ذهول بالغ ذلك الذي انتابني وأنا أشاهد هذا الإعلان التجاري الربحي على لوحات الدعاية في شوارع جدة السريعة، وهو يحمل العبارة (وجهة وطن لا وجهة نظر)، وصورة رمز الدولة الأول (الملك) ترافقه. لم أكد أصدق أن تبلغ الجرأة بصحيفة الوطن السعودية هذا الحد من التجهيل والاختلاق المسكون بمضامين خلطت فيها بين قيم الكرامة بالتسليع والنفعية، والعام بالخاص، والمركز بالأطراف، والمحوري بالهامشي.
ويبدو أنها تمثلت قيم ما بعد الحداثة واستبطنتها بشكل جيد، جعلها في خضم الحماس والتسابق السوقي، تأخذ خطوة متقدمة، أعتقد أنها أرادت أن تسبق بها أحداثاً ترغب هي في صناعتها، وحتى تتضح الرؤية، أعرض بعض المضامين التي أقرأها في نص الإعلان والصورة التي بثتها جريدة الوطن في شوارعنا.
ـ الحكومة هي الدولة: تزعم الوطن أن صحيفتها الورقية هي وجهة وطن (دولة)، ثم تضع صورة رمز الحكم والقيادة لهذه الدولة، فتجبرك على تصور مفاده أن الحكومة هي الدولة وهما شيء واحد لا يمكن استيعاب الحياة بغير هذا، بينما تؤكد المفاهيم الصحيحة أن الدولة كيان ثابت قائم يجب المحافظة عليه والدفاع عنه أما الحكومة فهي مؤسسة هامة تنشأ لتتغير وتتجدد.
ـ الرمز سلعة: تحت وطأة القيم الغربية العلمانية ما بعد الحداثية، وتهميش كل شيء ليصبح جزءا من الطبيعة التي أماتت الإله، تليه موت الإنسان، لتبقى الطبيعة حية والإنسان جزء منها، يخضع لقوانينها ويسري عليه ما يسري عليها، لينتصر التسليع والبيع والشراء وتصبح كل الأشياء (عارضة وممثلة ومغنية ولاعب وأخيراً حاكم ..)، سلع يمكن توظيفها لمصلحة رأس المال والطبقة الرأس مالية المتنفذة
لم أكن أتوقع العجلة في أن تتجرأ صحيفة أو وسيلة إعلامية أو إعلانية، خصوصاً في الوطن العربي (الذي ألف قداسة الحكام) إلى توظيف رمز الدولة إلى مادة استعمالية للدعاية النفعية المادية (تسويق الجريدة)، لتعلن بذلك قيام وعلو السوق على الدولة والمجتمع لينتصب الملك الجديد والمعبود الأوحد (السوق) رمزاً خالداً معتلياً كل المعبودات.
ـ الرمز هو قائد التغريب في الدولة: هذه رسالة يفهمها من له إطلاع وبصيرة بما تكتبه الصحيفة من خلال التغطيات والتحليلات والمقالات، فهي صحيفة وجهت سهامها منذ اللحظة الأولى على أبناء الوطن(الدولة) نقداً وتجريحا وتصنيفاً مع تمجيد واضح وسافر بالرموز الغربية والحضارة الغربية.
وقد بدا ذلك في دعايتها السابقة حيث أقدمت على تغيير شعارها فسوقت معه صورة للرئيس الأمريكي الجديد(باراك اوباما) وعبارة ـ العالم يتغير ومعه الوطن ـ (وما علاقة التغيير في أمريكا بتغيير جريدة الوطن لشعارها إلا أن تكون هي الوكيل الشرعي والوحيد!)، هذه الأدلجة بات يعرفها أكثر المتابعين للشأن الصحفي والفكري.
لذلك لا أعتقد أن رسالة ربط رمز الدولة بالصحيفة تخفى على أحد في كون الرمز جزءاً من رؤية الصحيفة أو الصحيفة جزء من رؤية الرمز.
وهذا يصيبنا بالدهشة والإحباط حين نرى صحيفة الوطن تجزئ الوطن الواحد (بعد تجزيء المواطن) وتٌفصله على مِزاجها، واليوم تحيز الرمز لصفها، وتدعي تطابقها والتحامها به بعد تجسيدها له بأنه هو الدولة، لتحدث بذلك شرخاً أكبر وأعمق في وقت نحن أحوج ما نكون للوحدة والاصطفاف لنصرة قضايانا ومغالبة الأمم لتحتل حضارتنا الصدارة متسلحةً بقيم العصر وروحه.
ـ مؤسسة تجارية إعلامية تفرض رؤيتها: هي الوصاية عينها تٌدثِرنا بها لتغمر الرؤية والجسد، لنصبح بها المركبة خلف الحصان المجند ضمن جيش امبريالي عظيم يغزو البر والبحر والجو، ليحكم قبضته على مٌقدِرات البلاد بعد ممارسته الإغواء الثقافي المحكم الحبك، بواسطة وكلائه، المعتمد على اللذة والمرأة التي أضحت السلاح الفتاك ذا الحدين، فهي أولا المرأة المظلومة المهضومة الحقوق، والتي يجب أن تخرج وتبحث عن حقوقها المنتهكة خارج المنزل (رمز التأخر)، وهي ثانياً مادة استعمالية لذيذة تصدر بها واجهات المحال التجارية والمجلات والصحف الورقية والالكترونية للترويج للمنتجات التي ينتجها الغرب (السوبر مان)، لنصبح بعد ذلك سوقاً كبيرةً تدر الإرباح بالطريقة الجديدة للمستعمر بدلا من طريقة النهب القديمة المكشوفة، لندخل مرحلة السيولة التاريخية وغياب الذاكرة وسيادة الغازي من خلال قنوات نديرها نحن، تتزعمها الوطن والـmbcوالعربية وروتانا وlbcوالمستقبل، وينتهي التاريخ إلى سقوط الهوية والدولة.
سلمت يداك ياسالم
مما اصاب ذائقتي الصحفية بالغثيان حد التقيوء
هو ان وجهة النظر تحولت لتصبح وجهة نظر
اي انه النفاق بعينه
وان سلمنا جدلاً ان لانفاق
فإنه قسر الرأي ليصبح وطنياً بالضرورة..
(بالطبع من وجهة نظرهم هم)
فأين المهنية الصحفية
وأين حرية الرأي التي بها بنادون
على الصعيد الشخصي فقد تكشف لي عوار كثير من تلك الادعاءات بنصر حرية الرأي
ولعل اقرب مثال
هو انني زرت احد الامسيات الثقافية في جدة يحضرها علية القوم من المثقفين والمؤثرين احدهم وزير سابق كان هو من يدير دفة الحوار
ولم يسبق لي ان رأيت في فضاضة اسلوبه ودكتاتوريته وقمعه لمن لايوافقه.
بوركتم
مقال رائع لتوضيح وكشف الحقائق المقنعة وبارك الله فيك وزادك علماً وبصيرة
تلون الجماجم بعد مصادرة محتواها
وتوضع فى واجهة الصورة !!!!!
صامته تنتظر نحت الريح
وطن الجماجم يدهشنى كثيرا عندما ينبت
لجمجمة وسيلة تعبير خارج مدارات الرهبة والفزع
جرأة تصب فى حدقة الوطن ..تتطلب منا
الوقوف لها إحتراما
سلمت يمينك أيها الكاتب القدير
سيلت رعاف قلمك لكشف مضامين العناوين
ذدت عن وطنك بتعرية وطن الصحيفة
والله لم أرك تعدو كبد الحقيقة
نصيحتي لك أيها الغالي
أن تثابر في جهاد المنافقين بمداد قلمك
وحروف كتاباتك.
إنما أردت أن أسجل كلمة إجلال وإكبار
لك أيها البطل المغوار
كان الله في عونك ونصرك.


