الصراع مع الفرعنة و الثقافة الأجنبية أنهك السلفيات العباسية
20-8-2007
كتاب السلفية الوسطى
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
أ- القلعة القامعة سياسيا لا تنتج إلا فكرا محاصرا:

كان السلف العباسي الصالح، حريصا يعيش في مناخ سياسي قامع، اضطره إلى أن يقصر إبداعه على الرواية، فركز على تدوين النص/المصباح ومسرح تطبيقه.
ولا بد أن نفرق اليوم بين ما رووه وبين ما رأوه، لكي لانتصور صياغتهم للعقيدة والثقافة والتربية مسلمة لاشية فيها، فقد ألجأهم مناخ القمع إلى إلى وضع شروط عدل الدولة وإسلامها العشرة، في إيط إسلام الفرد المدنية وإبط إيمان الفرد والغيبية.
كما نجد ذلك واضحا في كتاب السنة للبربهاري، والطحاوية للطحاوي، وهم مثل غيرهم من الفرق؛ لم يستطيعوا تنقية كتب التفسير (كالقرطبي و ابن جرير و ابن كثير) من الخرافات و الترهات، والآراء الهشة والانطباعات الرخوة، التي لا قيمة لها في ميزان صحيح علوم الإنسان والطبيعة.
وكان ثمة جدل أكثره عقيم حول العقل والنقل، فلا السلفيون حددوا النقل بأنه الصريح من المصباح الذي ثبتت صراحته في الزجاجة أو المشكاة، ولا المعتزلة حددوا العقل بأنه صحيح علوم الإنسان والطبيعة، ولو فعلوا ذلك لكفى الله المتنازعين شر الجدال.
فليس للفلاسفة، بله المعتزلة امتياز احتكار العقل، مفهوم العقل في العصر العباسي لم يكن دقيقا، فالعقل المسلم به هو صحيح علوم الإنسان والطبيعة وهو الحسي والتجريبي والبرهاني، أما كثير من هرطقات الفلاسفة، فإنما هي أوهام الأهواء، لاسيما ونماذج العقل، عند أمثال ابن رشد، إنما هي تقليد ونقل واجترار للفكر اليوناني التجريدي وتكرار، ليس عليها أثر النقد فضلا عن الابتكار، فليس كل ما نسبوه إلى العقل معقولا، وإن ادعوا العقلانية، لأن العقل مفهومه إنما هو بوصلة، كما شهد القرآن، ولذلك تأتي مرادفاته النظر والتفكير والإبصار والتذكر، ولكنه بوصلة برهانية حسية تجريبية، وليس بلبلة تجريدية، ولا فرملة صحراوية.
ولعل من المفيد لنا اليوم أن نفرز بين المعياري والنسبي في الصياغة السلفية لنتأمل ما حافظ عليه، فإن حافظ على مبادئ وكليات قطعية ثابتة، فالمحافظة عليها واجبة، وإن حافظ على أمور طبيعتها التغير بين الأجيال، أولم يفرز من الوقائع والنصوص ماهو مطلق عن ماهو نسبي، وماهو من الوسائل من ماهو من المبادئ، لنكتشف أن رأي مالك في رفض توحيد وتدوين أحكام القضاء، اجتهاد غير صحيح، وإن كان مالك معذورا و مأجورا بإذن الله.
وأن نفرز ماهو قطعي ثابت من مبادئ الدين، من ماهو اجتهاد فردي لصحابي، ولوكان راشديا، عندما نكون أمام قول الإمام مالك لمن سأله عن معنى الاستواء: »الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب"، فهذا هو منهج السلف الذين نزل بينهم المصباح، أن يشغلهم العمل عن الشقاق والجدل، في الكلام عن الأمور الغيبية التي لم تفصلها النصوص، ولا يترتب عليها عمل.
ولكن جبه السائل أو ضربه أو إهانته، إنما هي معالجة فردية انطباعية، كما في بقية قول مالك للرجل الذي سأل عن الاستواء" السؤال عنه بدعة،أخرجوه عني فإنه رجل سوء".ولعل مالكا أراد اتباع عمر بن الخطاب لما ضرب صبيغا، عندما سأل أسئلة منكرة.
ولكن عمر رضي الله عنه كان في بداية التماس، وقد اجتهد في إغلاق هذا الباب، ولكن هذا الباب لم ولن ينغلق بسيوف ولا رماح، لأن الفكر لا يحارب بسلاح من خارج منظومته، فكيف سنقنع الناس بفكرنا، إذا كنا سنقول للسائل: أنت مبتدع، أو أنت رجل سيء، حكمنا فيك أن تضرب بالجريد و النعال-كما ينسب للشافعي-. وليس تصرف عمر ولا مالك ولا الشافعي قاعدة شرعية من قواعد الدعوة لكي نتمسك بها باسم السلفية،
بيد أن صياغة العقيدة والثقافة في منحاها الصافي، الذي جسده الرواد كالشافعي و محمد بن الحسن، تمت في ظلال الصراع، ومناخ التوتر و الاستبداد السياسي والفكري، وفي مناخ خلفية معرفية وحضارية محدودة، فغلب على كتابها أسلوب الدفاع عن (القلعة المعاصرة)، فجاءت صياغة حذرة من الاختراق.
ولذلك سمات ينبغي الفطنة لها: منها أنها ركزت على جانب فكر الرواية فقلت عندها الدراية،إذ إن انعزال الفكر عن صخب الحياة الاجتماعية و السياسية، أفقده الحيوية والمرونة والاستفادة من المعطيات وحلول التحديات، كما أنه ظل مسكونا بهاجس الحذر من كل شيء، يتصل بالسلطة أو العقلانية،-وهو في ذلك معذور- لأن السلطان كان جبارا جائرا، ولأن مفهوم العقل كان يونانيا، من أجل آلت به كراهية العقلانية اليونانية، إلى الإزراء بالعقلانية جملة وتفصيلا مع أن القرآن قرر أن العقل هو أساس الهداية من الضلال، فهمش العقل العملي والتجريبي والحسي ، ولذلك لم يكن لرموزه -بعد العراك المعتزلي/السني سبق في الإبداع المعرفي.
بدأ هذا التيار الصافي برسالة للشافعي، ولكن رموزه شغلهم تدوين الرواية، عن جانب التأمل والإنتاج والدراية، ومتأخروهم عايشوا شيخوخة الفكر والحضارة، فلم يستطيعوا إنتاج فقه مدني ولا سياسي كاف.

ب-استطاعوا-بعزلتهم وتدوينهم النص- منع الفرعنة من أن تتشرعن:

و لم يكادوا يخرجوا عن دوامة ردود الفعل إلا قليلاً، لأن الموجات التي اندفعت عليهم، أقوى من طاقتهم، ولأن أوائلهم لم يستوعبوا علوم الإنسان والطبيعة التي جدت موضوعاتها ومناهجها عليهم، فلا نكاد نجد فكراً عقلانيا عميقا، قبل الغزالي وابن تيمية وابن خلدون والشاطبي، فلم يكن لهم نشاط كاف للتأسيس المعرفي.
كما أن الاتجاه الصافي لم يستطع أن يكون حضنا اجتماعيا، تنمو فيه قيم الحياة المدنية، والروح الجماعية، والحيوية والتفكير المنطقي، والمعرفة التطبيقية، فضلا عن شروط إقامة عدل الدولة وإسلامها العشرة.
ومن خلال استعراض مذاهب أسماء النابغين في الفلسفة والكيمياء والطب والرياضيات، ندرك هذه الحقيقة.
ولذلك ظل أكثر رواد السلفية العباسية محافظا، يناقش الأفكار بأسلوب القلعة المحاصرة، وغلب عليهم الحذر من المعرفة الجديدة، ولذلك كثر فيهم التحذير من الجدل ومن علم الكلام، ولم يكن مسلكهم تطبيقا معياريا لقاعدة شرعية و لا موقفا نقديا معرفيا، لأنه هذه الثقافات لن يتوقف جريانها عبر أسلوب القلعة المحاصرة، بل عبر أسلوب "ادخلوا عليهم الباب"، وهذه المسألة التي يثير بعضنا اليوم حولها الجدل، من بديهيات علم الاجتماع المعرفي.
ومن أجل ذلك فقد تلونت الثقافة الأصلية أيضاً بهذه الروافد.
ولأن مصباح القرآن والسنة، لم يوضع في مشكاة حقائق علوم الإنسان والطبيعة؛ صار العالم والفقيه يسشتهد بالقرآن والحديث، ولو كان ذلك لإنكار كروية الارض، أو لإنكار حقيقة الكيمياء، أو الإثبات أن التفكير مركزه القلب لا الدماغ، فظهرت فجوة متوهمة بين علم الشريعة وعلوم الإنسان والطبيعة، وانتشرت الأحاديث والآثار والأخبار الضعيفة والموضوعة، والأساطير والخرافات والترهات،التي لم تسلم منها مدونات العقيدة، فضلا عن كتب التفسير.
مؤثرات ضخمة الآثار؛ حاصرت التيار الصافي، فجعلته غير قادر على صياغة فكر متسق عميق، يشكل منظومة معيارية، يمكن أن تعتبر منارة للأجيال اللاحقة، فأصبح التيار السلفي، كغيره من التيارات عندما يؤصل أو يفرع، متأثراً بها إن شعر وإن لم يشعر.
وهذه المؤثرات امتصتها الثقافة الإسلامية وليس من السهل فرز صوابها عن عوارها، رغم محاولات كثير من العلماء السابقين، في علم النحو كمحاولات مدرسة الكوفة، وفي علم البلاغة كمحاولات عبد القادر الجرجاني، وفي علم المنطق كمحاولات الغزالي، وفي علوم العقيدة كمحاولات ابن تيمية، وفي علوم الاجتماع كمحاولات ابن خلدون، وفي علوم أصول الفقه والمقاصد كمحاولات القرافي والشاطبي.
هذه الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة، إذن محاولات لتوصيف الإسلام واللغة والمجتمع، ولكنها ليست فكرا معياريا متسقا مكتملا، ولذلك ينبغي علينا فحصها اليوم معرفيا، تصحيحها معرفيا و إعادة نظامها المختل منهجا، من أجل تأسيس فكر تربوي يحل مشكلاتنا ويلبي احتياجاتنا ويقاوم الضغوط والتحديات النازلة، ويستجيب للمعطيات المعرفية والتقنيات الواقعية.
كل هذه الروافد مازجت الثقافة الإسلامية الصافية، رغم حرص روادها على حفظ السنة، وعلى نقاء الحديث من الوضع والتحريف، بنقل قراءات القرآن الكريم، لكن هذا الجهد لم يستطع إيقاف موجة الفساد السياسي ولا التأويل الفكري، ولكنه استطاع أن يحول دون اكتسابهما مشروعية، عندما شكل الرواد الأوائل وعاءاً ناقلا حافظاً للإسلام، وهذا يكفيهم فخرا.



حياة | أدم المصرى يقول...
انا بشكركو جدا على هذا المجهود العظيم
(أدم المصرى _ أكاديمية الفراعنة)


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو