المشكلة أن الحديث عن "مجموعة" يستدعي الإشارة إلى أشخاص، وهو ما كنت لا أفضل الخوض فيه، إلا أن الحديث ابتداءً عن تشظي هذه المجموعة يوحي وكأن الأفكار التي كانت تدعو لها وتدافع عنها تلاشت هي الأخرى، وهذا الأمر غير صحيح. بل إننا نجد اليوم أن 80% من تلك الأفكار التي كانت تخضع لسجال طويل في أواخر التسعينيات وفي السنوات الثلاث الأولى من بداية القرن الجيد، يتبناها اليوم عدد من الدعاة وطلبة العلم من أصحاب الحضور الجماهيري. بل إن شيخاً له حضوره الواسع والمؤثر وتاريخه الدعوي الطويل كالشيخ سلمان العودة لا تكاد تختلف آراؤه الحالية عن تلك الأفكار، إلا في شِق الإصلاح السياسي.
ومن جانب آخر، فإن عدداً من أبرز الأسماء التي كانت تُصنف في مقدمة هذه المجموعة، مازالت مؤمنة بذات الرؤى، ولم تتزحزح عن المسار العام لأفكار "الإصلاحية الإسلامية"، إلا ربما ما يدور في إطار التطور الطبيعي والهادئ للأفكار ونضجها، وفي مقدمة هذه الأسماء عبدالعزيز القاسم ود.سليمان الضحيان وعبدالعزيز الخضر ود.عبدالله الحامد وسواهم. وربما كان هؤلاء هم أبرز الأسماء التي صُنِّفت في إطار هذه المجموعة، وهم اليوم ليسوا ليبراليين، ولم يعودوا إلى محاضن الصحوة، بل لا يزالون على ذات المسار الذي بدؤوه منذ سنين عديدة.
وبمعزلٍ عن ذلك كله.. لتذهب المجموعة.. ولتبقى الأفكار.. وليتطوّر التيار الإسلامي تحت أي شعار كان.
س/ ألا تعتقد أنكم تسبحون عكس التيار ، فلا الحكومة راضية عنكم بسبب نشاطكم في الإصلاح السياسي ، ولا تيار الصحوة يقبلكم بسبب رؤاكم النقدية ، ولا الليبراليين يرضون عنكم بسبب نقدكم الدائم لهم وإصراركم على تبني رؤية إسلامية.. لقد خسرتم الجميع، أليس كذلك؟
لا أخفيك أن أكثر نصيحة يرددها أصدقاء وناصحون تتلخص في: يجب ألا تخسروا الجميع، ما تمارسونه يجعل ظهركم مكشوفاً لأنكم لستم حلفاء لطرف.
وثمة مقولة شهيرة لأحد المثقفين السعوديين، ربما نلمس اليوم أنها شائعة ـ نظرياً أو عملياً ـ بشكل كبير في الوسط الثقافي المحلي.. وتتمثل هذه المقولة بالتالي: بحسب موازين القوى، يوجد في السعودية قوتان فقط، هما الحكومة والإسلاميون، فمن أراد أن ينتقد إحداهما فعليه أن يتكئ على الأخرى. ومن أراد أن ينتقد كلتا القوتين، فسيضيع حتماً بين الأقدام.
هذه المقولة وتلك النصيحة يتكئان على حسابات واقعية صحيحة، ولكنها حسابات سياسية ومصلحيّة محضة.. لكن المسألة الإصلاحية لم تكن يوماً مسألة (كسب أنصار وحلفاء)، بل هي قضية مبدئية وأخلاقية بامتياز، تهدف إلى دفع عجلة المجتمع ثقافياً وسياسياً باتجاه الانفتاح والتطور.. ولأنه في حال دخل الجميع في إطار التحالفات والحسابات والمصالح، فربما لن يضيع شيءٌ سوى مشروع الإصلاح.
لذا أعتقد أن على من يريد المشاركة في المسار الإصلاحي بضفتيه الثقافية والسياسية، ودون أن يكون مضطراً لمُجاملة أو تودد لطرف ما. فيجب عليه ابتداءً ألا يتوتر من النقد، بل ربما وجب عليه ألا يخاف كثيراً على سُمعته، لأنه قد يتعرض دوماً لقدر من التجريح والشتائم، وربما الافتراء والتحريض.
س/ يرى البعض أنكم معاشر التنويريين عنيفون في نقدكم للصحوة والدعاة ولعموم التيار السلفي ، وفي نفس الوقت أنتم لُطفاء جداً مع التيار الليبرالي والتغريبيين؟
لا أظن أن هذا الكلام صحيح، بل أظن أن النقد الذي يطال التيار الليبرالي أكثر من ذاك الذي يطال التيار السلفي. ولك أن ترجع إلى ما كُتب من مقالات، سواء لشخصي المتواضع، أو لعدد من الأسماء التي ذُكرت سابقاً، ستجد أن الخلاف مع التيار السلفي هو في غالبه (خِلاف ثقافي)، يُدار بالحوار والدليل واستعراض الشواهد الشرعية والواقعية، أما الخلاف مع التيار الليبرالي، ففضلاً عن الخلاف الثقافي، هو أيضاً (خِلاف أخلاقي)، لأن مشكلة الليبرالية السعودية ـ في غالبها طبعاً ـ أنها أول من تنكَّر لأصولها وقيمها، فهي ليبرالية لا علاقة لها بالحرية إلا في شقها السلوكي التحرري، بل وربما ساهمت هذه الليبرالية في تكريس الاستبداد السياسي والعنف، ومارست التحريض الأمني تجاه التيار الإسلامي. لذا فقد يشوب النقد الموجه لهذا الانتهاك الأخلاقي بعض الحدة التي قد لا يستلزمها الخلاف الثقافي.
لكن على صعيد آخر، ولكون التيار الإسلامي يحظى بامتداد وتأثير كبيرين، فإنه في حال تطوّرَ هذا التيار واهتم بقضايا المجتمع الكبرى (الإصلاح السياسي والثقافي، وبناء مؤسسات المجتمع المدني التي ستفرز جهوداً خلاقة في مجالات تعزيز الهوية وحماية المنظومة الأخلاقية والثقافية)، فحينئذٍ سيكون التيار الإسلامي هو الرافعة الرئيسية لإصلاح المجتمع والنظام السياسي على حد سواء.. لذلك فإن دواعي الحوار وتطوير الأفكار والممارسة النقدية مع هذا التيار تحظى بأهمية كبرى مقارنة بتلك التي يستدعيها الحوار النقدي مع التيار الليبرالي الذي لا يكاد يحظى بأي شعبية تُذكر.
س/ انتقد عدد من الباحثين والدعاة انكبابكم على قضايا الإصلاح السياسي والعدالة والحقوق وفي المقابل إهمالكم التام بل وتقليلكم من قيمة أي مجهودات يبذلها الآخرون وتصب في صالح حماية دين الأمة وهويتها من أخطار التغريب والانحلال الأخلاقي والاختراق الثقافي.. ألا ترى أنكم تمارسون نفس ما انتقدتم به التيار السلفي من أنه يركز على القضايا الشرعية ويحارب التغريب ويهمل قضايا الإصلاح السياسي والعدالة؟
لا أظن أن هذه الملاحظة دقيقة، فكثير ممن يجهدون في مشروعاتٍ أو كتاباتٍ تصب في إطار الإصلاح السياسي وإقامة العدل والحفاظ على الحقوق، لهم مجهودات واضحة في قضايا حماية الهوية وتعزيزها.. ربما قد لا تروق للبعض طبيعة هذه الجهود. أو ربما يريدها البعض الآخر وفق أطر خاصة ومحدودة، ولكن هذا لا ينفي بالطبع أن هذه الجهود هي في آخر الأمر ساقية تصب في نهر الحفاظ على الهوية وتدعيمها.
بالنسبة لي مثلاً ـ وأعتذر لاضطراري للحديث عن شأن شخصي ـ، فأنا لم أنفق في حياتي جهداً أكثر من ذاك الذي أنفقه يومياً ومنذ اثني عشر عاماً في عملي بمؤسسة (وهج الحياة للإعلام) التي تُصدر مجلة حياة وعدد كبير من الكتب الاجتماعية. فجميع أنشطة هذه المؤسسة تدور في إطار الحفاظ على الهوية وتعزيز الأخلاق والقيم الإسلامية، ولا علاقة لها إطلاقاً بالشأن السياسي والفكري، وقد قامت هذه المؤسسة وتأسست على رؤية تهدف إلى توفير منتجات صحفية مُحافظة تنافس في سوق الصحافة الاجتماعية، وتخلق بديلاً محافظاً للأسرة المسلمة.. ولإنتاجات المؤسسة ـ من المجلات والكتب ـ جمهور واسع، يصل بحسب تقديراتنا إلى مائة ألف قارئ منتظم.
وخذ مثلاً آخر لشخصية عِصامية لها تاريخ طويل ومشرّف في العمل الإسلامي، وهو الدكتور محمد الأحمري، الذي أنفق جزءاً كبيراً من إنتاجه الكتابي ونشاطه العملي ـ ولسنين طويلة ـ في مشروعات تهدف إلى توثيق روابط الشباب المسلم في أمريكا، سعياً لتوفير مناخ محافظ لهم وتعزيز انتمائهم وهويتهم، إضافة إلى نشاطه الكتابي الذي تابعناه لسنين طويلة في العديد من المطبوعات والمواقع الإلكترونية، وكان في غالبه عن موضوعات الاختراق الثقافي ونقد التغريب الفكري والفلسفي والسياسي.. والأمثلة في هذا الإطار عديدة.
فهل إذا أقدم أحدنا على كتابة عدد من المقالات عن موضوعات الاستبداد السياسي والظلم والفساد وغياب العدل، صار بذلك مفرّطاً في جانب الحفاظ على الهوية، ويشطب كل نشاطه ذاك بجرة قلم!.
لكن العدل يقتضي أن تسأل الآخرين ذات السؤال.. ماذا عن أولئك الذين أنتجوا مئات الأشرطة، وألقوا آلاف الكلمات، وسوّدوا عشرات الكتب والكتيبات، ومع ذلك أنت لا تجد في كل إنتاجهم الغزير كلمة عن الاستبداد السياسي، والحقوق المسلوبة، والعدالة الضائعة. بل ربما تجد في ثناياها دفاعاً عن الاستبداد، ووقوفاً في وجه أي مشروعات إصلاحية.
هل تعرف بماذا سيجيبك أولئك إذا سألتهم هذا السؤال؟!
سيعطونك موعظة عن وجوب (احترام التخصص)!. وأن هذه القضايا السياسية والإصلاحية تقع خارج إطار تخصصهم.. ولكن ربما لن تجد أحداً منهم يذكرك بـ (احترام التخصص) إذا كان هذا النقد موجهاً لأولئك المهتمين بقضايا الإصلاح السياسي!.
طبعاً الحديث عن احترام التخصص هو أمرٌ مشروعٌ دون شك، وصحيح بالجملة.. ووفق هذا المنطق يجب أن نحترم مبدأ أن يتخصص البعض في الوعظ والتذكير، وآخرون في العمل الخيري والإغاثي، وسواهم في العمل الاجتماعي أو الثقافي، وكذلك يجب أن نحترم أيضاً أولئك الذين يجهدون ويسعون في مشروعات العدالة والحقوق.. على الأقل فإن أولئك المتخصصين في مشروعات العدالة والحقوق سيدفعون ضريبة لن يدفعها بقية العاملين في الحقول الأخرى.
بقي أن أشير إلى أن الحديث عن التخصص يسوغ عند الحديث عن الأفراد والمؤسسات، لكنه سيمثل قصوراً ونقصاً حين يكون الحديث عن (تيارات). فعندما نرى تياراً إسلامياً عريضاً يسعى لتطبيق الإسلام، ويُعظِّم كل ما تعظمه الشريعة، ويُهمِل كل ما أهملته الشريعة. ثم لا نراه يبذل أي جهد يُذكر، بل ويُهمل تماماً قضايا عظمت الشريعة من أمرها في عشرات الآيات، وهي قضايا العدل ورفع الظلم التي جعلها الله عزوجل مدار الرسالات: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).. فإن ذلك الفعل يمثل تقصيراً كبيراً دون شك. وإحجاماً عن القيام بواجباتٍ هي فروض كفائية تلزم جميع الأمة.
س/ ألا ترى أن هناك تراجعاً واضحاً في مسيرة الانفتاح في المجتمع؟
لا أرى ذلك طبعاً، بل المجتمع يتجه إلى مزيد من الانفتاح، وهو أمر أظنه بدا واضحاً لكل من يتابع الساحة الثقافية.. فكثير من الأفكار التي كانت تواجه بعنف وبفتاوى وبحملات منظمة قبل عشرة أعوام، باتت اليوم وجهة نظر مقبولة لا تستدعي الرد. انظر مثلاً لفتاوى الشيخ يوسف القرضاوي كم كانت مثيرة قبل عشرة أعوام، وكم هي مقبولة اليوم. وانظر مثلاً إلى طبيعة العلاقة مع القنوات الفضائية المفتوحة كيف تحولت من (حرب شعواء) إلى محاولة استغلالها وتقديم برامج شرعية وثقافية مفيدة عليها، حتى وصل الأمر إلى قبول شخصيات هي من صميم الصحوة، بتقديم برامج على قناة الـ LBC المسيحية اللبنانية!.
انظر مثلاً للعلاقة مع الأطباق اللاقطة (الدش) كيف تحولت من التحريم والتجريم الذي وصل إلى مرحلة التألي على الله بأن مشتريه لن يرى رائحة الجنة!، إلى المسارعة في خوض غِمار المنافسة، وإصدار العديد من القنوات والباقات المحافظة، حتى لا تكاد تسمع من يقول اليوم أن الدش حرام.
وهذا بالطبع لا يعني أنه بات هناك قبول لما تُنتجه هذه القنوات المفتوحة. بل كل ما هنالك أن الأمر تحول إلى مزيد من الواقعية في التعامل مع المنتجات الحديثة، حيث أدركنا أن فتاوى التحريم لا تكفي لمنع الناس من اقتناء هذه الأطباق. وأنه مع كل العنف في التحريم والمواجهة الذي لاقتها الأطباق اللاقطة في بداية وأواسط التسعينيات، لم تمضِ عشرة أعوام إلا وهذه الأطباق تسترخي فوق أسطح 90% من المنازل في المدن السعودية!. بل وانتشرت هذه الأطباق في منازل الإسكان الداخلي لأعضاء هيئة التدريس في بعض الكليات الشرعية! كما رأيت بنفسي في إحداها.. لذلك يغدو المسار الأكثر جدوى والأقرب لتحقيق مراد الله في حفظ المجتمع المسلم من التردي الأخلاقي، هو في دخول حمّى المنافسة، بهدف خلق بدائل ملائمة لثقافة المجتمع.. لأن الاكتفاء بالمُمانعة والتشنيع والتحريم يعني مزيداً من التأخر في احتواء الشارع المسلم، وذلك سيصب دون شك في صالح مشروعات الآخرين الذين لا يعيرون اهتماماً للفضيلة والأخلاق.
وحتى على مستوى شباب الصحوة. فمن يتواصل مع فئات الشباب المتديّن سيلمس بوضوح مقدار الانفتاح الناضج الذي بدت مساحته تتسع في دوائر الصحوة.. شخصياً التقيت خلال ثلاثة أشهر بقرابة ثماني مجموعات لشباب ينتمون إلى أوساط الصحوة، وكثير منهم طلابٌ في الكليّات الشرعية، ولمست بوضوح مقدار تطور خطابهم الشرعي والفكري.
بل أظن أن هذا الانفتاح الذي نشهده اليوم سيمر في المستقبل بمرحلة مُقلقة، حين نُدرك أن هناك أكثر من ثمانين ألف مُبتعث سعودي معظمهم ذهب للدراسة في الغرب بعد فراغه من المرحلة الثانوية، أي أنه لم يتجاوز بعد سن العشرين، وربما لم يستخرج كثير من هؤلاء الشباب جوازات سفر إلا من أجل الابتعاث، وهذا يعني أن كثيراً من هؤلاء مروا بانعطافة حادة جداً، من بيئة محافظة تماماً، إلى بيئة مفتوحة تماماً تسمح لهم بفعل كل المحرمات.. ونحن نسمع اليوم كثيراً من القصص والتجارب لهؤلاء الشباب المُبتعثين. وهي تشير إلى أن مجتمعنا ربما يشهد في المستقبل القريب وجود طبقة ليبرالية واسعة من الشباب لم يعرفها من قبل. وهو أمر سيجعل المجتمع أمام تحدٍ حقيقي، فإذا لم يستوعب أهل العلم والدعاة هذه المتغيرات السريعة التي باتت تأتي من جهات عديدة (العولمة، البعثات ...الخ)، وأصروا على التمسك والترويج لنموذج تقليدي للتديّن ـ وكأن شيئاً لم يحدث خلال عقدين من الزمن! ـ فإن نتائج ذلك لن تكون سارّة على كل حال.
الحل يكمن في قدرتنا على تجاوز المنظومة التقليدية، وفتح أفق جديد لتدين حقيقي وعميق لكنه ليس مأزوماً مع العالم، وليس عنيفاً في تعامله من المنظومات الثقافية الأخرى التي ربما حوت كثيراً مما يمكن أن نستفيد منه، وإن اختلفنا معها في مفاصل جذرية.. يجب ألا نواجه كل متغير لا يروق لنا بعملية انتحارية فكرية. ولك أن تقيّم إن كان ثمة نتائج تحققت من حروب داحس والغبراء التي خاضها بعض المتدينين تجاه رواية بنات الرياض، أو قضية الدمج، أو لكلمة من هنا وجملة من هناك كتبها أحد مراهقي الليبرالية المحلية!.
يجب ألا نجعل الأجيال الشابة الجديدة تصطدم بخيارين اثنين، إما تدينٌ محافظٌ كذاك الذي كان سائداً في الثمانينيات والتسعينيات، أو الليبرالية بنسختها السعودية المشوّهة.
وبالطبع حين أتحدث عن الانفتاح، وعن تجاوز المنظومة التقليدية للتدين، فأنا لا أتحدث بهدف إيجاد حل توفيقي لمشكلة ضاغطة!، بل أتحدث عن ضرورة تعميق تديّن له حضوره التأصيلي الراسخ في النص الشرعي، بل أراه أقرب إلى روح الشريعة ونصوص الوحيين اللذين يملكان إعجاز القدرة على التواؤم مع كل البيئات والأزمنة. وهذا الأمر ربما استدعى استعراضاً موسعاً ليس هذا مقامه.
س/ ذكرت في حوار لك مع موقع إخوان أون لاين في سياق حديثك عن تيار التنوير الإسلامي أن أجندة هذا التيار تركز على نقد السلفية وتفكيك منظومتها التقليدية لأنها معيقة للتقدم.. هل مازلتم على هذا الرأي؟
أعتقد أن المسار الفكري لهذا التيار قد حصل له بعض التطور، فما أشرتُ إليه سابقاً من نقد السلفية قصدت به أن الرؤية للإصلاح كانت ترتكز على ضرورة الإصلاح الديني والثقافي، أي تحرير المنظومة الدينية من التقليد، وفتح آفاق الاجتهاد، وإبراز هامش التنوع والثراء الفقهي والكلامي الكبير في التراث، واستحضار علم المقاصد، وتطوير الخطاب الثقافي والاجتماعي والسياسي المحلي باتجاه التعامل برشد مع المنتجات الثقافية والمادية الحديثة، بدل الاندفاع وراء الممانعة السريعة.. وهذه الرؤية ـ بهذا المعنى ـ مازالت حاضرة عند هذا التيار، لكن سايرتها رؤى أخرى ترى أن تطور المجتمع وانفتاحه وتطور منظومته الثقافية والدينية لن يتم بمعزل عن الإصلاح في النظام السياسي. وأن انفتاح المجتمع بات شبه حتمي بفعل أذرعة العولمة التي أحاطتنا من كل مكان، لذا فإن الإصلاح السياسي للسلطة باتجاه المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وتعزيز الرقابة على المال العام، وإصلاح القضاء ودعم استقلاله، وتنمية الاقتصاد، أن كل هذه المشروعات الإصلاحية هي حجر سنمار الذي ستتكئ عليه مشروعات تطور المجتمع.
أعتقد أن هامش الاهتمام بالإصلاح الديني تضاءل بعض الشيء ـ رغم أهميته ـ لصالح الاهتمام بالإصلاح السياسي.
س/ باعتبارك صديق ولصيق بالباحث ابراهيم السكران وكنت على علاقة وثيقة به من سنين طويلة، فكيف هي هذه العلاقة الآن بعدما صارت بينكم ردود ونقاشات ساخنة؟. ثم ما هو تفسيرك الشخصي لتحولاته المفاجئة بين مرحلة "مذكرة المناهج" والكتابات الحادة في نقد التيار السلفي، ثم مرحلة بحث المآلات ودفاعه المستميت عن كل ما هو سلفي؟
ربما نشأنا ـ أنا وإبراهيم وعدد من الأصدقاء ـ على بعض الاسترخاء في التعامل مع الحالة النقدية، فمذ كنا نتوافق على أكثر القضايا، لم تكن لقاءاتنا الدائمة تخلو من نقاشات حادة حول موضوعات متعددة، دون أن يكون لذلك أي أثر على متانة العلاقة الشخصية.. لذا ربما يُبدي البعض استغرابه حين يرانا نجلس في مقهىً نحكي ونتسامر في ذات الليلة التي قام بها أحدنا بالرد على الآخر.. وأذكر أن أحدهم كتب مرة في النت بعد النقاش الذي شهده بحث المآلات وبعد عودة إبراهيم من السفر: استغربت كثيراً عندما رأيت البارحة السكران والقديمي والهجلة في مقهىً وضحكاتهم مرتفعة، لأنني كنت أظنهم على خلاف!.
أما سؤالك عن تفسيري الشخصي لتحولاته المفاجئة بين مرحلة "مذكرة المناهج" وبحث المآلات. فأظنني لا أستطيع تفسير الحالة بعين المراقب الذي يناقش مُعطيات خارجية.. العلاقة بإبراهيم تفرض دون شك تفسيرات لها طابع شخصي عميق نتجت عن علاقة طويلة وممتدة. ولا أرى أن من اللائق توظيف الفهم الناتج عن علاقة شخصية في تفسير تحولات فكرية.
س/ أستاذ نواف.. في مقالتك عن الديمقراطية التي عنونتها بـ "أحاديث الديمقراطية والعدل" وكانت رداً على الشيخ بندر الشويقي، رأى البعض أنها كانت انتصاراً للدكتور محمد الأحمري.. فما رأيك؟
لم تكن انتصاراً للدكتور الفاضل محمد الأحمري، بل كانت انتصاراً للفكرة التي أؤمن بها. وإن كنت لم أخفِ انزعاجي من الطريقة الحادة التي رد بها الشيخ بندر الشويقي على د.الأحمري، دون أن يستدعي النقاش كل هذا التوتر في الرد!، وقد أبديت هذا الانزعاج للشويقي مباشرة في لقاء تم بيننا بعد تعقيبي عليه.
س/ أحد المقربين من الشيخ بندر الشويقي رد على مقالتك تلك ونقل فيها عن الشويقي أنه لم يكفرك في ذاك المجلس.. هنا تناقضت الأقوال .. هل كفرك أم لا.. وإذا كان كذلك.. فلماذا لم ترد لتوضح الأمر.. أم ربما سمعت منه صيغة تحمل تأويلاً فظننتها تكفيراً مباشراً.. وهل في الأمر بُعد شخصي؟. ثم ما رأيك بأساليب الشويقي في الرد على المخالفين.. وهل بينكما علاقة شخصية؟.
لا أدري إن كان تكراره لقول (لقد كفرت بالله العظيم) يمكن أن يحمل تأويلاً آخر!. أظن أن محمد شحرور شخصياً ـ وهو المغرم بالتأويلات الغريبة والفجة ـ لن يجد مخرجاً لتأويل جملة تحمل هذا القدر من الوضوح!.. لكنني على كل حال لم أكن أرغب في نقل الحوار من حيز فكري عن (الديمقراطية والعدل والحقوق)، إلى حيز شخصي تماماً يدور حول (كفرني أم لا).. لذلك لم أرد عليه حين قام بالنفي.
لو كان الأمر شخصياً لرددت عليه لإثبات وقوع التكفير بالصيغة والشهود.. ولكان بالإمكان استغلال بعض كلامه الذي أورده في مقاله لإثبات ميله لتكفير المؤمنين بالنظام الديمقراطي.. فالشويقي كرر عدة مرات أن هناك التزامات في الديمقراطية تستوجب الاستتابة ويلزم منها الكفر.. ولأنني أعرف بالضبط طبيعة الالتزامات التي يتحدث عنها، وهي من صميم الرؤية الديمقراطية، فكان بإمكاني حينها أن أطلب منه أن يذكر (الالتزامات التي تستوجب الاستتابة)، وعليّ بدوري أن أثبت له ـ ولا أيسر من ذلك ـ أن غالبيّة الحركات الإسلامية من المغرب وحتى إندونيسيا تلتزم بهذه الالتزامات وتؤمن بها تنظيراً وممارسة!.. وعليه بعد ذلك أن يبحث عن مخرجٍ أو تأويلٍ لهذا التكفير الذي سيطال هذه المرة غالب الحركات الإسلامية!.
ولو كان الأمر شخصياً لاستجبت للاتصالات التي جاءتني من محاميين اثنين يطلبان مني توكيلهما لرفع قضية تكفير ضد بندر الشويقي، خاصة في ظل توفر العديد من الشهود.
ولكني لم أرغب في تعقبه حول هذه الجزئية بما قد تحمله له من إحراج، ولكونها ليست في صلب النقاش. ولأن الحوار كان ذا طابع فكري محض، وكان هدفنا سوياً ـ حتى وإن قست اللغة ـ أن نصل لنقطة وضوح في موقف الشرع من الديمقراطية، لا أن ينتصر أحدنا على الآخر.
ولأنني التقيت الشيخ بندر الشويقي عدة مرات، وتحاورنا أكثر من مرة، فيمكن لمن يلقاه أن يلمس بوضوح أن الشويقي ـ كما نُطلق باللهجة المحلية ـ (راعي دين)، كما أنه لم يكتب يوماً تزلفاً للسلطة بحثاً عن حظوة، بل هو مهموم بالرد والمنافحة عما يراه انحرافاً شرعياً يستوجب الرد. ولكن بسبب أنه يلجأ دائماً إلى اللغة الحادة والعنيفة في الرد على مخالفيه، فكثيراً ما يتحول الحوار معه من خلاف فكري، إلى مُماحكة يتداخل فيها الخلاف الفكري بالانتصار الشخصي، وربما يتطور الأمر ـ بعد طول مماحكة ـ إلى رغبة في إسقاط المقابل وتشويهه، لا الرد على أفكاره.
س/ أحتاج إلى أن أفهم موقعكم بالضبط من خارطة العمل الإسلامي، أنتم مع من؟، وماذا تنقمون؟، وماذا تريدون؟ أعرف أن استقرائي لما كتبتموه من مقالات وبحوث قد يبوح بهذا، لكني أريد جواباً تفصيلياً منكم سيدي الكريم.
هذا سؤال كبير دون شك، وبعض البسط فيه ربما احتاج إلى صفحات طويلة.. رغم أنني لم أفهم ابتداءً من المقصود بـ (أنتم) في سؤالك.. هل هي إشارة لشخصي المتواضع بصيغة تفخيم مثلاً!! أم هي إشارة إلى مجموعة أشخاص؟.. لأنني معنيٌ دون شك بالتأكيد على أنني أتحدث في هذا الحوار عن قناعاتي الشخصية التي لا تُمثل أحداً سوى قائلها.. وحتى حديثي عن شيء من تجربة مشتركة مع بعض الأصدقاء، هي حديثٌ من منظوري الشخصي لهذه التجربة.. لذا سأحاول الإجابة عن سؤالك بإشارات سريعة لتجربة مشتركة مررت بها مع بعض الأصدقاء.. أتمنى أن تكون كافية لتوضيح المقصود.
تستطيع أن تعتبرنا أبناء صميمين للحالة الإسلامية المحليّة، عشنا في كنفها، واستلهمنا كل تفاصيلها، وتنسمنا هواء الصحوة بكل زخمه وعنفوانه في أواخر الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين.. معظمنا نشأ في ثنايا المجموعات الحركيّة السائدة في السعودية.. ومازال كثير منا يعتبر نفسه امتدادا لهذه التجربة، غير منفصلٍ عنها.
اهتم العديد منا بتحصيل العلوم الشرعية في الفقه والأصول والعقائد، إضافة إلى الاهتمام بمتابعة الوسط الفكري والسياسي المحلي والعربي.. وربما كان هناك اهتمام مكثف بمتابعة تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي والاقتراب من مخزون خبراتها الكثيف والثري..
في منتصف وأواخر تسعينيات القرن العشرين، وبعد تجاوز شوط معقول من القراءات الشرعية والثقافية، بدأت مرحلة التقييم للمسار الفكري والحركي.. وبدأت التساؤلات المشفوعة بتصورات جديدة لما يجب أن يكون عليه التيار الإسلامي المحلي.
سأحاول أن أرصد لك شيئاً من الهواجس التي كانت تجول بأذهاننا في تلك الفترة، وكان غالبنا إما دون سن العشرين أو تجاوزها بقليل.
بدأت تتشكل مجموعة من التساؤلات النقدية عن الحالة الإسلامية المحلية.
فمثلاً في الجانب الشرعي.. شعرنا أن ثمة تضييقاً فقهياً واضحاً في مسائل خلافية شائعة، ربما كان السائد المحلي مخالفاً فيها لرأي جمهور الفقهاء.. ورأينا في بعض التجارب كيف جرت محاكم تفتيش لبعض من رجّح خيارات فقهية متسامحة مقارنة بالسائد.. وفي الوقت ذاته كنا نرى كيف يخيّم الصمت تجاه كل الآراء ـ وربما المزايدات ـ التي رجّحت خيارات فقهية متشددة مقارنة بالسائد.. حتى صار (خيار التشدد) دلالة صدق وورع ولا يستدعي المناقشة والرد.. أما (خيار التسامح) فهو دلالة تمييع للدين وتذويب للشريعة ومغازلة للخصوم، ويستدعي الإغلاظ في الإنكار!.
ورأينا كيف لاذ كثير من المتصدرين للشأن الشرعي بالصمت حين كان التيار الجهادي يُنظّر للتطرف، ويرفع سيفه الفكري مردداً: هل من مُبارز!. وفي الاتجاه الآخر كيف كان بعض أولئك الصامتين يشنون هجوماً كاسحاً تجاه أي اجتهاداتٍ يميل أصحابها إلى بعض الانفتاح والتسامح (القرضاوي، دبيان الدبيان، بيان التعايش ....الخ).
ورأينا كيف أن عدداً من المفكرين والمثقفين الذين وصمهم بعض شيوخنا بالانحراف والضلال، وأنهم (عصابة تروج لزندقة عصرية)، وأقيمت لهم مشانق (الموازين) كي تحسب مع أنفاسهم مدى صفاء منهجهم وعقيدتهم.. أن عدداً من هؤلاء هم من أكثر المثقفين المهمومين بالدفاع عن الإسلام والانتصار له والرد على خصومه، ومن متصدري المواجهة الفكرية مع مثقفي اليسار وروّاد التجديف تحت راية (البحث العلمي).. وأن كل جريرتهم أنهم لم يتبنوا الإسلام بصيغته السعودية!.
وفي الجانب الثقافي.. لمسنا حجم التبخيس لقيمة العمل الفكري والثقافي، رغم أنهما مفتاح اندماجنا مع العصر الحديث، وطريقنا لفهم الخريطة الفكرية المحيطة بنا، ومسلكنا الرئيس للمواءمة بين الشريعة والحياة.. هذا التبخيس أنتج بساطة ثقافية مُرعبة. جعلت تياراً إسلامياً عريضاً يحتفي بإنتاجات فكرية أقل ما يمكن أن يُقال عنها أنها سطحية وساذجة، كانت تردد علينا أن الفلاسفة الغربيين هم مجموعة من اليهود المهمومين بتدمير الإسلام!.. وأن الحداثة تتلخص في سطورٍ رمزيّة كتبها معتوه بعد كأس من الفودكا وأسماها قصيدة نثر!.. وأن الشيوعية مؤامرة يهودية هدفها نشر الإلحاد!.. وأن الليبرالية ديانة وثنية تسعى لنقض الإسلام!.. وأن التيارات القومية عميلة للاستعمار!.. وأن أعداءنا ـ كل أعدائنا ـ يتحالفون ضدنا لتدميرنا على الدوام. كما تحالف الاتحاد السوفييتي مع أمريكا ضدنا في الماضي!، وكما تتحالف إيران مع أمريكا اليوم!، ويتحالف حزب الله مع إسرائيل لذات السبب!.
ورأينا كيف يتم التعامل مع الظواهر النقدية الصادقة بارتياب وتشكيك قد يصل لمرحلة الاتهام بالخصومة.. مع ما تشكله الظواهر النقدية من ضرورة لكونها تمثل أهم مفاتيح التطوّر والإصلاح للمفاهيم والتصورات الفكرية والشرعية والسياسية عند أي تيار أو حركة، حتى لا تنفرط سبحة الأخطاء، وتتزايد كرة الثلج وهي تتداعى نحو قاع التشدد والانغلاق.
ورأينا كيف كانت تُثار معارك ضروس في الوسط الثقافي من أجل رواية، أو لحلقة من طاش ما طاش، أو لقضية إدارية بسيطة كقرار الدمج، أو لخبر عن هيئة الأمر بالمعروف، أو لمقال كتبه أحد مراهقي الليبرالية في إحدى صحف الدرجة الرابعة.. وفي تلك المعارك رأينا كيف يكون البغي على المُخالف، وسوء الخُلق، والفجور في الخصومة، لمجرد أن يكون الطرف الآخر ليبرالياً أو حتى إسلامياً أكثر انفتاحاً من السائد.. ولك أن تنظر إلى مقدار الكفاءة الثقافية والشرعية لمن يتصدون لمشروعات الاحتساب والإنكار في الإعلام، لتعرف أين تكمن المشكلة!.
وفي الوقت ذاته رأينا كيف تغيب القضايا الكبرى عن هذا التيار.. قضايا العدالة والحقوق والشورى وحق الأمة في الاختيار والمحاسبة والمراقبة.. وكيف أن هذا التيار بدل أن يشكل جبهة ضاغطة تطالب السلطة بالإصلاح.. شكّل جبهة متخصصة في تدبيج قصائد المديح ومدونات الثناء للسلطة، وذلك ساهم دون شك في دحرجة قاطرة المجتمع إلى الوراء سنين عديدة.
ورأينا كيف يتم التعامل مع مشكلة التغريب الثقافي والأخلاقي في المجتمع عن طريق التركيز على تدبيج مقالات الشتيمة والعنف الهجائي للشرق والغرب، وبخاصة لليبراليين السعوديين الذين يطالهم أعنف النقد، في ذات الوقت الذي تُدَبّج فيه أعظم المدائح للمُلاّك الحقيقيين ـ من الأمراء ـ لتلك المؤسسات التي يديرها الليبراليون!! (هي مُفارقة غريبة فعلاً.. تكال الشتائم لمدير قناة العربية، وتكال المدائح لمالك القناة!!.. تكال الشتائم لرئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، وتكال المدائح لمالك الصحيفة!!)، وتستمر هذه الوصلات الهجائية لتستهلك كل الجهد الذي كان يجب أن يُبذل ـ ولو بعضه ـ في بناء مؤسسات ثقافية وإعلامية كبيرة ومرنة، تستطيع المنافسة في السوق الإعلامي والثقافي المفتوح، وتهدف إلى خلق بدائل إعلامية وثقافية محافظة تستطيع أن توفر للمشاهد قدراً من المتعة والجاذبية التي كان يلقاها في المؤسسات الإعلامية الأخرى، خاصة مع توفر أهم العناصر اللازمة لإنشاء هكذا مؤسسات، وأقصد بذلك الوفرة المالية المُتاحة للتيار الإسلامي عبر الجمعيات الخيرية والعديد من التجار المُعتادين على تمويل المشروعات الدعوية.. وحتى تلك المؤسسات والقنوات المُحافظة التي تم تأسيسها بعد ذلك، كانت في غالبها ـ إن لم يكن جميعها ـ نِتَاج مُبادرات فردية ربما لاقت في بداياتها بعض الامتعاض من رموز التيار الإسلامي!.
* * * *
طبعاً هذه التساؤلات لم تكن في أذهاننا بمعزلٍ عن إدراك أن تلك الأفعال لا تمثل كل التيار الإسلامي، بل تمثل بعضاً منه، ولكنه (البعض) صاحبُ الصوت المُرتفع، في مقابل البعض الآخر الذي يلوذ بصمتٍ ربما امتزج باستياءٍ مكتومٍ على طريقة أضعف الإيمان.. ولم تكن تلك التساؤلات لتجعلنا نغمط الصحوة حقها وفضلها ونشرها لعلوم الشريعة وحلقات التحفيظ، وسعيها الدؤوب لتدعيم الفضيلة والدفاع عن الأخلاق، وأذرعتها الممتدة للدعوة والعمل الخيري.
كل تلك الهواجس والتساؤلات التي تدافعت في أذهان شبابٍ صحويين لم يتجاوزوا الثالثة والعشرين من العمر، كانت مدخلاً لبعض الاستقلال الفكري، والخروج عن ثقافة التواطؤ على المجاملة والصمت تجاه أخطاء الإسلاميين تحت مبرر أنهم (ربعنا).. ورفض التعامل مع المخالفين باعتبارهم خصوماً ومتآمرين وأعداء للإسلام لمجرد اختلافهم في الأفكار أو العقائد.. والتواصل مع الإنتاج الثقافي والفكري العربي والغربي برؤية فاحصة هادئة تَمِيزُ الصواب من الخطأ، بدل أن توضع كل تلك الجهود الفكرية في سلّة المُهملات.
ومع ذلك بقي هؤلاء الشباب يشعرون دوماً أنهم أقرب للصحوة ـ وربما امتداد لها ـ.. ولكن مع إيمانٍ بأن هذا القرب الوجداني يجب ألا يرتبط بانحياز أيديولوجي صارخ تضيع في ثناياه الحقيقة.
* * * *
وبعد أن رويت لك شيئاً من هواجس تلك المرحلة، لا أدري إن كان يسوغ لي أن أقوم اليوم بتصنيف هذه المجموعة على الخارطة الفكرية المحليّة.. إذا ساغ لي ذلك. فأعتقد أن هذه المجموعة بأفكارها ورؤاها هي في صميم الإطار الإسلامي، ولكن تقع على يسار الحالة الإسلامية المحلية.. أي أنها أكثر انفتاحاً من الناحية الشرعية والثقافية والسياسية من مجمل التيارات التقليدية والحركيّة المحليّة.
هي ـ كما أراها ـ مجموعة تلتزم بنصوص الوحيين، وبمرجعية الشريعة، ولا تختلف على الإطلاق في اختياراتها العقائدية مع التيار السائد.. إلا أنها تختلف عنه في بعض رؤاها الفقهية والفكرية والسياسية، وفي تعامله مع المنظومات الثقافية والسياسية الأخرى.. وهذا لا يعني أنها لا تشارك التيار السائد مثلاً في موقفه السلبي من الغرب، وفي قلقه من كثافة التغريب الاجتماعي والثقافي الذي يتعرّض له المُجتمع. ولكنها تصيغ هذا الموقف وذاك القلق بطريقة مختلفة، ربما كانت أكثر هدوءاً، وأقل صخباً، وأكثر ولوجاً في التفاصيل وقراءة للدوافع والأسباب.
وفي ختام إجابتي سأحاول أن ألخص لك شيئاً من أفكار هذه المجموعة ورؤاها، وإن كان باختصار يشوبه بعض الخلل رغبة في عدم التوسع أكثر.. هذه المجموعة تسعى لـ:
ـ بذل الجهد في القضايا الكبرى، قضايا العدالة، والحقوق، والمشاركة الشعبية في القرار السياسي، ودفع مشروعات التنمية بالاتجاه الصحيح.
ـ الانفتاح الشرعي ـ نظرياً وعملياً ـ على أقوال المذاهب والعلماء المُعتبرين، والتسامح حيال التنوّع الفقهي. حتى لا يكون المجتمع أمام خيارين اثنين، إما الأخذ بالرأي الذي ينزع إلى التشدد الفقهي، أو الانحراف عن الشريعة.
ـ الانفتاح الثقافي، وكبح جماح الاندفاع الغوغائي نحو التسفيه والتجريم والتخوين، وتعميق القراءة الواعية للمنتجات الثقافية والفكرية والفلسفية، لنستطيع التمييز بين الخطأ والصواب، وذلك بهدف الاستفادة من الأفكار الخلاّقة سعياً لتطوير منظومتنا الثقافية كي تساهم في إيجاد حلول حقيقية لأزمات التخلف، والتعليم، والتنمية، والاستبداد، والفساد المالي والإداري، والتدهور الحضاري بوجهيه المادي والقيمي.
ـ توجيه الاهتمام ـ على مستوى المؤسسات والحركات وربما الأفراد ـ بالمشروعات العمليّة على جميع المستويات الثقافية والسياسية والإعلامية والاجتماعية والتربوية.
ـ إدراك المسار الكوني للعالم، وفهم طبيعة التحولات العولمية التي يشهدها المجتمع الدولي، وفي أي اتجاه تسير.. وعندئذٍ بدلاً من الانشغال في المُمانعة والمجابهة التي لم ولن ينتج عنها شيء، بذل الجهد في توظيف هذه التحولات وتبيئتها لتتواءم مع منظومتنا الثقافية، بل واستغلالها لتعميق قيمنا وهويتنا وترويج ثقافتنا في العالمين.
* * * *
ويمكن أن ألخص لك كل تلك الهموم والتصورات والمَطالب بجملة واحدة هي: (نهضة المُجتمعات المسلمة)، أو (النهضة بشرط الإسلامية) كما يعبّر الشيخ عبدالعزيز القاسم.. لذا ليس ثمة توصيف أكثر دقة من وصف هذه المجموعة بـ (التيار الإسلامي النهضوي).. علماً أن (مركزية النهضة في الخطاب الإسلامي) هي ليست حكراً على هذه المجموعة، بل هي همٌ يشغل كثيراً من العاملين في الإطار الإسلامي داخل السعودية وخارجها.
وبالطبع أن النهضة المرجوة ليست فقط بوجهيها السياسي والاقتصادي، بل كذلك بوجوهها الثقافية والاجتماعية والتربوية والأخلاقية أيضاً.
أتمنى أن أكون استطعت توصيف شيءٍ من أفكار هذه المجموعة وتصوراتها وهمومها.
س/ لم لا تنطلق برامج تعاونية بينكم وبين بعض أساتذة الشريعة ممن يقاربونكم بالرؤى والمنهج، هل الانفصال عن التيار الديني الغالب مفيد بهذا الشكل ؟؟هل تعتقدون أنكم مختلفون عن كل العاملين في الساحة من أساتذة الشريعة، وتريدون المضي قدماً دونهم؟
ليس ثمة انفصال كما تُشير، بل هناك تواصل مستمر على مستوى اللقاءات الشخصية أو الثقافية مع عدد من طلبة العلم والدعاة.. رغم أنني لم أفهم سبب تخصيصك لأساتذة الشريعة بالذات من بين كل العاملين في الوسط الثقافي والشرعي.
بالنسبة لي ولكثير من الأصدقاء، فباب العلاقات الشخصية والفكرية مُشرع على مصراعيه.. ولكن قد تكمن المشكلة فقط عند أولئك الذين يُريدون علاقاتٍ مشروطةٍ بالتوافق الفكري، أو يريدون بالحد الأدنى ألا يكون ثمة خلاف حول ما يرونه محسوماً.. وهنا تكمن المشكلة عند البعض.. أما فيما عدا هؤلاء، فليس هناك انفصال.
س/ ألا يُستغرب أن يكون رجل بمثل فكرك ورؤيتك بهذا المنصب الكبير لمجلة حياة أو المؤسسة التي تتبنى المجلة؟ فالمجلة لا تحمل رؤيتكم، بل تتوافق مع الرؤية الدينية السائدة في السعودية.. فلماذا لم يشرع الأستاذ في نقل أفكاره فيها، هل السبب في كونها مخصصة للمرأة؟ أم أن التجارة تقتضي بعض التنازل؟
لا أدري ما وجه الاستغراب أولاً!. وما هي رؤيتي التي تختلف عن رؤية مجلة حياة أو مؤسسة وهج الحياة المُصدِرة لها ثانياً؟!.. بالنسبة لي فأنا أرى أن مجلة حياة تمثل ما أريد تماماً. فهي مجلة اجتماعية بسيطة، تهدف إلى خلق بديل هادف ومفيد وممتع للفتاة، ينافس في سوق المطبوعات النسائية التي لا تضع لقيم المجتمع وثقافته أي اعتبار.. هي مجلة تهدف للترفيه والإمتاع الممزوج بالفائدة والتوجيه القيمي وبأسلوبٍ غير مباشر.. لذا تجد المجلة ممتلئة بالقصص، والمقالات الساخرة، والموضوعات الخاصة بالفتاة، والتحقيقات المليئة بالتجارب الحياتية.. وفي الوقت ذاته لا تكاد تجد في مجلة حياة طرحاً لأفكارٍ ذات صبغة ثقافية أو فكرية. ولن تجد فيها على الإطلاق أي نقاشٍ لأفكارٍ سجالية. وذلك بعكس ما تفعله غالب المجلات المحافظة التي تجدها تتحدث عن التغريب، والعولمة، وتحرير المرأة، بذات التبسيط الذي تتحدث فيه عن الديكور، والمكياج، ومشاكل البنات!.. نحن في مؤسسة (وهج الحياة للإعلام) و (مجلة حياة) كنا أمام مسارين واضحين.. إما أن نناقش القضايا الثقافية كما يجب، وبالعمق المطلوب. عندها ستُطرح هذا القضايا بطريقة تشوبها النخبوية التي لن تكون ملائمة لطبيعة الجمهور المُستهدف.. وإلا فلا داعي لوجودها.. ونحن دون شك اخترنا المسار الثاني.
ثم لا أدري ما المقصود بالرؤية الدينية السائدة.. إذا كنت تقصد رؤية الأوساط الأكثر مُحافظة وتديّناً، فلا أظن أننا كذلك.. لأن مجلة حياة وفق معاييرهم تمثل انفتاحاً قد لا يرتضونه، لكونها تتوسع في بعض القضايا الاجتماعية بشكل لا يتواءم مع رؤى الأوساط الأكثر محافظة. لذا كنا ومازلنا نتلقى على الدوام ملاحظاتٍ في هذا الإطار.. ولكن في الوقت نفسه فإن (مجلة حياة) هي في آخر الأمر مطبوعة محافظة، لا تمثل ـ بمجملها ـ استفزازاً اجتماعياً حتى لتلك الدوائر التي وصفتها بأنها أكثر تديّناً، رغم ما تبديه من ملاحظات بين الفينة والأخرى.
أحسب أنني رسمت بيدي المسار التحريري العام لـ (مجلة حياة) منذ صدورها.. وما يجري في المجلة اليوم يُمثل ما أريده تماماً.. وهذا لا يعني بالطبع اتفاقي على كل ما يُنشر على صفحات المجلة، لأن ثمة بدهيّة صحفية ربما يجدر التأكيد عليها، وتتمثل في أن أي وسيلة إعلامية سيّارة يجب أن تحمل هامشاً من التنوّع ووجهات النظر المتباينة، وإلا تحولت إلى إعلام حزبي يُعبّر فقط عن رأي الجهة التي تديره.
أما ما أشرت إليه من أن التجارة تقتضي بعض التنازل.. فيبدو بوضوح أخي الكريم ـ واعذرني لذلك ـ أنك بعيد عن الوسط الإعلامي.. لأن الإعلام عموماً والإسلامي منه خصوصاً هو اليوم تجارة خاسرة مالياً.. ولا يشذ عن قاعدة الخسارة في الإعلام المفتوح سوى القليل من الصحف والمجلات التي تمتلك قاعدة إعلانية واسعة. وعدد محدود جداً من القنوات الفضائية ـ ربما لا يتجاوز أصابع اليدين ـ من بين المئات التي يكتظ بها الأثير. أما البقية فهي تعتاش على دعم وتمويل من خارجها، لأن مداخيلها ليست كافية.
أما في وسط الإعلام الإسلامي، وفي سوق المجلاّت تحديداً، فأكاد أجزم بأن الخسارة المالية تكاد تشمل الجميع. لذا لن تجد في المجلات التي تصدر حالياً من هو قادر على الاستمرار ـ لأن عدداً من المجلات توقفت عن الصدور ـ إلا تلك المدعومة من مؤسسة خيرية، أو المُعتاشة على تبرعات عشوائية.. وربما كانت (مجلة حياة) هي الاستثناء الوحيد في سوق المجلات المحافظة. ليس لأنها تربح. بل لأنها استطاعت ـ عبر تطوير جيد لقطاعات التسويق والتوزيع ـ أن تحافظ على تساوي المصروف والدخل.. لذا تعمد مؤسسة (وهج الحياة للإعلام) المُصدرة لمجلة حياة على تنويع إصداراتها وفتح مصادر دخل جديدة لتحقيق الاستقرار المالي، ولأن سوق المجلات المحافظة ـ مهما تم تطويره ـ فلن يحقق الاستقرار المنشود.
لو كانت المسألة تجارة وأرباحاً.. لما امتنعت (وهج الحياة للإعلام) عن عدد من المشروعات المُربحة لمجرد أنها رفضت تجاوز إطارها القيمي الذي تبنته، أو لأنها رفضت أن تدفع من تحت الطاولة.
ولو أن المسألة تجارة وأرباح.. لدخلت المؤسسة وبجدارة ـ لكون مطبوعاتها واسعة الانتشار ـ إلى سوق الوكالات الإعلانية الكبرى التي يسيطر عليها لوبي لبناني ماروني يشترط أنماطاً إعلانية لا ترتضيها المؤسسة.
الإعلام المحافظ لا يربح.. ومن أراد الربح فيجب ألا يتورط في سوق الإعلام.. وليفرّ منه فراره من المجذوم.. ولو اتجه لأي قطاع تجاري آخر، ـ ولو كان بيع الخضروات ـ فسيكون طريقه أقصر دون شك لبلوغ غايته المنشودة.
س/ هل حاولت نقل أفكارك إلى التيار المتدين بمحاورة أحد العلماء أو مناقشتهم؟
تجري بين فينة وأخرى ـ ومع أصدقاء عديدين ـ حوارات مع شخصيات لها حضورها ووزنها الشرعي.. وكنت في أحايين عديدة أفاجأ حين يبدي كثير من هؤلاء الأفاضل مرونة عالية في تفهم الأفكار التي قد تحمل بعض الانفتاح.. بل إن بعضهم ربما يبدي موافقته الكاملة على بعض تلك الأفكار.. ولكن لا يخلو الأمر أحياناً من خيبة أمل حين تسمع من ذات الشخص بعضاً من قناعاته المُعلنة وأفكاره المنشورة التي تُناقض تلك التي باح بها في ذاك المجلس.. حينها تشعر أن ذلك الشخص إما أنه كان مُجاملاً لنا في ذاك المجلس. أو أنه خاضع لحسابات جماهيرية وموازنات خاصة لا يستطيع معها أن يُصرّح بأفكاره.. أشعر أحياناً ـ بعد هكذا تجارب ـ أن ثمة انفتاحاً واسعاً عند كثير من الشيوخ وطلبة العلم.. ولكن المسألة لا تعدو أن تكون خاضعة إما لـ "حِسابات"، أو "نقص شجاعة" أو ربما لأسباب أخرى لا أدريها.
س/ الآن المجتمع الشاب لم يعد كـتدين السالفين، هناك أزمة ثقة، وهناك تدين من نمط جديد يُدعم دولياً وإعلامياً, وهناك النمط الإصلاحي النهضوي، هل يرى الأستاذ نواف في هذا غياباً قادماً للتدين السلفي التقليدي؟ فإن كان، فلِمَ؟ وإن لم يكن.. فكيف يقدر الأستاذ دور وحجم التيار السلفي المتدين في الجيل القادم؟!
أزمة الثقة التي تحدثت عنها مُتوقعة.. فالمجتمع الذي يمور بمتغيرات سريعة وجذرية على مستوى الأفكار وأنماط السلوك، لن يبقى ذات المجتمع الذي كان سائداً قبل عقود.. هذا المجتمع بات يجد صعوبة في قبول فتاوى ترى التحريم في مسائل حيوية بالنسبة له، في ذات الوقت الذي يرى فيه عدد من العلماء الكبار عبر الفضائيات وفي النت يرون الجواز لنفس المسائل.
وهذا بالطبع لا يعني أننا مُقدمون على غياب للتيار السلفي التقليدي.. بل في اعتقادي أن هذا التيار سيبقى عميقاً ومتجذراً عند قطاعات واسعة في المجتمع.. ولكنه سيشهد في المقابل انحساراً واضحاً مُقارنة بما كان عليه قبل مرحلة الانفتاح الإعلامي.
ونحن اليوم نلمس بوضوح مقدار التيسير الذي شهده المسار الفقهي عند كثير من الشيوخ وطلبة العلم المحليين، وبالخصوص أولئك الذين صار لهم نشاط إعلامي وحضور فضائي.. وهذا التغيير إيجابي دون شك.. وصار يتواءم مع منظومة فقهية باتت سائدة في العالم العربي، كنا نعتبرها سابقاً مُفرطة في التيسير.
التيار السلفي التقليدي سيبقى واقعاً تحت ضغوطات عمليّة حادة.. فنزعة الأخذ بالأحوط، وعدم الاعتبار لطبيعة التحولات الجذرية التي يشهدها المجتمع، والاكتفاء بالتنظير الفقهي بعيداً عن محاولات إيجاد حلول واقعية عبر مشروعات عملية، سيجعل الناس أمام خيارين اثنين، إما الالتزام بالقول الفقهي المحلي السائد، أو تجاوزه والاتجاه للخيارات الفقهية المتاحة في العالم العربي، وعند شخصيات شرعية محلية بدأت تأخذ منحى التيسير.. والنتيجة الطبيعية لذلك هو تقلص دائرة المرجعية الشرعية السلفية المُحافظة، لصالح مرجعيات شرعية أخرى.
أعتقد أن التيار السلفي التقليدي أمام خيارين.. إما أن يتطور.. أو يتقلّص.
أما الحديث عن "تدين يُدعم إعلامياً ودولياً".. فأعتقد أن التدين الذي يُفضله المُجتمع الدولي هو التديّن الانعزالي، منزوع الأسنان، ذاك الذي يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.. ولك حينها أن تتساءل: ما هو التدين المُفضل لأي سُلطة في العالم الإسلامي، وللدول الغربية أيضاً.. أظننا سنصل إلى نتيجة واحدة، تتمثل فيما يُطلق عليه إعلامياً (التديّن غير المُسيّس).. لذلك لا يرى كثيرٌ من خبراء الحالة الإسلامية في الغرب أي فرقٍ بين القاعدة والإخوان المسلمين.. لأنهم يعتبرون أن كليهما نتاج رؤية إسلامية مُسيّسة.. لذا لا ترى كثيراً من الدوائر الغربية مشكلة في التصوّف مثلاً، ولا في التيارات الدينية التقليدية المُقربة من السلطة، بما في ذلك السلفيّة الرسميّة.
س/ ألمس فيك حدة واضحة في نقد الليبراليين.. البعض يرى أنك تمارس هذا الفعل بدافع مغازلة السلفيين والتأكيد على اختلافك الجذري مع الليبراليين حتى لا يضعوك وإياهم في سلة واحدة.. فما رأيك؟ وأيضاً ما هو رأيك بالتيار الليبرالي في السعودية؟
لو كان نقد الليبرالية المحليّة مداره الرغبة بمغازلة التيار السلفي، لكان الأمر أسهل مما تتوقع. ولما كان ثمة داعٍ للحوارات والنقاشات مع عدد من الشخصيات السلفية بما قد يشوبها من سخونة واتهامات وتصنيفاتٍ لا أظنني مستمتع بسماعها.. لو كان نقد الليبرالية مجرد تكتيك مصلحي يهدف إلى مغازلة السلفيين، لكان الأولى والأذكى والأكثر مصلحيّة هو نقد الليبراليين وفق المنطق والأرضية السلفية.. على الأقل إذا سقطت أسهمك عند الليبراليين، فإنها سترتفع عند السلفيين.. هذا هو المنطق المصلحي يا سيدي.. وما يجري خلاف ذلك.
المشكلة مع التيار الليبرالي لا تنحصر في كونها خلافاً ثقافياً مع منظومة فكرية تحمل بعض التقاطعات والاختلافات مع مُسلمات شرعية، بل المشكلة الأكثر إلحاحاً مع هذا التيار، أن ليس له من الليبرالية إلا الاسم، وربما بعض التصورات حول التحرر الأخلاقي ليس إلا.
كنت دائماً أقول: ليت التيار الليبرالي السعودي التزم بالأصول الفلسفية للنظرية الليبرالية على وجه الدقة، تلك التي تدعو للوقوف في وجه الاستبداد، وتسعى من أجل الحقوق والحرية الفردية، وتناضل من أجل حق الشعب في اختيار السلطة ومراقبة أفعالها.. على الأقل سيكون لهذا التيار حينئذٍ وجه إيجابي، في مقابل الوجه الآخر المرتبط بالتحرر الأخلاقي.
لكن المشكلة أن التيار الليبرالي السعودي هو ـ في غالبيته ـ يسترخي بأمانٍ داخل معطف السلطة، ومن موقعه ذاك يمارس كل الموبقات المُناقضة للفكرة الليبرالية. فهو يدافع عن الظلم والاستبداد السياسي، ويمارس التحريض الأمني ضد خصومه الإسلاميين، ويقف ضد حرية التعبير إذا كانت في صالحهم، وتجد أن أفراد هذا التيار مستعدون لأن يعزفوا أسبوعاً على وتر خطأ بسيط لهيئة الأمر بالمعروف، أو لأجل كلمة عابرة قالها أحد دعاة الصحوة، وفي ذات الوقت هم غير مستعدين لكتابة سطر واحد ـ في أي منتدى مفتوح ـ عن المعتقلين السياسيين، أو عن صفقات المال المُهدرة، أو عن حق الشعب في المشاركة بالقرار السياسي.. لذلك غدت الصورة الذهنية لليبرالية السعودية في المجتمع، أنها مجرد دعوة للتحرر الأخلاقي ليس إلا. ولن يجد من يتابع الصوت المُرتفع للتيار الليبرالي في الصحف والمنتديات والفضائيات إلا الوصول إلى هكذا نتيجة.
بل وغدا حتى الموقف من التيار الديني عند بعض الليبراليين مرتبطاً بأجندة السلطة. لذا يقوم هؤلاء البعض بالدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في ذات الوقت الذي يتهمون فيه حركة الإخوان المسلمين بالتطرف والغلو (أياً كان الموقع الفكري للشخص، فلا أظنه يسوغ إنكار حقيقة أن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هي أكثر محافظة ـ وبمراحل ـ من حركة الإخوان المسلمين!).
وفي المقابل نجد أن مجموعة الإصلاح الدستوري، التي تتبنى الدعوة للمشاركة الشعبية في القرار السياسي، وإجراء انتخابات، وفصل السلطات، وسوى ذلك ـ وكلها مطالب من صميم الرؤية الليبرالية ـ، نجد أن هذه المجموعة تضم في قائمتها أشخاصاً من غالب التباينات الفكرية المحليّة (الإسلاميين، القوميين، اليساريين)، ولكنك لن تجد في ثناياها شخصاً واحداً محسوبٌ على التيار الليبرالي!.
فضلاً عن أن هذا التيار الذي ظل يدعو إلى الانفتاح على الثقافة الغربية، لم يُصدر من جانبه أي إنتاجات رصينة في الفكر أو في الفلسفة أو في علوم الاجتماع أو حتى في رؤيته للفكر الديني.
وبعد كل ذلك.. هل بقي ثمة مسوّغ يدعو لاحترام ظاهرة الليبرالية السعودية!.
وإذا كان كثير من رموز التيار السلفي المُحافظ يتفقون مع كثير من رموز التيار الليبرالي في الدعوة إلى الطاعة المُطلقة للسلطة، والسكوت عن الأخطاء والمظالم.. إلا أن الفرق الجوهري بين الطرفين يكمن في أن السلفيين مُنسجمون مع تراثهم وأدبياتهم، فهم لم يقولوا يوماً أنهم دعاة تحرر ومشاركة شعبية في القرار السياسي، بل إن أدبياتهم تحثهم على الطاعة والولاء. لذا تغدو المشكلة مع هؤلاء مشكلة ثقافية محضة.. لكن في المقابل فإن التيار الليبرالي يفعل عمليّاً على الأرض كل ما يناقض أصوله النظرية، حتى بات من أشد خصوم فكرة البدء بتطبيق بعض الممارسات الديمقراطية في المجتمع، وذلك خشية من وصول الإسلاميين، وهنا تكمن المُفارقة الأخلاقية!.. لذا أعتقد أن أبرز خصم يقف في وجه تطبيق الفكرة الليبرالية في المجتمع السعودي هو التيار الليبرالي نفسه.
وهذا لا يعني دون شك خلو التيار الليبرالي من شخصيات ناضجة ومُنسجمة مع الفكرة الليبرالية ومُستقلة سياسياً.. ولكن صوت هذه الشخصيات القليلة يضيع دوماً وسط ضجيج الآخرين.
س/ هل تصنف نفسك كإسلامي؟، وإذا كنت كذلك.. فهل أنت سلفي؟
بطبعي لا أجد غضاضة في التصنيف العلمي للظواهر والتيارات. بل وأظن أن هذا الفعل ـ إذا ما مورس بعلميّة ـ يُعد ضرورة بحثية للتقسيم والتمييز بين التيارات والأفكار، أياً كان المستوى المُتبع في التصنيف (عقائدي، فكري، سياسي، حركي ...الخ).
بالنسبة للأفكار التي أؤمن بها ويؤمن بها عدد من الناشطين في الوسط الثقافي، فأنا أضع أولئك المؤمنين بهذه الأفكار في دائرة التيار الإسلامي، أي أنهم إسلاميون صميمون، باعتبار أن التصنيف بالإسلامية يشير إلى أولئك المؤمنين بمرجعية الشريعة، وحاكميتها على الحياة بكل شؤونها (التعبدية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية)، وإن اختلفت الاجتهادات وتباينت الرؤى في طريقة تفعيل النصوص وتنزيل الأحكام على الواقع.
أما بالنسبة للسلفية.. فنحن سنكون دون شك أمام مشكلة تعريف.. إذا كانت السلفية هي تقرير مسائل عقائدية في (التوحيد والإيمان والأسماء والصفات والقدر والصحابة ...الخ) فنحن دون شك سلفيون بهذا المعنى. وإن كان التوصيف الأكثر دقة لهذا المنهج العقائدي هو ما ورد في كتب الأئمة تحت مسمى (عقيدة أهل السنة والجماعة)، أو الإشارة إلى (أهل الحديث) باعتبار تمايزهم في بعض مسائل العقيدة عن الأشاعرة والماتوريدية والكرّامية وسواهم.
أما إذا تمثلت السلفية بكونها منظومة فكرية متكاملة، لها منهجها السياسي، وأحكامها الفقهية، ورؤاها الثقافية، واختياراتها للسلوك الاجتماعي.. فكل هذه الحقول خاضعة للاتفاق والاختلاف، وفي ثناياها كثير من المسائل الخلافية الخاضعة للتباين والاجتهاد.. فإذا كانت السلفية وفق هذا المعنى، فأظن أن ثمة تبايناً واضحاً عنها.
س/ لماذا أنتم يا من تسمون أنفسكم عقلانيين وعصرانيين مغرمون بالظهور الإعلامي والبروز الصحفي وتستمتعون بالجلوس على مقاعد الاستديوهات الوثيرة، وتطربون لنشر صوركم ومقالاتكم على صفحات الجرائد الصفراء وتتضخم نفوسكم عندما يوصف أحدكم بالمفكر والإصلاحي و"الأستاذ الكبير" كما وصفك صديقك ذات مرة؟
لست أدري إن كنت أنا المقصود بهذا الكلام!. أم أنك تقصد شخصاً آخر.
وأعتذر للقراء الكرام مجدداً لأنني مضطرٌ لأن أوضح للأخ الكريم أنني ممتنع عن الظهور في أي قناة فضائية منذ أربعة أعوام، رغم كثافة الدعوات الفضائية التي لا يمضي شهر من دونها. وأنني أرفض حتى دعوات الحوار الصحفية، بسبب الانشغال، ولكوني أضجر من هكذا حوارات ولا أميل إليها. ولولا إلحاح الأستاذ مدير الموقع وعدم قبوله لرفضي المُتكرر لما كنت هنا أيضاً.
أما الألقاب فبطبعي أجفل منها، ربما أكثر مما تتوقع، لذا لم أقبل يوماً أن أوصف بأنني (مفكر) رغم التساهل الكبير في الوسط الثقافي في إطلاق هذا الوصف، وهذا الرفض طبعاً ليس تواضعاً مني، بل هو بسبب شعور عميق بعدم رغبتي بابتذال هذه المصطلحات الكبيرة التي باتت تُطلق على كل أحد ـ وأنا في مقدمتهم ـ، حتى على أنصاف المثقفين والكتاب. وعندما وضع الأستاذ معد الحوار قبل اسمي وصف (مفكر) في اليوم الأول من نزول الإعلان، استأت لذلك وطلبت منه أن يشطبها على الفور، وأن يضع مكانها أوصافاً مهنية لا تبجيلية، كصفة الكاتب أو الصحفي وسوى ذلك.
وحديثك عن الوصف بـ (إصلاحي) فأنا لم أصف نفسي بهذا الوصف في يوم من الأيام (لا كتابة ولا شفاهة). وحتى عندما كنا نُعِد ونوقع خطابات المطالب الإصلاحية، كنت أرفض أن أضع أمام اسمي في خانة التعريف بالأسماء الموقِعة صفة (إصلاحي)، بل كنت أضع في مكانها صفتي المهنية كـ (صحفي)، ولك أن تراجع ذلك، فخطابات المطالب منشورة.
أما وصفي بـ (الأستاذ الكبير) فهو من اختراع الصديق العزيز إبراهيم السكران، حيث وصفني بها في رده على تعليقي على بحث المآلات، وكان وقتئذٍ في نيوزيلندا، فأرسلت له عدة رسائل أرجوه فيها و (أستعطفه بحق الصداقة) أن يقوم بحذفها، لأنني أعتقد أنك حين تُعطي شخصاً ما أكثر من قيمته، فأنت تسيء إليه دون شك. ولكن الصديق إبراهيم لم يفعل، وفضّل أن يستمر في هوايته بكيل المدائح المُفرطة للجميع.
أعتقد أن كثيراً ممن يُطلق عليهم وصف "التنوير" هم زاهدون في الإعلام والظهور، ولك أن تستعرض الأسماء التي ذكرتها في بداية الحوار وآخرين سواهم، لترى حجم ظهورهم الإعلامي مقارنة مع قدراتهم. بل أظن أن ابتعادهم عن الإعلام كان سبباً في تضاؤل تأثيرهم الفكري مقارنة بما يملكونه من إمكانات جيدة.
س/ من يسير على طريقتكم المصادمة لثوابت الأمة هو إما شخص لا يعرف طريق الإصلاح، أو أنه شخص يرغب في منصب ووجاهة على حساب نقد المتدينين ، وأظنكم من أصحاب النوع الثاني؟
كنت أتمنى أن تذكر لي تلك الثوابت التي قمنا بمُصادمتها.. أو على الأقل أن تتأمل لبعض الوقت بتلك الثوابت التي تعنيها.. فربما اكتشفت أنها ثوابتك الخاصة التي نتجت من تنشئة أو من انحيازات ثقافية وفقهية، وأنها لم تكن بالطبع ثوابت الشريعة.
يا سيدي يمكن لأي أحد أن يرى اليوم وبوضوح إلى أين تتجه بوصلة المصالح.. فليس ذلك بالأمر الذي يخفى.. نحن نرى كيف أنك حين تقوم (بوعيٍ) بتغيير بوصلة اتجاهك يساراً ـ وتبيع في ثنايا ذلك ذمتك ـ عندها ستكون أقرب إلى السُلطة، التي قد تضع اسمك في قائمة المناصب والوجهاء، وقد تُصبح بين ليلة وضحاها "كاتباً كبيراً" في أشهر الصحف، وربما تُسكب عليك بعضاً من "شرهات الإعلاميين" الدسمة، وقد تُمنح أيضاً نصف "درزن" من مقاعد الاستديوهات التي تحدثت عنها في سؤالك السابق.. وفي المقابل نرى لو أنك غيرت بوصلة اتجاهك يميناً وفق حساباتٍ محددة، كيف يمكن أن تُصبح "نجماً دعوياً" تنهال عليه المدائح والمحامد، وتُشرع له أبواب المؤسسات الخيرية، والمنابر الإعلامية الخاصة، والرحلات "الدعوية" التي باتت تُقام صيفاً في المنتجعات الأوروبية!، فضلاً عن الشعبية التي ستحظى بها وعشرات المريدين الذين سيُتمتمون بعظمتك على شبكة النت آناء الليل وأطراف النهار.
أما إذا اخترت كِلا الحُسنيين ، وقررت أن تكون (مشلحاً) يسترخي في قصر الأمير، كي يتزلف له ويبحث عن رضاه، فربما فُتحت لك خزائن الأرض، وأُشرِعت لك أبواب الدنيا، ولكن عليك ألا تسأل حينها عن حجم ذاك الذي ستبيعه مقابل ذلك.
هذه يا سيدي هي أقدار مجتمعنا التي نتجرّع كأسها المُرّة منذ عقود.. وتلك هي المسارات الصحيحة للمصالح والوجاهات وتصفيق المُريدين.
ولكن في المقابل، إذا رفضت أن تكون في إحدى هاتين الضِفتين، وقررت ألا تُجامل الإسلاميين في قناعاتك وأفكارك، وأن تنشط في مشروعات الإصلاح السياسي، عندئذٍ لن تكتفي بامتعاض السلطة الذي قد يمتد لمنعك من السفر، وربما إقصاؤك من حقوقك الوظيفيّة، فضلاً عن تطور الأمور وبلوغها حد تغييبك في منتجعات الحاير.. وعلى الضفة الأخرى أنت موعودٌ أيضاً بكثافة الافتراء الذي يمكن أن تلاقيه في المواقع والمنتديات من بعض (دعاة الإنترنت المُقنّعين)، المتخصصين بأداء واجب الافتراء على الناس في سبيل الله!.. شخصياً لم ألقَ سوى نزر يسير من هذه الافتراءات، ليس أقلها أن أوصم بالتعامل مع الاستخبارات الأمريكية!! (افتراء غير محبوك.. أليس كذلك!).. وغيري لقي أكثر من ذلك بكثير.
انظر مثلاً لحجم الشتائم والافتراءات التي يلاقيها على الدوام شخص كالشيخ عبدالعزيز القاسم، المهموم دوماً بتوسيع هامش مُشاركة الفقه في بناء الدنيا وعدم عزله عن دائرة إنتاج الحلول الحياتية لمشاكلنا الضاغطة، كي لا تنفرد الحلول العلمانية بساحة المشروعات التنموية.. فمثلاً حوت مقالة واحدة فقط راجت عنه مؤخراً في النت، أكثر من ثلاثين فِرية، منها (أنه يمثل حالة بين الإسلام والكفر.. وأنه يدعو الناس إلى فكر مآله الإلحاد بالله والكفر والعداء الصارخ للإسلام.. وأن أفكاره تحمل من الكفر ما الله به عليم.. وأنه يدعو لتغيير أحكام شرعية كثيرة لأن الشريعة ليست صالحة لعصرنا.. وأن أهم أولوياته هو العداء لأهل الاستقامة من العلماء وطلبة العلم.. وأنه يوالي الكفار.. وأنه يدعو إلى إسلام أمريكي.. وأن هدفه مسخ عقائد الناس وتمييع دينهم وتذويبه.. وأنه يعمل دراسات ويضع خططاً لهدم الإسلام.. وأنه منتكس ومنحرف ...الخ)، علماً أن كاتب هذه الافتراءات هو شخص معروف، ويُحتفى به عند بعض الدعاة الذين يُثنون دوماً على (جهاده النتي)!. ولا أظنه سمع من أحدهم يوماً جملة (اتق الله في أعراض المسلمين).
س/ ما تقييمك لتجربة المجموعة المهتمة بالإصلاح السياسي الدستوري التي يقف على رأسها د.عبدالله الحامد ود.متروك الفالح.. خاصة أنك محسوب عليها؟ هل ترى أنها تستطيع تطوير المجتمع وتحقيق الإصلاح السياسي الذي تنشده؟
أعتقد أن الحديث عن مجموعة الإصلاح الدستوري يجب أن يتناول ثلاثة مسارات مهمة.. أولها هو (أهمية) وجود هذه المجموعة. وثانيها هو عن (جدوى) هذا الوجود ونتائجه على الأرض. وثالثها هو عن (كفاءة أدائها) ومدى قدرتها على بناء رؤية استراتيجية لمسار الإصلاح السياسي.. وسأحاول الإشارة باقتضاب شديد إلى هذه المسارات الثلاثة.
بالنسبة للمسار الأول.. فأظن أن وجود هذه المجموعة يشكل ضرورة سياسية وأخلاقية في المجتمع السعودي. فالحديث عن الأفق السياسي المرجو للوطن، وتوجيه بوصلة الإصلاح السياسي باتجاه بناء المؤسسات والمشاركة الشعبية، وتكوين كتلة وطنية ـ ولو كانت صغيرة ـ تنادي بتلك المطالب، وتُسهم في تمرين الأوساط الثقافية المحلية على سماع تلك المشروعات الإصلاحية، وتُسهم أيضاً في رفع السقف المحلي المُتاح لمطالب الإصلاح. أن كل تلك الأفعال هي شديدة الأهمية في بلد يعيش فقراً في الممارسة السياسية، وخوفاً من أي مطالبات سياسية ودستورية جديّة للسلطة السياسية.
أما المسار الثاني.. فأحسب أن الحديث عن الجدوى العمليّة المتوقعة لنشاط تلك المجموعة الإصلاحية يجب أن يحمل قدراً من الواقعية. فرغم بعض التقدم الذي تُحرزه في ملفات سياسية وأمنية محددة، إلا أنني أظن أن (المجموعة الدستورية) ليست قادرة على إحداث تطوير حقيقي للنظام السياسي، لا حالياً ولا في المستقبل المنظور، وذلك لأسباب عديدة ليس هذا موضع تفصيلها، ربما من أهمها أنها لم تستطع تشكيل كتلة شعبية تضغط في هذا الاتجاه، وبظني أنها لن تستطيع تكوين هكذا كتلة في المستقبل.
وفي المسار الثالث.. فبرأيي أن المجموعة تفتقر إلى بعض الكفاءة السياسية في إدارة مسار المشروع الإصلاحي. ربما يلمس ذلك بوضوح من يتابع مقدار التغيّر السريع في سقف المُطالبات، التي باتت ترتفع كل حين دون أي إطار مفهوم لهذا التصعيد، حتى أن المجموعة في آخر بياناتها طالبت بتعيين (رئيس وزراء) من الشعب!. وبرأيي أن هذه القفزات المظلية باتت تضر أكثر مما تنفع، وستُسهم في تقليل قدرة المجموعة الدستورية في المحافظة على الناشطين معها، فضلاً عن قدرتها على كسب مُناصرين جدد.
مسار المجموعة الإصلاحية ربما يشير إلى إمكانية أن تتحول في المستقبل من (مجموعة سياسية) إلى (مجموعة حقوقية). أي أنها ستكون أشبه بـ (حركة ضمير)، تتحدث عن الانتهاكات السياسية والأمنية، وتقدم رؤيتها للإصلاح السياسي، ولكنها لن تكون معنيةً بدواعي المرونة والحسابات والموازنات التكتيكية المطلوبة في النشاط السياسي، فضلاً عن قدرتها على تطوير النظام السياسي.
بقي أن أشير ـ وبمعزل عن التقييم الفكري ـ إلى أن هذه المجموعة الدستورية تضم شخصيات جليلة ـ في مقدمتهم الدكتور عبدالله الحامد والدكتور متروك الفالح ـ كانت ومازالت تتبنى مواقف أخلاقية شجاعة ومُشرّفة تنطوي على كثيرٍ من النُبل والمروءة، وقدمت تضحياتٍ عديدة، ودفعت ضريبة سياسية أجزم أن كثيراً ممن يتصدرون اليوم للحديث عن (مصلحة الوطن) و (حب الوطن) غير مستعدين لدفع جزء يسير منها إذا ما وضعوا أمام محكّات حقيقية تتطلب التضحية من أجل الوطن.
س/ ألا تعتقد أن المطالبة بالديمقراطية تتناقض مع النظام الملكي القائم في المملكة؟!
بالطبع لا.. لأن من بدهيات الفكرة الديمقراطية أنها قابلة للتطبيق في الأنظمة الجمهورية والملكية على حد سواء.. لذا تجد كثيراً من دول العالم، (غربية وشرقية وعربية) هي دول ملكية وتمارس العمل الديمقراطي في ذات الوقت.
في السعودية يبدو الأمر مختلفاً بعض الشيء.. فالسعودية لم تكن تاريخياً إقليماً جغرافياً موحّداً.. فهي ليست كمصر أو العراق أو الشام أو غيرها من الدول التي كانت ومازالت أقاليم جغرافية موحدة بمعزلٍ عمن يحكمها. فإذا سقط فيها نظام سياسي، قام نظام آخر ليحكم كامل الإقليم.
الجزيرة العربية التي تمثل الدولة السعودية حالياً قرابة الـ 90% منها، كانت خلال أزيد من ثمانمائة عام أقاليم جغرافية وسياسية مُتفرّقة، فهناك الحجاز، والبحرين، والأحساء، ونجد، وعسير، والمخلاف السليماني، وجزء من بادية الشام، وسواهم.. وكانت هذه الأقاليم في غالب مراحلها التاريخية خاضعة لولاءات سياسية متفرقة أيضاً.. ويعزو خبراء الجيوبولوتيك ذلك إلى أن الجزيرة العربية هي ليست منطقة أنهار وسهول خصبة تساعد على توحد الإقليم الجغرافي في كتلة سياسية واحدة، بل إن المساحات الصحراوية وسلاسل الجبال تشكل فواصل طبيعية للتواصل الجغرافي.. لذا فليس هناك تماسك تاريخي للوحدة الجغرافية لهذه المنطقة.
الدولة السعودية استطاعت توحيد هذه الأقاليم المتفرقة داخل الجزيرة العربية وفق سياق تاريخي طويل امتد لأكثر من مائتي عام.
لذا فإن مشروع المجموعة الدستورية قائمٌ على مبدأ رئيس يتلخص في (ضرورة الأسرة السعودية الحاكمة لمشروع الوحدة).. وأن أي غياب لهذه الأسرة يعني تجزئة البلاد.. وهذا المبدأ نتج عن قراءة سياسية محضة، وخبرة وتحليل تاريخي وسياسي للمنطقة، ومعرفة عميقة بالطبيعة السكانية والقبائلية والثقافية للأقاليم المتوحدة داخل إطار المملكة السعودية.. لذا تعتبر المجموعة الدستورية أن هذا الأمر هو أحد المبادئ الرئيسية لعملها، وأن من يختلف معها فيه لا مكان له في هذه المجموعة، لأنه يناقض مبدأً محورياً في رؤيتها.
وأذكر أنه قبل سنتين، وفي لقاء مفتوح لبعض أفراد هذه المجموعة، تحدث شاب بما يناقض هذا المبدأ، ففوجئت برد غاضب وحاسم من الدكتور متروك الفالح قال فيه أن هذه القضية لا يمكن أن تكون محل نقاش داخل المجموعة الدستورية، وأن من لا يؤمن بهذا المبدأ فلا مكان له تحت لافتتها، وليبحث له عن أي لافتة سياسية أخرى.. وذات الكلام كرره عدد من الشخصيات الإصلاحية في المجموعة عبر منابر إعلامية عديدة.
وأكرر أن هذا المبدأ خاضع لرؤية سياسية محضة.. ولا علاقة له بحب أو كره هذه النتيجة.. لأنني أدرك أن كلاماً كهذا قد يُغِضب كثيراً من الشخصيات ذات النزعة الثوريّة التغييرية.. بل وبدا مستفزاً لعدد من الباحثين الذين حاورتهم خارج المملكة، لكونهم يعتقدون أن مجرد رفع شعار الإسلام يكفي لتوحيد الجزيرة العربية. لذلك لم يخلُ الحديث معهم من اتهام لهذه المجموعة الدستورية بممالأة السلطة!. وهنا تكمن المفارقة!.
هذا المبدأ المحوري في رؤية فالمجموعة الدستورية، يجعل هذه المجموعة داعية لـ (الإصلاح) لا (التغيير). وتصب كل مطالباتها ورؤاها السياسية في التأكيد على ضرورة تطوير النظام السياسي ليتضمن مشاركة شعبيّة في القرار السياسي، وفصلاً للسلطات، واستقلالاً للقضاء، ورقابة على المال العام، وسوى ذلك من مطالب باتت معروفة.. ولذلك تنطبق على هذه المجموعة صفة (الإصلاحية) ولا تنطبق عليها صفة (المُعارضة).
س/ هل كل من يوالي الدولة أو الحكومة متزلف وبحث عن مصلحته؟
بالطبع لا.. بل الأصل أن يوالي جميع أبناء الوطن دولتهم ووطنهم. والعمل الإصلاحي الذي يسعى إلى تسديد الأخطاء، ورفع المظالم، ومشاركة المواطنين في القرار السياسي، والرقابة على المال العام، هو من صميم الولاء والحب لهذا الوطن.. أما أولئك الذين يبحثون عن منصب ووجاهة ونفوذ من خلال تبرير التجاوزات القائمة، والدفاع عن كل الأخطاء، وربما الوقوف حجر عثرة أمام الرؤى التي تهدف إلى إصلاح النظام السياسي وتطويره، فهؤلاء يقومون بتقديم مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن، وإن ادّعوا غير ذلك.
ومن ناحية أخرى فليس كل أولئك القريبين من السلطة ومن القرار السياسي، ومن يثنون على الأداء الحكومي، هم شخصيات مهمومة بتحصيل مصالحها على حساب الوطن.. بل على العكس، ربما كان كثير منهم مهمومين بخدمة الوطن وتطوير بنيته الخدماتية، ودفع مشروعاته التنموية إلى الأمام. ويسمى كثير من هؤلاء بـ "التكنوقراط".. لكن على الضفة الأخرى أزعم أن المواطن البسيط بات قادراً اليوم على التفريق بين أولئك المنخرطين في مؤسسات الدولة من أجل العمل والتطوير وخدمة المواطنين، وفي ذات الوقت هم يسعون إلى تحسين أوضاعهم الماديّة والمعيشيّة بطرق مشروعة، وبكدهم وعرقهم. وأولئك المهمومين بالتكسب والوجاهة عن طريق التقرّب والتزلف لأصحاب القرار، والدفاع عن كل الأخطاء، وكيل المدائح للسلطة في الحق والباطل، بل وربما قاموا بتجريم الآخرين واتهامهم بانتهاك المقدسات لمجرد أنهم اختلفوا مع السُلطة وانتقدوا بعض ممارساتها.
س/ يتساءل البعض: إذا كنت تؤمن أن النقد هو عملية مهمة لتطوير التيارات والأفكار كما ذكرت ذلك مراراً ، فلماذا لا تنتقد التيار التنويري أيضاً، ولماذا لا تنتقد أصحابك التنويريين كذلك ، أم أنك تتفق معهم في كل شيء؟!
النقد لم يكن يوماً ترفاً فكرياً. بل هو أشبه بالبوصلة التي تُخبرك دوماً عن المسار الصحيح كي تتقدم إلى الأمام.. والمنظومات التي تخشى النقد، وتتعامل معه بعنف وارتياب، ستتمادى دون شك في ارتكاب الأخطاء، لأنها حُرِمت من ذاك الصوت الذي يقول لها: احذري، أنتِ في المسار الخطأ.
بالنسبة لي، فالنقد لم يكن يوماً حكراً على طرف، ومن يسمح لنفسه ابتداءً أن يقول للآخرين: أن فعلكم ذاك كان خطأً، فيجب أن يقبل بصدر رحب حين يقول له الآخرون نفس الشيء.. هذا على المستوى الشخصي.. أما على مستوى ظاهرة الانفتاح في التيار الإسلامي التي سُميت بالتنوير، فقد مارست نقدها منذ بدايتها، بل وفتحتُ في صحيفة المحايد ملفاً خاصاً لنقد هذه الظاهرة، استضفت فيه بعضاً من أعنف خصومها، وحصل ذلك في العام 2001م، يوم كانت هذه الظاهرة في قمة عنفوانها وانطلاقتها.. وفعلتُ الشيء ذاته في صحيفة الشرق الأوسط، حيث فتحت ملفاً صحفياً آخر لنقد الظاهرة، استضفت فيه عدداً من ناقديها.
وفي ذات الوقت، فقد كتبت عدة مقالات نقدية لأفكار وآراء شخصيات محسوبة على ظاهرة التنوير، وقمت بانتقادهم بالاسم دون مواربة أو تلميح، بل وكنت عنيفاً في نقد بعضهم حين رأيت أنهم ارتكبوا أخطاء أحسبها كبيرة.
أضف لذلك أننا سننشر في الشبكة العربية كتاباً مُهماً جداً خلال شهر ونصف من الآن، وأحسبه سيكون كتاباً تأسيسياً هو الأول من نوعه، لكونه يمثل رصداً وتوثيقاً ونقداً للحراك الفكري والسياسي والإعلامي والديني في المجتمع السعودي خلال ثلث قرن. وفي هذا الكتاب فصلٌ في حدود الثمانين صفحة يتحدث فيه مؤلفه بلغة نقدية صارمة ـ وربما عنيفة ـ عن ظاهرة التنوير التي بدأ صوتها العلني يتصاعد في المجتمع السعودي في أواخر التسعينيات، واستمر بعد ذلك.
س/ هل تعتبر أن النهضة مقصودة لذاتها أم أن الاهتمام بها هو من أجل أنها هي الوسيلة لنشر الدين ورفعة شأنه؟
رغم أنني أوضحت وبشكل تفصيلي رأيي المتواضع في موضوع موقف الإسلاميين من قضايا النهضة في ثنايا مداخلتي التي كانت بعنوان (حكاية المدنية الموبوءة) وكانت تعليقاً على دراسة الصديق ابراهيم السكران (مآلات الخطاب المدني).. إلا أنني سأحاول أن أوجز لك رأيي بأقل قدر ممكن.
أعتقد أنه ليس هناك أحد يعتبر أن النهضة هي غاية بذاتها.. لا المسلم ولا المسيحي ولا الملحد.. بل إن السعي للنهضة يهدف دائماً إلى تحقيق أمر ما.. قد يكون الهدف هو تحقيق المُتعة، أو الرغبة بالتفوق والهيمنة على الآخرين، أو لنشر الدين وحمايته، أو لتحقيق الرفاه والسعادة، أو لأي غاية أخرى.. تماماً كما أن "بناء المنزل" لا يمكن أن يكون غاية بذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الاستقرار والسعادة وحماية الأسرة وسوى ذلك.
وهنا يأتي السؤال.. ما هي غاية المسلم من تحقيق النهضة والقوة للمجتمع الإسلامي؟.. أعتقد أن استقراء النصوص الشرعية سيوصلنا دائماً إلى ضرورة العمل باتجاهين رئيسين اثنين.. أولهما: حماية الدين، والسعي لتعلمّه ونشره.. وثانيهما: خدمة الإنسان، وتحسين ظروفه الحياتية والمعيشية ـ كمثال فقط لأدلة ذلك حديث ابن عباس أن رسول الله قال (من مشى في حاجة أخيه وبلغ منها، كان خيراً من اعتكاف عشر سنين) ـ، ورفع الظلم عن المظلوم، وتحقيق العدالة ـ وكمثال فقط لأدلة ذلك قوله تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) ـ، والتفكّر في ملكوت الله، وسوى ذلك من قضايا تدخل تحت مُسمى (عمران الأرض).
أعتقد أن هذين المقصدين ـ وتدل عليهما عشرات النصوص، وقد أوردت بعضها في مداخلتي التي أشرت إليها ـ هما ما يدفعنا النص الشرعي للسعي العملي لتحقيقهما على الأرض (أي ما يقع خارج إطار الأعمال القلبية والشعائر العِبادية).. وهما مقصود المسلم من تحقيق النهضة.
لذا.. فإذا اتفقت أطياف الإسلاميين على أن الشريعة الإلهية تطلب من المسلم أن يسعى لتحقيق هذين الأمرين (نشر الدين، وخدمة الناس وتحقيق العدالة)، فعلينا حينئذٍ أن نختبر وندرس كل الطرق والمسارات التي يتباين فيها الإسلاميون ويختلفون في سعيهم لتحقيق هاتين الغايتين.
لا أخفيك أن أكثر نصيحة يرددها أصدقاء وناصحون تتلخص في: يجب ألا تخسروا الجميع، ما تمارسونه يجعل ظهركم مكشوفاً لأنكم لستم حلفاء لطرف.
لاخفيك استاذي اني خفت من هذاالنصح
العقيم الذي لايناسب الاصلاح ومحاربة الفساد اين وجد.
الحمد الله ان استاذي نواف لم يتأتر
هذه المقولة وتلك النصيحة يتكئان على حسابات واقعية صحيحة، ولكنها حسابات سياسية ومصلحيّة محضة.. لكن المسألة الإصلاحية لم تكن يوماً مسألة (كسب أنصار وحلفاء)،
ياسلام ابداع
أعتقد أن على من يريد المشاركة في المسار الإصلاحي بضفتيه الثقافية والسياسية، ودون أن يكون مضطراً لمُجاملة أو تودد لطرف ما. فيجب عليه ابتداءً ألا يتوتر من النقد، بل ربما وجب عليه ألا يخاف كثيراً على سُمعته، لأنه قد يتعرض دوماً لقدر من التجريح والشتائم، وربما الافتراء والتحريض.
استاذنا دائماًافكار جميلة لا للنصائح السابقة
وياليت كتاب اخر (اشواق الحرية)
اشكر دائماً.....
من يراهن على المستقبل يكسب والمكسب ان الحرية مكسب لكل كائن بشرى


