هيروين أفغانستان وغذاء غزة وتناقضات أميركا (2/2)
11-3-2010
علي الحمدان / كاتب سعودي مقيم في الولايات المتحدة
وفي كل مرة تضغط فيها إحدى الدول لسن حصار، نجد أن هذا مدعاة لقيام سوق سوداء نشيطة لبيع السلعة التي يكون الطلب عليها عاليا. وهذا ما يجعل أمريكا تحتاج إلى كل هذا الوقت من أجل إتمام بعض الترتيبات المعقدة والعقود البديلة من أجل الانتقال من مستوى إلى مستوى أكبر في مسألة حصار إيران. وهذا بالضبط ما نحتاج معرفته للتمييز بين الحالة الأفغانية والإيرانية من جهة، وحصار غزة من جهة أخرى..

جاء في التقرير السنوي عن المخدرات لعام 2009، والذي أعده مكتب الأمم المتحدة "UNODC"، أن هناك 172 مليون شخص قد تعاطوا مخدرات لمرة واحدة على الأقل.

وبالرغم من أن النتائج المترتبة على تعاطي المخدرات خطيرة، إلا أن هذا الرقم الضخم يدل على أن الاستجابة الدولية لا ترقى لمستوى التحدي. وفوق هذا كله، جاء التحول السياسي الأميركي المرن مؤخرا تجاه مزارع الأفيون في أفغانستان، ليثير الكثير من التساؤلات الجادة التي تبحث في أسباب دخول قضية ذات آثار عالمية خطيرة مثل قضية المخدرات في دائرة المساومة السياسية، في الوقت الذي لم تحظَ فيه غيرها مما دونها من القضايا بمثل هذه المرونة في التنازلات من قبل أميركا والمجتمع الدولي، بالرغم من استحقاقها لذلك.

وهذا التناقض على الظاهر، لا ينحصر في قضية الأفيون الأفغاني، بل يتعدى إلى غيرها بشكل متكرر، وهو ما يفرض علينا في هذا المقال أن نجتهد في طرح رؤية تحليلية من الممكن أن تفسر هذا التناقض.

من وجهة نظري، لا يمكن فهم هذه الإشكالية دون العودة ابتداء إلى عام 1776، وتحديدا إلى أبي علم الاقتصاد الحديث آدم سميث في كتابه ثروة الأمم "Wealth of Nations"، فمنذ الفترة الأولى من بدء ما يعرف بالثورة الصناعية في أوروبا، أدرك الاقتصاديون أن مسألة «ندرة الموارد» لا يظهر على الأفق أنها ستحل، وأنه مهما كثُر الاستكشاف فإنه لن يصل إلى موارد غير محدودة، وهذا ما جعلهم يعتبرونها المسلّمة الأولى من مسلمات هذا العلم. ولذلك، لم تشغل مسألة آدم سميث في كتابه مثل ما شغلته مسألة الكفاءة أو الفعالية "Efficiency" في استثمار هذه الموارد على نحو يقلل من مستوى الخسائر إلى أقصى حد. ولأن الأمر من الأهمية بمكان، ولأن الموضوع يتعلق بالأمن القومي، كانت الدولة في عصر آدم سميث هي مركز الاقتصاد.

فبالإضافة إلى سؤال الفعالية، كانت الدولة هي من يحدد نوعية السلع التي ينبغي إنتاجها ابتداء، كما أنها تحدد آلية التوزيع والكمية التي يحتاجها كل مستهلك في نهاية المطاف. وهذه المركزية للدولة في الجوانب الثلاثة قد استمرت إلى وقت قريب في بعض المناطق حتى سقوط الاتحاد السوفييتي.

كانت هذه المركزية للدولة، وما تسببه من استنزاف الموارد على نحو غير فعال، مصدرَ قلق فكري بالنسبة لآدم سميث، خصوصا أنه يرى من الناحية الفلسفية أن الناس بطبيعة تكوينهم هم أفضل من يحدد مصالحهم الخاصة "Self Interests"، وأنهم يملكون من الدوافع الغريزية القوية ما يساهم في تحقيقها.

وفي الماضي، كان الانطباع السائد أن هذه النزعة لتحقيق مصالحهم الخاصة ستكون مجرد مصدر لسلوك عدواني، لكن آدم سميث وضع حجر الأساس لليبرالية الاقتصادية، وذلك عندما رأى أن انتقال المركزية من الدولة إلى السوق الحرة سيجعل ما أسماه باليد الخفية «Invisible Hand» قادرة على ضبط هذه النزعات الخاصة وتوجيهها لما يخدم الصالح العام والمجتمع من دون تدخل من الدولة.

ففي نظرية اليد الخفية، يرى آدم سميث أنه لو سُمح لكل مستهلك بحرية اختيار السلعة التي يرغب بشرائها، وسُمح لكل مُنتِج أن يبيع ما يشاء وأن يُصّنِع السلعة التي يشاء، فسيتحقق التوازن بين العرض والطلب من خلال سلع ذات نوعية ممتازة وسعر مناسب. والسبب في ذلك يعود إلى أن السعي لتحقيق المصالح الخاصة سيكون عامل دفع لتصرف نافع ورشيد، فعمليات تحسين فعالية وكفاءة الإنتاج ستكون هدف المنتجين لزيادة الربحية عن طريق تقليص التكاليف، كما أن خفض الأسعار سيكون الخيار الوحيد للبقاء في دائرة المنافسة.

وليس هذا فحسب، بل إن آدم سميث ومن بعده تلميذه ريكاردو، يرون أن انتقال المركز إلى قوى السوق الحرة ستبلور ما أسماه الأخير بنظرية الميزة النسبية "Comparative Advantage" ذات الارتباط بسؤال الفعالية.

فمع هذا التحول، فإن كل شركة ستنطلق مما تملك من موارد طبيعية وبشرية لانتخاب المنتج الذي يحقق لها ميزة نسبية في الدائرة التنافسية، وفي المقابل ستقوم باستبعاد إنتاج المنتجات التي لا تحقق لها هذه الميزة النسبية حتى لو كانت الأكفأ في إنتاجها، وهذا يعني أنها ستقوم بشرائها من غيرها إذا كانت بحاجة لها.

ولا يعني هذا أن بعض المنتجات الضرورية لن يتم إنتاجها بسبب هذا الأمر، بل إن هذه المنتجات الضرورية ستكون الميزة النسبية للشركات الأخرى ذات الموارد الطبيعة والبشرية الأقل. وفي المحصلة النهائية، لن تجد شركة من الشركات انطلاقا مما لديها من موارد محدودة أنها غير قادرة على إنتاج شيء يطلب استهلاكه، بل إن كون بعضها أقل من غيرها في مدى ما تحققه من أرباح، سيدفعها لاستثمار نسبة من الموارد في التطوير والاختراع حتى يكونوا قادرين على تغيير خط الإنتاج لصالح مميزات نسبية وتنافسية جديدة.

ولم تمض فترة بسيطة، حتى أحدثت أطروحات آدم سميث والمدرسة الليبرالية الكلاسيكية ثورة ضخمة، ولاقت قبولا واسعا على خلاف ما كان متوقعا في بداية الأمر. وربما يرجع الأمر إلى التوقيت، فتاريخ صدور «ثروة الأمم» يتزامن مع العام الذي خسرت فيه بريطانيا استعمارها لأميركا وأعلنت فيه الأخيرة استقلالها. ولذلك، فإن المناخ كان مهيأً لقبول تحولات جوهرية.

وبالرغم من أن ما طرحه آدم سميث قد أثبت جدواه في تنظيم مستوى التضارب بين المصالح الخاصة في الداخل، إلا أن هذا كان على حساب نقل دائرة الصراع بين الشركات الداخلية إلى المستعمرات البريطانية في الخارج.

ولم تمر مائة عام على صدور «ثروة الأمم»، حتى تزايدت قناعة الاقتصاديين الليبراليين في نهاية القرن التاسع عشر بأن فكرة السوق الحرة واليد الخفية التي أثبتت نجاحها في تحقيق تراكم رأسمالي مرتفع وكفاءة عالية في استثمار الموارد المحدودة في بعض دول الشمال، مثل بريطانيا وغيرها، من الممكن أيضا من الناحية النظرية أن تثبت نجاحها أيضا في دائرة العلاقات الدولية على المدى البعيد، وتنهي مرحلة السياسات الاقتصادية الانعزالية "Protectionism".

وبالرغم من أن هؤلاء الاقتصاديين لم يضعوا سيناريو محدداً للآلية التي سيحدث فيها التحول، ولم يكن عندهم ما يثبت حقا إمكانية أن يحقق الجميع تراكما رأسماليا، إلا أنه يبدو أن هذا الاستشراف منهم في أن تكون الليبرالية الاقتصادية هي التي تحكم نظام العلاقات الدولية، يرجع إلى معرفتهم بأن تزايد وتيرة التنازع بين القوى الاستعمارية لاحتلال العالم لا يملك أسباب البقاء، وبأن تصاعد دائرة الخلافات التجارية الثنائية لا بد أن تكون له نهاية مأساوية.

وهذا ما جعل واحدا مثل وزير الخارجية الأميركي كوردل هل "Cordell Hull" تنبه لهذه الجزئية الدقيقة منذ وقت مبكر، لأنه يرى أن التفوق الكبير لدولته في بعض العناصر من الممكن أن يحقق لها مكاسب كبيرة ومميزات نسبية ضخمة مقارنة بغيرها إذا كانت السوق العالمية مفتوحة أمامها.

وبالرغم من معارضة بريطانيا للأمر في البداية، إلا أن كسب أميركا للحرب العالمية الثانية غيّر قواعد اللعبة تماما، وكانت حاجة بريطانيا وغيرها إلى تمويلات أميركا ضخمة، قادت دول التحالف إلى قبول اتفاقية "Bretton Woods"، وبعد أن انتهت الحرب، تولى المنتصر مهمة تأسيس هيئة الأمم المتحدة ومجموعة من المنظمات الدولية، كما أنه في عام 1947 تم تأسيس «GATT» ببداية متواضعة من 23 دولة، واستمرت حتى 1994، قبل أن يتم استبدالها بمنظمة التجارة العالمية «WTO»، بعد أن انتصرت الليبرالية الجديدة «Neoliberalism»، بقيادة أميركا وبريطانيا انتصارا ساحقا.

وعلى العموم، فبناء على ما ذكرنا قديما في مقال: «لماذا نكره صندوق النقد الدولي أيضا»، فإن كثيرا مما يُعرف بدول الجنوب لم تحقق تراكما رأسماليا حقيقيا بعد استقلالها، بل إنها على العكس من هذا كانت تحقق تراكما كبيرا في ديونها يتزايد عاما بعد عام.

وبالرغم من هذا، كانت أميركا في كل مرحلة من مراحل تطور الخطاب الليبرالي الاقتصادي في القرن العشرين، ومع كل خطوة إستراتيجية، تبشرنا أنها ستصب في خدمة الصالح العام، وبأن الدول الفقيرة ستكون قادرة على تسديد ديونها والمنافسة في سوق حرة مفتوحة مع دول عملاقة! ومع أن الأرقام كانت تفضح عكس ذلك، إلا أن أميركا لا تستحي وهي تشن حروبها على بلد مثل أفغانستان أن ترسل الوعود الكاذبة للشعوب المسكينة بأن هدفها هو تحقيق الحرية والمساعدة على بناء البنية التحتية، وأن ذلك سيكون كفيلا مباشرة بأن تستثمر أفغانستان مواردها البشرية والطبيعية في تحقيق مميزات نسبية والنجاح في المنافسة العالمية.

ولكن كثيرا من الأفغان لم يكونوا بتلك السذاجة التي تجعلهم يصدقون الدعاية الأميركية وحلولها السحرية. ولذلك لم يكن من السهل أن يتنازلوا عن زرع الأفيون في الوقت الذي يمكن استغلال منع زراعته في دول الشمال من جهة، وأن يبلغ مستوى الطلب عليه عالميا أكثر من 172 مليون شخص من جهة أخرى.

ويعلم الأفغان علم اليقين أن استبدالهم هذه المنتج بأي منتج آخر قانوني لن يحقق لهم أي شكل من أشكال الدخل والرخاء مطلقا. ولذلك، لما حاولت أميركا في بداية غزوها تدمير بعض مزارع الأفيون، كانت ردة الفعل تجاهها واسعة، وهذا زاد من قوة التحالف بين بعض القوى الداخلية ضد الخطر المشترك على نحو لم يكن متصورا في وقت مضى. وكنتيجة لهذا الخطأ الأميركي الفادح، تكبدت أميركا خسائر كبيرة عندما ضعفت حالة السيطرة واضطر الرئيس أوباما لإرسال مائة ألف جندي إضافي، وإبداء مرونة كبيرة في فك الحصار على نشاط تجارة المخدرات!

إذا كانت هذه الرؤية من الممكن أن تفسر لنا السبب الجوهري الذي يجعل الأفغان قادرين على فك الحصار نسبيا عن تجارة المخدرات بالرغم من كل ما تسببه من خسائر بشرية وكوارث صحية، فما هي إذن العوائق التي تقف أمام المستضعفين في غزة وتمنعهم من فك حصارهم؟ ألا يفترض، ونحن في عصر يطلق عليه بأنه عصر الحرية والليبرالية والتقدم وتحرير الإنسان، أن تكون مهمة فك حصار غزة وإنقاذ المستضعفين من البشر مسألة بديهية؟ ألا يفترض أنها مهمة تبدو على الظاهر أسهل من مسألة الحصول على مرونة نسبية في قضية زراعة الأفيون وتصدير الهروين؟

في واقع الأمر، إذا أردنا أن نفهم هذه الجزئية جيدا، يجب أن ندرك أولا أن مسألة سن الحصار "Sanction" أو فكه ورفعه، هي واحدة من أعقد المسائل في العلاقات الدولية في عصرنا هذا. والسبب في هذا أن فلسفة السوق الحرة، جعلت المصالح مترابطة بين الدولة وبين كثير من الدول غيرها، ولذلك يصعب جدا أن ينجح الحصار على أي منطقة إذا كان فيها سلعة أو منتجا، مثل النفط، عليه طلب مرتفع جدا من كثير من الدول.

وفي كل مرة تضغط فيها إحدى الدول لسن حصار، نجد أن هذا مدعاة لقيام سوق سوداء نشيطة لبيع السلعة التي يكون الطلب عليها عاليا. وهذا ما يجعل أمريكا تحتاج إلى كل هذا الوقت من أجل إتمام بعض الترتيبات المعقدة والعقود البديلة من أجل الانتقال من مستوى إلى مستوى أكبر في مسألة حصار إيران. وهذا بالضبط ما نحتاج معرفته للتمييز بين الحالة الأفغانية والإيرانية من جهة، وحصار غزة من جهة أخرى.

ففي الحالة الأفغانية مثلا، يعاني العالم من أزمة اقتصادية خطيرة، وليس من مصلحة الدول الوقوف في طريق الاستجابة لهذه الكمية الهائلة من الطلب العالمي الهائل في دولها، مما يجعل أفغانستان مكانا مهما لإنتاج سلعة يشكل تعاطيها لملايين الناس ضرورة ملحّة مثل حاجة الدول لنفط إيران. وأما في حصار غزة، فليس لدى الفلسطينيين ما يطلبه العالم مما يفك حصارهم في سوق العرض والطلب سوى حقهم في أن يساعدهم العالم في إنقاذ أرواحهم.

في يوم الثلاثاء الماضي، يكون قد مر على غزة 1000 يوم من الحصار، ولو استمر الحصار أضعاف هذه المدة، فإن قابلية المجتمع الدولي للحركة والاستجابة ضعيفة جدا، لسبب واحد يكشف حقيقة واحدة: وهو أن النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي من الممكن أن يستميت للدفاع عن تحرير مرور أي سلعة حتى لو كانت مخدرات طالما أن لها قيمة في سوق العرض والطلب، وفي الوقت نفسه، يعجز عن تحرير الإنسان من أكبر سجن وحصار على وجه الأرض. لأننا في زمن ما عادت فيه روح الإنسان مقدسة للأسف الشديد، وهذه لحظة كاشفة عن المأزق الأخلاقي الخطير والوجه البشع لهذا النظام الاقتصادي المادي.


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)

أكتب الرموز الظاهرة في الصورة (ضروري)




تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو