
لم يدرك المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية؛ أهم إخفاقات الصياغة السلفية عباسية ومملوكية وعثمانية؛ وهو صياغة العقيدة السياسية، الذي كان نتيجة اختلال التوازن بين شق العقيدة الروحي والمدني عامة والسياسي خاصة.
ومن أجل ذلك لم يثمن هؤلاء شروط إقامة عدل الدولة وإسلامها العشرة، ومبادئ السياسة الشرعية، ووسائلها المعتبرة في كل دولة متحضرة،التي أهمها:
1-سلطة الأمة وسيادتها وقوامتها على الحكام، وكونها ولية أمر نفسها، وكون الحكام والقضاة وكلاء عنها لاعليها، وضرورة وجود وسائل تضمن هذه المبادئ، كتوزيع سلطات الدولة، وتواجد مجالس منتخبة وأجهزة مراقبة ومحاسبة.
2- وضرورة بروز كيانات في المجتمع الأهلي وفي الدولة لأهل الحل والعقد تجسد كون الأمة مرجعية الحاكم.
3-وحدة الأمة المسلمة العقيدية واستقلال هويتها الثقافية، وإن تعددت وحداتها السياسية.
4-حفظ الحقوق الفطرية الإنسانية، التي عرفتها الطبائع، وأكدنها جميع الشرائع، والمواطنة القائمة على حرية التفكير والتعبير والتجمع والتعددية والتسامح
5- والتعاون على البر والتقوى،
6- الروح العملية والعقلانية والمعرفية والتقنية.
7-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،روحيا ومدنيا
8- التزام الأسلوب السلمي في حل أي صراع داخل الأمة.
9- الاحتساب على الحكومة/الجهاد السياسي لإزالة الطغيان الداخلي وإلزام الحاكم بشرطي البيعة: العدل والشورى.
10-وإقامة العلاقات الدولية على السلام والبر والقسط، وحصر الجهاد العسكري برد العدوان،فالجهاد في الإسلام إنما هو ضد العدوان والظلم، لاضد الكفر. (انظر تفصيلا في كتاب(جناحين حلق بهما الإسلام).
ب- السكوت عن أئمة الجور والتبعية للإمبرياليةما أقاموا الصلاة:
ومن أجل ذلك لم يلحظوا الخلل الأكبر هو في شق العقيدة السياسي، عندما همشوا أركان إقامة الدولة العادلة العشرة، في إبط أركان إسلام الأفراد الروحية والغيبية، بسبب ماران على الخلفية المعرفية من أوشاب الصحراء، والرهبنة والسفسطة والفرعنة. تلك الروافد الأربعة التي كدرت نهر الإسلام الصافي.
ولم يلاحظ المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية أن منهج الفقه الحرفي، وضباب الصحراء والفرعنة والرهبنة والسفسطة، أسهم في التهوين من قدر الإمامة الكبرى، ونتج عن ذلك أن السلفيات العباسية لم تبين أن العدل عديل الصلاة، ولم تثمن أثر العدل في بقاء الأمة وزوالها، فلم تعط شروط عدل الدولة وإسلامها قدرها.
ومن أجل ذلك لم يقدم المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية أفكارا أو وسائل تحقق مقاصد الإسلام السياسية، وتسهم في لجم الاستبداد الداخلي، الذي كشف الأمة اليوم للإمبريالية الغربية، فلم يثمنوا الدستور واستقلال القضاء، ولم يرشدوا الشعب إلى أن التفريط بالعدالة، كالتفريط بالصلاة، هذا بمثابة كفر روحي بواح وذاك بمثابة كفر سياسي بواح، وكلاهما يتطلب جهادا سلميا واحتسابا.لأن هذه القضايا كانت غائبة عن الوعي في العصر العباسي، ولأنهم أعادوا إنتاج فكر لم يستقرئ أسباب سقوط بغداد تحت سنابك التتر.
ولا بد للناس اليوم من استقراء سر سقوط الأمة تحت سنابك الإمبريالية الغربية. وهذا يدعو دعاة النهضة من السلفيات الحديثة التوازن، لكي لا تجعل الهوية نقيضا للحرية؛ ولا ترى التضحية بالعدل على مذبح الأمن، ولا ترى أن وظيفة الحاكم محصورة بإقامة الصلاة، لكي تتنازل عن العدل والمساواة.
وهذا يتطلب تعميقا وترويجا لمواصلة نحت خطاب النهضة الذي بدأه روادها، كالأفغاني و وخير الدين التونسي والكواكبي و محمد عبده و شاه ولي الله الدهلوي، ومحمد رشيد رضا و حسن البنا و سيد قطب و محمد الغزالي و القرضاوي وعبدالمجيد الزنداني، ومحمد أبو فارس نحوهم.
ويتطلب أن يدرك المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية؛ مدى اختلال (نظام) العقيدة وتوازنها، وأنه لم يكن فرديا ولا محصورا برعيل ولا تيار ولا فرقة، بل هو وتيرة العصور بعد الخلافة الراشدة، وقد رسخ في الفكر الديني، منذ أن أطل بعنقه عند فشل حركات الإصلاح السياسي والعسكري، في العصر الأموي وأناخ بكلكله منذ العصر العباسي.
ج-نتيجة السلفيات المحافظة على الصياغة العباسية:أمية سياسية وتبعية للغرب:
ولا زال المحافظون على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية؛ غير مدركين أن الإسلام لا يتحدد بفكر السلف العباسي الصالح، ولا يتحدد بهذا الموضوع ولا بهذه الصياغة، التي تكرست أجوبة وحلولا لبيئات ماضية.
ولذلك تقف التيارات المحافظة على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية أمام قضايا العصر في مواقف غير عملية، فهي إما رافضة جملة وتفصيلا، عبر فقه سد الذرائع و ذلك مؤد إلى الانتحار، وإما مائعة عبر فقه الضرورة وذلك مؤد إلى الانبهار، وفي كلتا الحالتين تقدم حلول ترقيع وتلفيق.
ولا بد من التذكير بنظام العقيدة المتوازن، لكي لانضرب القيم المدنية، التي محورها العدل، الذي هو عديل الصلاة، الذي أكده مصباح القرآن والسنة وزجاجته ومشكاته.
ينبغي أن نتذكر أن سلفنا( العباسي الصالح ومن احتذاه) -رحمنا الله وإياهم- لم يرسخ لنا خطابا دينيا، يقدر العلاقة بين العروتين الأمانة أو الحكم أو العدل وعروة الصلاة، اللتين صرح بهما الحديث الصحيح، ومن أجل ذلك لم تقدرالقيم المدنية حق قدرها،ولذلك لم ينشأ في البلاد التي سادت فيها السلفيات المحافظة على الصياغة العباسية اليوم في عهد الإمبريالية الغربية محضن اجتماعي، يرعى القيم المدنية لا عدلا ولا عمرانا،ويرسخ أنها خيوط أساسية في نسيج الإيمان.
انقلب الهامش على المتن، فحل (الرأي) محل الوحي، وحلت الهوامش والحواشي والشروح، محل الصريح النص الصحيح، و ضربت كليات الدين بجزئياته، و ضربت كلياته القطعية بالنصوص المجتزأة من سياقها.
والتبس في الصياغة العباسية، وماهو رأي سياسي أو مدني فطير أو متخلف لاينبغي التسليم له، بماهو وحي صريح صحيح يجب التسليم له.
من أجل ذلك صار من الضروري؛ ضبط رؤية مصباح الكتاب والسنة بزجاجة التطبيق النبوي والراشدي، ومشكاة آيات الله الصحيحة في ظواهر المجتمعات والطبيعة، و آيات الله الصحيحة في ظواهر المجتمعات والطبيعة، لا تناقض آيات الله الصريحة في نصوص الشريعة.لأن مصدر الحقيقتين واحد، كما قال تعالى"قل كل من عند الله، فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا"، كما برهن ووضح ابن تيمية في كتابي الرد على المنطقيين والعقل و النقل.
الفكر السياسي الديناصوري، هو نقطة الضعف الكبرى في صياغة السلف العباسي لصياغة العقيدة، هو الذي مهد سقوط سد مأرب،العقل السياسي غيم في ثقافتنا الدينية، فصارنا كلما ازددنا تدينا ازددنا بالسياسة جهلا ، فصدق علينا قول المعري:
الناس صنفان: ذو دين بلا عقل وآخر عقل لا دين له
وهؤلاء معذورون في ما اجتهدوا فيه، لأنهم اجتهدوا حسب استطاعتهم أولاً، واجتهدوا لعصرهم ثانيا، ولم يقل أحد منهم: اتخذوني أو كتابي مرجعية في القرن الخامس عشر، ولكنا اليوم لسنا معذورين إذا ظننا أن تقرير كتبهم وآرائهم ومقولاتهم، وتصيد الشوارد من مقولاتهم، سيبني لنا فكرا نهوضيا، نقاوم به أعاصير الهيمنة والعلمنة الأطلسية.

