تطبيق ميزان:'ما أنا عليه وأصحابي' على الصياغة السلفية العباسية للغيبي من شق العقيدة الروحي، الفرق بين ما رأوه وما رووه
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ- الصوغ العباسي العقيدة ركز على الإلحاد الغيبي:

لسنا هنا في ميدان تقييم تاريخي، بل في مجال تقييم ما ذا نحتاج إليه من تلك الجهود المبرورة المشكورة المأجورة بإذن الله.
كان أكبر نشاط للسلفية العباسية؛ بعد تدوين نصوص المصباح ومسرحه النبوي والراشدي ، في صياغة الجانب الغيبي من شطر العقيدة الروحي، لأنها جنحت إلى التوسع في الروحي، والاختزال في المدني،
وتأثرت كتابة العقيدة على مر العصور، بالصياغة العباسية، فعانت من اختلال نظام العقيدة، وهذا هو أهم الأسباب، التي جعل تيارات السلفيات الحديثة المتوازنة، التي ركزت على أن العدل أساس قوة الأمة الملة.؛ ينأى في ما صدر عنه من أبحاث عن اعتماد تلك الصياغة، ولقد كان تيار السلفية المدنية، يعاني عنتا من التصريح بذلك، ولذلك سمى سيد قطب كتابه (التصور الإسلامي) ولم يسمه(العقيدة)، مع أنه عالج مسائل أساسية في العقيدة.
لقد صاغ الجيل الرائد من العلماء العباسين؛ صياغة آنية لعلها ناسبت أولويات تحديات زمنهم: اتسمت بأمور، لعل أهمها ثلاثة أمور:
الأول:أن تجيب العقيدة على الأسئلة والتحديات والإشكالات التي طرحها امتزاج الأجناس وتماس الثقافات. وحيث إنهم يعيشون عصر قوة الدولة الإسلامية؛ لم يكن هاجسهم ما يشغلنا اليوم من التركيز على مبدأ: العدل أساس قوة الأمة والملة.
الثاني: صاغوها من خلال منهج علم الكلام، واستوعبوه استيعابا مدهشا، واستطاعوا عبره تنظيم الأبحاث والرد على الفلاسفة الملحدين، وعلم الكلام علم كالعلوم الأخرى؛ لا يذم لأن أحدا أساء استعماله،فهو علم محايد(انظر في أصول الحوار:طه عبد الرحمن:68)، ولكنه علم لا يناسب صياغة العقيدة في كل حين.
الثالث: تأثر صواغ الشريعة بالخلفية المعرفية، وما شفت عنه من ضغوط المناخ الكسروي الصحراوي، فلم يثمنوا شروط إقامة الحكم العادل فوأدوا الحرية وهمشوا شئون شق العقيدة المدني فهمشوا العمل المدني الصالح كالتقنية والاقتصاد على متن القيم الروحية.
ولم يجرؤ من بعدهم في عهود شيخوخة الحضارة ورسوخ التقليد، على محاولة تفكيك الصياغة العباسية للعقيدة، وكشف إمدى خلالها بنظام العقيدة.
وبعد انقضاء المعركة ومرور الزمن، تكرس مفهوم العقيدة في هذه الأجوبة، الغيبية والروحية فتحولت (العقيدة) الشاملة في نص القرآن والسنة وحقل تطبيقهما النبوي والراشدي؛ إلى بحوث غيبية تجريدية جافة، همشت الشهادة على متن الغيب، وخاضت في ركزت التوحيد في غيبيات ظنية، صكت لها مصطلح (توحيد الأسماء والصفات)، وكفرت من لايؤمن بهذا التوحيد وقمعته.
ولم تنتبه الحركات السلفية المعاصرة المحافظة على الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة والتربية؛ في عصر الإمبريالية الغربية، إلى ما في تلك الصياغة، من إخلال بنظام (العقيدة) في المنهج والمادة والروح.
إن علينا اليوم أن نحتكم إلى الأصل: وهو نص القرآن والسنة في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، لكي لا نستدرجنا شعارات (كالسلفية) إلى مصادرة الإسلام،ولا سيما في شق العقيدة المدني والسياسي.
ولكي ندرك أن السلفيات بعد العهد الراشدي؛ إنما هي معالجات و حركات و دعوات مباركات، ولكنها ليست هي الإسلام الصالح لكل زمان و مكان، ولكي نعرف ما نأخذ من الصياغة العباسية وما نترك، فهناك أمر أنجزته السلفية العباسية، لا يشاركها فيه أحد، هو تدوين الحديث، وأمر أنجزته وشاركتها في إنجازه وبلورته فرق أخرى كتيارات الاعتزال المتأخرة هو منهج فقه الكتاب والسنة؛ هذا المنهج الذي بني على استقراء الكتاب والسنة، وتطبيق سيرة المصطفى والراشدين.
هذا المنهج هو البوصلة اليوم التي تهدينا إلى هذا المنهل الصافي،لكي لا نخرج عن مدار الدين، فالكوكب الذي ينفلت من مداره لن يجد غير الهلاك.
أما المشاريع أو البرامج والمعالجات والصياغات السلفية العباسية؛ فإنما هي حركات لها سياقها التاريخي، ولكل منها دور مرحلي، لا ينبغي تكراره أو اجتراره في كل مرحلة. والدين ليس محددا بحدود فهمهم، وتطبيقه ليس مؤطرا بأطر بيئاتهم.
الصياغة السلفية العباسية لعلم التوحيد؛ صياغة نسبية ومعينة لنا إن فرزناها، وانتخبنا خلاياها الحية وتجاوزنا الميتة، ومعيقة إن قلدناها وطبقناها بحذافيرها.
وهذا يتطلب منا جميعا، أن نتجرد من الخصومات القديمة، وأن ندرك أن جوهر كل حركة أو دعوة يتسمى بالسنة أو السلفية؛هو ثلاثية النص مصباح القرآن والسنة في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة سنن الله في الإنسان والطبيعة، لا الفكر لا الفرق ولا المذاهب، ولا الصياغات والاجتهادات.
و للسلفيين العباسيين الأوائل فضل كبير؛ في محاولة إبعاد المنهج التجريدي اليوناني، عن أن يكون إطارا لفهم القرآن والسنة، وفضل كبير في لجم تيارات الزندقة والخروج عن النص، لقد قامت بدورهم في المحافظة على روح الإسلام الأصلية، ومدافعة ألوان البدع والمحدثات، وهذا دور انتهى بإنتهاء التحدي، فالتحدي ظاهرة عباسية، أفرزها تيار الاعتزال الذي بدأ مغاليا في العقلانية ، كما يقول محمد عمارة ""أشاع الفكر الفلسفي في العقيدة واستهان بالنصوص"" (موسوعة الحضارة:2/383) (الزنيدي:138).
لقد انبهر المعتزلة و اهتزت رؤسهم، عندما اطلعوا على تراث اليونان، فاختل في أذهانهم الميزان، و لم يدركوا الفرق بين العقل التجريبي والحسي والبرهاني، الذي أرشد إليه القرآن، و العقل التجريدي و الحدسي الذي استند إليه اليونان في خريف فكرهم.
ولكن من الإنصاف أن لانضيق من الاعتراف بأن الجو العباسي القامع، أغطش الرؤية السلفية في بعض الجوانب، وأن رد هجوم المعتزلة، دعاها إلى التقليل من العقلانية السياسية، وحذف شروط إقامة الدولة العادلة من مدونات العقيدة، ومصادرة محور العدالة،من أجل محور الصلاة، فانتقلت شروطها من أصول الدين إلى فروعه، الصياغة السلفية لشق العقيدة الروحي في مجال الغيب، ركزت على المشكلات التي طرحها غلاة المعتزلة والقدرية والزنادقة والوثنيون، كما في الكتاب المنسوب إلى أحمد"الرد على الزنادقة".
من أجل ذلك لم يكتب العباسيون عن الطواف حول القبور-رغم حضوره- ولاعن التمسح بالأشجار والأحجار، لأن سؤال القبور لم يكن جوهر النقاش، ولعله لم يكن بارزا، على شكل ظاهرة اجتماعية.
وهذه القضايا ليست مجال الجدال اليوم.من أجل ذلك دعت السلفيات الحديثة المتوازنة إلى الاكتفاء بالنصوص القطعية، وترك أي اجتهادات من قبيل الرأي لا تفضي إلى عمل، مجالا للمعارك الفكرية، والتوازن بين محوري العدل والصلاة.

ب- عين الرضا عن كل عيب كليلة:

و لكن الصياغة السلفية العباسية ترتيبا للغيبي من شق العقيدة الروحي إنما هي معالجة لإشكالات كانت فزالت، ولكن الزعم بأن الصيغ العباسية للثقافة الإسلامية، هي -وحدها- هي السنة, إنما هي غفلة عن مؤثرات الزمان والمكان، وتعميم لنموذج معالجة محلي أو آني، ووضع له في خانة المرجعية، وإدراج للوسائل والصياغات المتغيرة، في بوتقة المبادئ الكلية الثوابت.
لقد عقدت الصياغات العباسية على الناس فهم التوحيد، عندما صاغت التوحيد بمصطلحات كلامية، لا يسير في غاباتها إلا متفلسف، ومثل هذه الصياغة ينبغي أن تطرح اليوم، ولو رفعت فوق كتبها لافتة السلف الصالح، والسنة والجماعة، لأن هذه الصياغة، عندما تقدم اليوم حلولاً لتحديات العلمنة و العولمة و الأمركة و الأوربة لن تحل مشكلة.
و هي فكر يكثر الجدل في مالا يترتب عليه عمل، تخالف مقتضى الشعار الذي أعلنته "ما أنا عليه وأصحابي"، فالنبي وأصحابه طبقوا العقيدة نظاما تكامل شطراه الروحي و المدني معا، وتوصيفات الفرق العباسية، معتزلة وشيعية، وأشعرية وحنبلية؛ أخلت بهذا النظام، ولكنها معذورة، لأن السياق السياسي القامع، جرها إلى هذه المسالك، وبين الفعل ورد الفعل انطفأ الاعتدال.
والكلام في الصياغات السلفية العباسية لمسائل العقيدة طويل، وتقييمه وتقويمه يحتاج إلى تفصيل،(قاربته مقالات كتب المصباح والعديلين والجناحين)، وخلاصته أن إجمالهم في الجانب الغيبي من شق العقيدة الروحي لاغبار عليه، ماعدا ما خرج به بعضهم عن النص الصريح القطعي، إلى تفصيلات اجتهادية ظنية،غير عملية ولا ذات أولوية، كما نبه الشاطبي والشوكاني.
وينبغي أن يتذكر المحافظون على تلك الصياغات اليوم-في عصر الإمبريالية الغربية- هذه الأمور لكي لا نضرب الاتفاق على الأساسيات بالاختلاف على الثانويات.
فقد كان المناخ العباسي منتجا للأحقاد والاتدابر والتباغض-كشأن كل حكم قمعي-فكثرت خلافاتها، في أمور اجتهادية، وثار الصراع بينها في أمور اجتهادية غيبية، ظلت تتناقش في عالم الغيب، أكثر من تناقشها في عالم الشهادة. وهذا جعل التيارات المتشددة تكتب ألوف النسخ، في ما يسيء إلى السلام الاجتماعي والوفاق، فكفر بعضها بعضا، وقمع بعضها بعضها، واستثمرها الاستبداد، في اللعبة:فرق تسد، فصار كل فريق يغلب يقمع مذهب غيره.
على كل حال هم يجتهدون ويخالفون أحيانا من قبلهم، ومن حق من بعدهم أن يدلي بدلوه، وكلمة أبي حنيفة هي النبراس، عندما ليم على مخالفة بعض التابعين: "نحن رجال وهم رجال"، هذه الكلمة التي يمكن أن نستنبط منها بسهولة: وكل من أدوات الاجتهاد علما وعملا من الخلف رجال. ويمكن أن نستنبط منها أن السلفية بوصلة تشير إلى نجمة القطب: الذي هو المصباح والمشكاة، وذلك نجم ذو بوصلة مفتوح لكل من ملك أدوات الاجتهاد علما وعملا.
وفهم هذه الأصول والتفريع عليها، ليس وقفا على سابق دون لاحق، والرسرل صلى الله عليه وسلم يقول "رب حامل علم إلى من هو أوعى منه"، ويقول ما معناه: "أمتى كالغيث الماطر، لا يدرى الخير في أوله أم في الآخر".


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو