
كان الناس في العهدين الراشدي والأموي يفقهون القرآن و الحديث من خلال مشكاة الحقل النبوي والراشدي، فكانوا يفهمون المخطط الفكري،(نظام الإسلام) من خلال المبنى الاجتماعي والسياسي النبوي والراشدي ، وكانت أقوال الصحابة في ما بعد تكتسب دقتها ومنهجتها وانسجامها في إطارهذا الحقل، حتى بعد زوال الحكم الراشد، كانت صورة النظام ماثلة في العيون، ومن أجل ذلك اشترك فقهاء العصر الأموي في ثورات سبع، من أجل إعادة شروط إسلام الأمة والدولة، وكانوا يتبعون أقوال التابعين ، والتابعون وفقهاء العصر الأموي كانوا يتحدثون ويفتون، منشدين إلى وأمامهم صورة حكم الرشد الماضية، ومتضايقين من صورة حكم الجور الحاضرة، ولم تختلط الصورتان في أذهانهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في ما يقولون ويفعلون.
ولما جاء العصر العباسي، رسخ حكم الجور وتقلبه الفقهاء على أنه حكم اضطرار، فتمازجت الصورتان، وأنشأوا في شق العقيدة المدني أحكاما كثيرة، من فقه الضرورة، وتضخم شق العقيدة الروحي، وسيطر على اهتمامهم، لأنه كان المجال المسموح به، وصارت أقوال الصحابة كما صارت نصوص الحديث أيضا، تروى في المدونات من دون إطار وسياق، ينبثق من (صورة النظام)فأمكن التأويل والتحريف والتصغير والتكبير، لاسيما وقد درج المحدثون كالبخاري على حذف المناسبات.
ثم ظهر أئمة المذاهب في مطلع العصر العباسي، وكانوا أحرارا مجاهدين، ولكن تتابع الإخفاق السياسي؛ ألزمهم مضائق فقه الاضطرار، فاتبعهم الناس. ومنذ عصر الرشيد والمأمون بدأ ينشأ فقه الاضطرار الذي نظر إلى سيطرة الملك العضوض، على أنها حقيقة اجتماعية، لا مجال لتفنيدها دينيا، في جيل أحمد بن حنبل، ثم رسخ ، مبنية على استقرار سيطرة المتغلب وشيوع الظلم، الذي أفرز كثرة اللصوص والسراق والفساد، فأنشأوا أحكاما جديدة، نالت من حقوق الإنسان وحقوق المتهم فاتبعهم من بعدهم، ورسخت المذاهب الفقهية منذ مطلع العهد العباسي، واكتمل بنت منظوماتها المخلة بشروط إسلام الدولة والأمة السياسية، ولم يكن أمام المتأخرين في عهد شيخوخة الحضارة العباسي إلا الاتباع، فضلا عن من بعدهم في العصور المملوكية والعثمانية، ثم جئنا نحن في عهد الإمبريالية الغربية؛ فقلدنا المتأخرين ، فصرنا نهاية هذه السلسلة، وهكذا أصبحنا كمن ينظر إلى الشيء ، من وراء نظارة ذات بضع عدسات.
و نشط أتباع كل مذهب ، في تأليف مختصرات وشروح، لم تتجه إلى القرآن أو الحديث مباشرة، إنما عُنيت برأي إمام المذهب ، وكأن الإنسان سيسأل في قبره: على أي مذهب من المذاهب الأربعة أنت ? أحنفي أم شافعي أم حنبلي أم مالكي ?
وأصبح لكل مذهب أصول وفروع ، فأصبح الانسان يقرأ كتب الفقه المتمذهب، فلا يكاد يجد آية ولاحديثاً ، بل رأي إمامنا الفلاني،الذي يساق بألفاظ تلغي روح الممانعة، كالإمام الأعظم ، وإمام المذهب، وشيخ الإسلام وحجة الإسلام والإمام المبجل.
وظل مسلسل الإضافات، ينمي نزعة الاستقلال المذهبي، حتى تصور بعض العلماء، أن المذاهب كالمدائن، فبني كل مذهب الفقه بناء مذهبيا منغلقا متعصبا، يوحي بأنه دين مستقل، ولذلك لا عجب أن تجد حتى الأمس القريب، في المسجد الحرام، رمز وحدة المسلمين، طوائف الناس أشتاتا، وكل طائفة لا تصلى إلا خلف إمامها،حسب المذاهب السنية الأربعة.
ولا غرابة إذن أن تجد المذاهب في المدائن، لكل مذهب مدارسه ومساجده وأوقافه، وأن تجد-أيضا- أهل المهجر من المسلمين، وقد حملوا مذهبيتهم، إلى أوربا وغيرها، فتفرقوا شتى، وصرفوا أموالاً كثيرة، من أجل أن يكون لكل مذهب أيضاً مساجده ومدارسه، ولقد أحسن بعض الفقهاء الوعاة صنعا، حينما قرروا جواز أن يصلي المسلم خلف أي إمام من أهل القبلة، سواء كان مبتدعاً أم غير مبتدع، سواء أن كان حسن السيرة أم سيئها. ولكن كثيراً من المعتصبين لا يقبلون.
وأصبح الانتماء إلى المذهب أساسيا ، وكأنه جزء من النسب ، الذي ينبغي أن يثبت في حفيظة النفوس ، فيقال فلان بن فلان الشافعي التميمي ، وفلان بن فلان الحنبلي النجدي ، وفلان بن فلان المالكي المراكشي، وأصبحت تجد هذا التعريف، على طرر الكتب ودففها.
وفي ظل الصراع والتفتيت الاجتماعي، تحول كل مذهب، إلى منطق القلعة المحاصرة، التي يستبدبها الحذر من مكائد الأعداء، ولذلك تحاول أن تحقق الاكتفاء الذائي، من اللباس والأثاث والغذاء، ولذلك تجد في كتب العقيدة وهي كتب في أصول الدين، مسائل فرعية، وما سجلت في كتب الأصول إلا رغبة في التميز عن الأعداء، وبهذا نفهم إدراج بعض علماء العقيدة، مسألة المسح على الخفين، في متون أصول الدين.
ب-منطق القلعة المحاصرة:
ونشط كل قوم في الثناء على إمامهم وتأليف الكتب في مناقبه، وكأنه الملهم المسدد للصواب وحده ، وأطروا فقهاء مذهبهم . فتجد كتباً في تراجم الحنابلة، وأخرى في تراجم الشافعية والمالكية . وكأن هؤلاء يتميزون عن أولئك . بل قد تجد همزا ولمزا للآخرين ، بل قد تجد غيبة ونميمة ، وأحياناً قد تجد هجاء وإقذاعا.
وفي سياق أدب المديح والذم، جاءت الأقاصيص والأخبار، ومايحتمل ومالايحتمل، ودخلت الأساطير، ودخل الجن والجمادات، في الإشادة بالموافقين، وذم المخالفين. وتلونت الأخبار بالمذهبية، فأدى ذلك إلى تضيعف ثقاة، وإلى توثيق ضعاف، وارجحن ميزان الحرج والتعديل، وضاعت الحقيقة التاريخية، في خضم اتهام المخالفين في سيرهم وعلمهم، بل وفي عقولهم وأديانهم، والاعتذار للموافقين، والغلو في أقدارهم.
وحفلت كتب الطبقات والتراجم، بكم غير قليل من هذه الموبقات. وفي ظل لافتة القلعة العاصرة، أصبح لا صوت يعلوفوق صوت المذهب، ودخلت العقلية الشعرية في دراسة الدين، وصار الناس قمسين موالون وغير موالين، وجاء منطق الفعل ورد الفعل، "نكفر كل من يكفرنا« فتحول الهدوء والدقة العلمية، إلى هيجان شعري خطابي. وامتلأت الساحة الإسلامية بالصراعات، ولذلك نجد أن الخلاف في الجهر بالبسملة أو الإسرار، يؤدي إلى التنافر والتدابر.
إنه ليس المطلوب من الناس أن لاتختلف عقولهم واجتهادتهم فاختلاف الأئمة رحمة، كما ذكر عمر بن عبدالعزيز، والاختلاف والاجتهاد حق من حقوق الإنسان والمسلم مطالب بأن لايعتنق رأيا، وأن لا يتجه في عمل إلا بالاقتناع. ولكن ينتظر من الدعاة ومثقفي الدين أمران:
الأول: التقليل من قدر العمارة المذهبية، لكي لا يرتبط الناس بأشخاص محددين، وينظرون إليهم على أنهم النظارة التي يجب لبسها، وكأنهم مصدر التشريع والإلهام، وترك التشقيق المذهبي، الذي يعمي عن الحقيقة العلمية، والحذر من تحويل المذاهب إلى مدائن، كاملة المرافق، بإنشاء أصول فقه خاصة بالمذاهب، وترك كتابة مؤلفات ملتزمة بالفقه المذهبي.
الثاني: التسامح مع المخالفين، وبث روح التعادن والتآلف بين المسلمين، والحذر من تجيير الخلافات الفكرية، لخلافات اجتماعية، تمزق النسيج الاجتماعي في الأمة. للعلماء الأجلاء من علماء المذاهب في العصور المختلفة من الأعذار مانعرف وما لانعرف، ولكن الشيء الذي ينبغي لنا أن نعرف، أن هذا المذهبية باطلة شرعاً، وأن من التزم بها فقد أقدم على عمل شنيع فظيع، وأن ترسيخ التقليد والعصبية، أسهم في الانحطاط السياسي، وجمد الذهن والإبداع الاجتماعي، وأن ماللسابقين فيه معذرة، لنا عنه منذوحة، وأن الاقناع بأي فكرة، إنما سبيله الاستدلال بمصباح الكتاب والسنة، في مشكاة العهد النبوي والراشدي.
مطلوب أمر ثالث، وهو مراعاة الأولويات، والحذر من أن يمنع الخلاف في القضايا الثانوية والفرعية والجانبية، من الاتفاق على المسائل الأساسية التي هي شروط قيام الأمة والدولة، التى ينبغي أن يتفق عليها المسلمون، مهما كانت مذاهبهم وطوائفهم .

