوه في ما سموه توحيد الأسماء والصفات هي فقه الصحابة، فإذا قال سلفي معتزلي(معتدل)عباسي أو غير عباسي،إن القول بخلق القرآن من أصول الاعتقاد، أو قال سلفي حنبلي إن القول بعدم خلق القرآن، من أصول الاعتقاد، قلنا: هذا سؤال يسعنا ترك الإجابة عنه، كما وسع الصحابة، فلماذا تجعلونه مسطرة تقيسون بها الإيمان والكفر.
ج-لكي لايصبح المصباح نصا حمال أوجه:
وميزة أخرى مهمة لا يعيرها كثير من الناس التفاتا؛ هي أن ننتبه إلى أثر الإطار السياسي والسياق الاجتماعي والثقافي في إنتاج الأفكار والمواقف وترتيب الأولويات والاهتمامات، وأن الإطار السياسي الراشدي كان حاضنا، التكامل والتجانس، وأن مواقف الصحابة إذن كانت أقوالا و أفعالاً، محمية بإطار الحكم الشوري ، الذي هو حقل تطبيق الإسلام النموذجي، فضوء المصباح قوي، يزيده قوة انحباسه في مشكاة العهد النبوي تحديدا، جعلته فقه توازن و اختيار، تصد عنه الزجاجة رياح الأهواء.
في العهد النبوي والراشدي كانت الحرية، فلم تحفل حياتهم بأقوال الضرورة ومواقفها، ولم تتأثر أفكارهم بجو الحكم الجبري الجائر، الذي خلخل الأفكار، فآل إلى خلخلة نظام العقيدة، عندما سلب الناس ضبابه القدرة على تحديق الأبصار، وسلبها اضطرابه القدرة على التوازن، وأفقدها خوفه صلابة الأفكار، ولم يكن العلم في الحقل الراشدي مترفا ولا فارغا، وإن كان غير كثير ولا دقيق، فإنه بروحه العملية كبير جليل.
وميزة أخرى وهي أن كل منتسب إلى الإسلام يدعي أن مرجعيته هي الكتاب والسنة، سواءا أكان غاليا كالخوارج، أم محكما الهوى القاصر في الصريح الورود والدلالة من الشريعة، و لو سمي هواه عقلا، ناسيا أن العقل هو ما استند إلى التجريب و الحس والبرهان، أما ما استند إلى الحدس، فقد يداخله الهوى ونقص الخبرة وأمشاج من المس وهواجس النفس، كقدامى المعتزلة، ومدرسة نجم الدين الطوفي، ومعيدي إنتاجها من غير المتبصرين بأصول فقه الكتاب والسنة، وهؤلاء يسوقون الآيات والأحاديث، ويغرون الناس، وليس لكل الناس قدرة على النظر والبحث، وضبط التنظير بجيل النموذج، كوضع السراج في مشكاة، يركز الضوء ويقويه.
لكي لا يصبح القرآن نصا مفتوحاً للتأويل الفاسد، عند المترهبنين، الذين يعيدون تشكيل نصوص الشريعة، لتشكيل سلفية متدروشة، تفصل شروط إقامة الصلاة، عن شروط إقامة العدل وإسلام الدولة والمجتمع العشرة، وشعارها"إمام ظلوم خير من فتنة تدوم"، أو شعار"الصلاة خلف الإمام الجائر"، فتسقط من كتب العقيدة مبدأ العدل عموما وعدل الحكم خصوصا، وهو أساس صلاح الأفراد والجماعات والدول.
وميزة أخرى لكي يتبين للناس أن مناهج التربية والتعليم التي جرى عليها الرعيل السلفي العباسي الصالح، لم يكن فيها الحصاد ، بقدر الجهد المبذول ، وأبرزها منهج تعليم القرآن الكريم، الذي تحول عبر الأجيال إلى منهج تخدير وتنويم، وتغن بالأصوات وترنيم، ولم يستطع إنتاج كوادر الإدارة والقيادة، التي أنتجها منهج تعليم القرآن في العهد النبوي و الراشدي، كما فصل الباحث ذلك في كتيب"تعليم القرآن الكريم:منهج الصحابة أم منهج التابعين؟".

