
الاستبداد لم يكن مرضا سياسيا فحسب، بل هو مرض داخل الذهن العربي، في أغلب تجلياته، خلال العهود العهود العباسية والمملوكية والعثمانية فكرتين مخلتين بالانسجام الاجتماعي,
الأولى: أن يقدم الانسان نفسه بأنه المالك للحقيقة,
و الثانية: أن يقدم نفسه بأنه الوصي على الخليقة ثانيا.
وكان العصر الأموي عصر شقاق بين المذاهب والطوائف, بسبب السياسة الأموية، التي إنما هي إفراز طبيعي لحياة المجتمع البدوي الكسروي، الذي يفتقد قيم المجتمع المدني و هياكلها الشعبية الأهلية، وهيكلها الحكومي. الذي يقوم على توزيع سلطات الدولة. و لذلك صار من الطبيعي أن تقوم الحياة السياسية على القمع والعنف, وإلغاء الخصوم وتقديم أمن الدولة, على حساب أمن المجتمع، وكون الدولة هي الحكومة، وتجسد الحكومة هي شخص الحاكم، وأن أمن الدولة هو أن يأمن الحاكم وأسرته وقبيلته، وتقديم مفهوم الأمن الاجتماعي على أنه الأمن البوليسي القائم على الخوف والعنف، الذي يحول الناس إلى قطيع, عليه أن يسمع ويطيع, وأن ينفذ واجباته, ويؤجل نيل حقوقه إلى الدار الآخرة.
ورغم ماحصل من استقرار ظاهري, واستمرار محدود, فقد كانت الدولة الأموية, حبلى بجنين فنائها الوشيك فالعدل أساس الحكم لا الظلم والجور، والجور هو مولد العنف.
هذه الحقيقة فطن لها عمر بن عبد العزيز الحاكم الأموي، فكاد أن يستل من الخوارج ومن الشيعة, دوافع مالهم غلو أو إيغال,أو تمرد اجتماعي أو فكري, ناتج عن الاغتراب , الناتج عن الفوضى الثقافية والاجتماعية، ولكن لم يفطن لها حاكم أموي آخر إلا لماما، ولكن عمر لم ينجح في إقامة عدل مستمر، لأن إصلاحاته لم تكن علاجا مؤسسيا، بل كان علاجا شخصيا يعالج ظواهر الداء و مضاعفاته، دون أن يستطيع معالجة جوهر الداء نفسه. وهو الاستبداد، الذي لا يزول إلا بقواعد الحكم الشوري.
لكن عمر على كل حال كان شذوذا على قاعدة الانتهازية السياسية, التي نمذجها عدد من بني أمية وبني العباس , ولم تكن تلك الانتهازية سياسة, بل هي دلالة على ضعف في الفكر السياسي همش مصاد الرياح، التي تضمن العدالة، وهي الحرية والشورى والتعددية وتجمعات المجتمع المدني الأهلي. وفقدانها أفضى إلى أضرار كبيرة على الدولة والمجتمع.
ب-بين الدهاء الصحراوي والمدني:
صاحب الانتهازية قد يكون على حظ من الذكاء والدهاء ، ولكنه دهاء بدوي فرعوني، لا يفيد الدولة بل يستنزفها، ورغم ذلك يسمونه في ثقافتنا دهاءا سياسيا، وهو أبعد ما يكون عن السياسة، إنه انتهازية وأنانية، الدهاء السياسي هو الذي يحفظ الدولة بصفتها مؤسسة ضخمة، الدهاء السياسي هو الاستراتيجي , الذي يدرك أن كوابح الاستبداد والجور، وهي جوهر السياسية.
والدهاء السياسي هو الذي يدرك أن التمرد الاجتماعي والتيارات الفكرية الغالية؛ ليست شجرة منبتة متسلقة؛ لا جذور لها ولا تربة؛ فيمكن اجتثاثها بمسحاة أو قدوم، فيدرك أن لها علاقة بـ(اختلال المعايير) الاجتماعية، أو أنها حصيلة التناقض بين القيم الثقافية النموذجية التي يؤمن بها الناس، والمسرح الاجتماعي والسياسي، الذي يخنقها ويرفضها.
ويدرك أن هذه الأمور ظواهر و إفرازات، لا بد أن تظهر، وأن الحنكة هي تركها معرضة للهواء والشمس حتى تنضج، ويدرك أن المياه التى تغذيها تنبع من بيئة الظلم والجور، وأن الرياح التى تمدها بالهواء؛ هي مؤثرات حضارية أجنبية، هبت على الأمة من جميع الجهات، التي ورث المسلمون ملكها، ولابد أن تتأثر الأمة بهذه الثقافات الجديدة, من سريانية ويونانية, وهندية وفارسية.سواءا شاءت أم أبت.
و ظواهر التململ والتمرد الاجتماعي، لا ترد إلا بالشورى والحوار والتسامح والتعددية.
ومن ما زاد ألسنة اللهب طولا; أن الأمويين اعطوا الروح الشيعية خاصة والدينية عامة, ما زادها توهجا واتساعا، باستخدام القمع والعنف، و الظلم وظهر ذلك بقتل الحسين بن علي رضي الله عنه، واستباحة أعراض نساء الأنصار والمهاجرين في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما اضطهدوا المهاجرين والأنصار, اضطهدوا غير العرب من الشعوب التي حكموها.
ج- التبادلية بين العنف الفكري والسياسي:
السياسة الأموية هي سبب جوهري لنشوء الغلو الفكري، كان العباسيون -في الجملة-أكثر إدراكا لطبيعة امتزاج الأجناس، في بوتقة الأمة العربية الإسلامية الجديدة ولذلك طال عمرهم، و علماؤنا ومثقفونا الأوائل-في الجملة-كانوا أكثر إدراكا لهتين الحقيقتين, ولذلك صار الفكر والمناظرة بين الفرق الاسلامية, طابع الحياة الثقافية والدينية في العصر العباسي، -رغم ما تخللها من توتر وعنف، فنما الفكر في وسط ثقافي أقرب إلى المتسامح، تحت أشعة الشمس ونسمات الهواء.
إذا أدرك المثقفون الفصل بين ما هو سياسي وما هو ثقافي, استراحوا وأراحوا، ونضج الفكر واعتدل, وإذا خلطوا بين الأمرين هلكوا وأهلكوا, أهلكوا أفكارهم ومذاهبهم أولاً, وأهلكوا المجتمع ثانيا, وإن أهلكوا خصماءهم ضمنا.
وإذا أدرك السياسيون طبيعة إقامة السلطة استطاعوا الفرز بين أمور شتى، ففرزوا بين النشاط الفكري, الذي يبري الأقلام، والنشاط العسكري الذي يبري السهام، وسمحوا للناس بالتنفس، و أتاحوا شيئا من التعددية الفكرية والاجتماعية، والسياسية.
وعرفوا أن الفتنة الفكرية; لا تهدأ إلا بالحوار وسلاح الكلمة.فاستطاعوا نزع شوكة الغلو من الفكر، كما فعل على بن أبي طالب رضي الله عنه, عندما انتدب ابن عباس لحوار الخوارج,ولم يبدأهم بحرب, ولا اعتقال ولا تضييق, حتى مدوا أيديهم إلى السيوف.
بل يستطيع الحوار والتسامح أن ينزع الشوكة من غلاة الفكر، الذين تحول غلو فكرهم, إلى ما يسمى فى الفقه بالجريمة السياسية, كما فعل عمر بن عبد العزيز مع الخوارج.
و الظواهر الفكرية لا ترد إلا بالنقاش والحوار، فالفكر لا يحارب بسلاح من خارج منظرمته، ومنظومة الفكر هي العلم والمعرفة، وسلاحه هو البرهان والحجة، وآلاته هي الألسنة والأقلام، و أجواؤه هي التسامح والحوار والتعددية، و قبول الآخر كما هو والتعاون معه من باب أن المواطنون شركاء، لا عبيد أتباع، خلف سادة طغاة.وميدان معركته هو المجالس والنوادي والمساجد والمجامع.
وإذا عرف حملة العلم حدود ما هو حق طبيعي، ينبغي أن يتسامح فيه، وأن تتم معالجته بالرفق واللين، عالجوا سلبيات الحرية والتعددية بإيجابياتها، وإذا غفلوا عن ذلك ، دفعهم الخلاف العلمي, إلى القمع والعنف، وضربوا خصومهم بتهم سياسية، فأساءوا إلى الفكر و الدين والعلم, واستدرجوا السلطان واستدرجهم، في لعبة تبادل المنافع والمصالح، فضعف الطالب والمطلوب.
كيف فاتت هذه البديهية فرقة تدعو إلى الحرية والعدل والعقل كالمعتزلة؟. فأستدرجت السلطان إلى وأد الحرية و التعددية.
وإذا جهل السلطان حق الناس في التعددية الفكرية والسياسية، افتقد الحس السياسي, فأراد تقوية الحكم بما هو إضعاف له، وقدم الانتهازية السياسية، والأمن البوليسي، والقمع والعنف على أنه الدهاء، وانجر إلى سعايات العلماء والمثقفين, ومن خلفهم، من ذوى الرأي غير المستنير، الذين يقدمون جصومهم; على أنهم مجرمون سياسيا أيضا، فافتقد السياسة الحكيمة، فكيف فاتت هذه البديهية السياسية حاكما مستنيرا كالمأمون.
كيف فاته أن من حسن السياسية, أن يفطن السياسي للمتنازعين الذين يشكو بعضهم بعضا, ويدعونه إلى قمع خصومهم، ولا ينبغي له قمع التعددية الفكرية، فالسياسي لا ينبغي أن يحلق في سقف منخفض، فليس كل صواب في عالم الفكر, هو صواب في عالم السياسة, لصاحب الفكر والعلم, أن يخطأ ويصوب, حين يجتهد ويفكر, فيخطئ ويصيب, فله أجر إن أخطأ وأجران إن أصاب، و لا صواب في أحادية فكرية، فمنهج الحوار والتسامح، هو الصواب المنهجي، الذي تولد في أحضانه الأفكار النيرة البانية.
أما السياسي فليست المسألة بهذه البساطة، فالتأثيم والتثويب مسألتان أخرويتان، حسابهما أخروي خاص، ولكن الخطأ السياسي, حسابه دنيوي عام، فقد يؤدي الانغلاق والقمع الفكري إلى كوارث اجتماعية، وقد يثير حفائظ الناس، أو يجعل الأمة قطيعا مطيعا، لا يفكر ولا يعمل, خوفا من الخطأ في الكلام، كالذي يمشي في الظلام، يتوقف خوفا من العثار.
والذى ينبغي للسياسي أن يدرك أن الفكر عندما يظهر غاليا أو معتدلاً، إنما هو إفراز اجتماعي, للقمع والجبر أحيانا، وإفراز حضاري للامتزاج الحضاري مع الثقافة الأجنبية حينا آخر، ومع مجتمعات لها خلفياتها الدينية والعرقية و الحضارية.
وعلاج هذا هو تنشيط الفكر الناقد، ودعم البحث والحوار، ودعم السعي الحثيث إلى الترجمة، باستيعاب العلوم حينا آخر، كما فعل المهدي العباسي، حينا وكما فعل المأمون العباسي أحيانا كثيرة.

