كان المشهد غير مريح بالنسبة إلى إدارة باراك أوباما وهي تواجه أزمة حقيقية مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية، من خلال سناتور ولاية كونيتيكت، جو ليبرمان، ممثل مصالح حزب الليكود ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس بأمانة وثقة شديدة، والذي دعا إلى إيجاد حل سريع للنزاع "العائلي" القائم حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بخصوص بناء المستوطنات واستمرار المفاوضات مع الجانب الفلسطيني يحفظ المصالح الوطنية المشتركة، في مواجهة العدو المشترك الذي يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط وفي العالم، إيران والحركات الإسلامية والوطنية الجهادية المقاومة لمشروع الهيمنة وفرض الأمر الواقع.
فكرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما "عائلة" واحدة تتطابق مصالحهما الوطنية والإستراتيجية هي من نسيج الخيال، عمل ليبرمان وزملاؤه من أنصار إسرائيل دون كلل لتعزيزها وترويجها في واشنطن على مدى العقدين الماضيين.
ومع أن الالتزامات هي في الواقع "عائلية"، فإن مواجهة الأسبوع الماضي بين واشنطن وحكومة نتنياهو قد تكون بمثابة واحدة من تلك الخلافات التي تحدث بين أفراد "العائلة" الواحدة في لحظة من لحظات الغضب، دون المس بالأحكام الأساسية التي تقوم عليها هذه العلاقة، أو التشكيك في مصداقيتها.
غير أن هذه الحقائق ـ رغم كل شيء ـ يصعب في نهاية المطاف تسويتها بالدبلوماسية الناعمة المعهودة أثناء الخلافات "العائلية"، والعودة مرة أخرى إلى الوضع السابق وكأن شيئا لم يحدث، بل تعدى الأمر هذا الوصف، وكان لزاما إعادة التفاوض من جديد على شروط العلاقة القائمة، ينتهي بطريقة أو بأخرى، بالاتفاق على جدول أعمال محدد يعيد صياغة هذه العلاقات بما يخدم الطرفين ولا تكون عبئا على طرف على حساب طرف آخر.
بالتأكيد، فإن إدارة أوباما وحكومة نتنياهو تعملان الآن بشكل محموم لإيجاد صيغة من شأنها أن تسمح لهما تجاوز الحادثة المؤسفة التي بدأت حين نصبت إسرائيل كمينا لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، عندما أعلنت عن خطط لبناء 1600 وحدة سكنية جديدة للمستوطنين في القدس الشرقية المحتلة. وكان بايدن في إسرائيل لتعزيز الجهود التي تبذلها إدارة أوباما لإعادة تنشيط المفاوضات المتعثرة للوصول إلى اتفاق سلام على أساس قيام دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، وهو الهدف الذي رفضت إسرائيل بانتظام تحقيقه من خلال الاستمرار في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1967م وفرض الوقائع الميدانية.
ومرة أخرى، وكما هو الحال عندما طالب أوباما تجميد الاستيطان الكامل من حكومة نتنياهو في عام 2009م، فإن الإسرائيليين سيرفضون حتما أي طلب يناقض خططهم في بناء المزيد من المستوطنات. وبدلا من ذلك، فإن إسرائيل تقترح على واشنطن مواصلة نشاطاتها على أساس تسوية تعتمد على مبدأ (لا نُسأل ولا نُصرح)، ودعم خطابي "نظري" موجه للاستهلاك من أجل التوصل إلى حل على أساس دولتين استرضاء للأمريكيين).
وقد استغرب الوزير السابق للخارجية الأمريكية، جيمس بيكر، من "الوقاحة الإسرائيلية" في هذه الحكومة اليمينية المتشددة، عندما صرح أن دافعي الضرائب الأمريكيين يعطون سنويا لإسرائيل حوالي 3 مليارات دولار، وهو ما يعني حسابيا 1000 دولار لكل مواطن إسرائيلي، في وقت كان اقتصادنا في حالة سيئة، وكان الكثير من الأمريكيين بحاجة إلى هذا النوع من المساعدة إذا جاءت من حكومتهم". وقال بيكر في مقابلة أجريت معه مؤخرا "وبالنظر إلى واقع الأمر، فإنه من غير المعقول أن يطلب من القيادة الإسرائيلية احترام سياسة الولايات المتحدة بشأن المستوطنات".
من المرجح ـ عاجلا أو آجلا ـ أن يسوء الوضع المعقد الحالي ويصبح أكثر ضبابية وغشاوة، وقد دفع هذا بواشنطن إلى مناقشة ضرورة إعادة تقييم الدعم غير المشروط لإسرائيل. كما سمح للرأي العام الأمريكي بالتساؤل عن مسايرة الإدارات الأمريكية وعلى مدى العقدين الماضيين لسياسات إسرائيل التي مكنتها من فرض نظام احتلالي على أراضي محتلة بقوة القرارات الشرعية الدولية، آخذة في التوسع ومن دون حواجز تذكر، وعمّا إذا كانت مثل هذه السياسة متوافقة مع المصالح القومية للولايات المتحدة في المنطقة؟
في عام 2006م، أثر كل من جون ميرشيمر وستيفن والت، وهما من كبار المفكرين الواقعيين في السياسة الخارجية عاصفة من السخرية والتهكم عندما ذكرا في كتابهما المشترك "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية"، أن الأهداف التي ينتهجها الجانبان، في الواقع، هي بعيدة ـ في كثير من الأحيان ـ أن تكون متطابقة، وعلى طرفي نقيض غالبا، وأن أنصار إسرائيل ضغطوا بقوة للدفع بالمصالح الأمريكية لتكون مطية للسياسة الإسرائيلية الخارجية.
كما أن أنصار إسرائيل سخروا أيضا من الاقتراح الذي قدمته ـ من قبل ـ مجموعة دراسة العراق، التي أنشئت في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وقد أشارت إلى أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تحقيق أهدافها في المنطقة دون تسوية عادلة للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بالدرجة الأولى.
وردا على أصوات بعض كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين الأمريكيين، خلال الأسبوع الماضي، القائلين بأن تصرفات إسرائيل'قد تهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة"، فإنه تم عزلها وحصارها حتى لا تأخذ أبعادا أخرى أكثر من اللازم.
ومن أبرز هذه الأصوات "الشجاعة"، صوت الجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة المركزية الأمريكية التي تشرف على حربين في الوقت الحاضر، أفغانستان والعراق، وهو ضابط عسكري أمريكي محنك والأكثر شهرة في جيله، والمفضل لدى أوساط أشرس أنصار إسرائيل، ونعني بهم المحافظون الجدد.
وقال بتريوس أمام مجلس الشيوخ يوم الأربعاء الماضي: "إن القتال المستمر بين إسرائيل وبعض جيرانها يعتبر تحديا بارزا لقدرتنا على تحقيق مصالحنا في القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة".. وأضاف: "إن مشاعر إذكاء الصراع المناهض للولايات المتحدة، هي نتيجة لإدراك الولايات المتحدة أبعاد سياسة تفضيل إسرائيل على حساب باقي العالم، فالغضب العربي من تعثر القضية الفلسطينية يحد من قوة وعمق الشراكة بين الولايات المتحدة والحكومات والشعوب في المنطقة، ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في العالم العربي".
وأكد أيضا أن "التقدم نحو حل النزاعات السياسية في المنطقة، وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، هو مصدر قلق كبير للقيادة المركزية الأمريكية".
أما المُعادين لهذا الخط من المتطرفين الموالين لإسرائيل، فإنهم يفترضون أنه لا يوجد هناك أي رابط بين الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وموجة العداء ضد الولايات المتحدة في العالم الإسلامي. وعادة، يشير هؤلاء بالسخرية إلى الذين يدافعون عن الفكرة التي عرضها بتريوس، وأنه من السذاجة الاعتقاد بأن تنظيم القاعدة قد يتخلى عن الجهاد وعدائه ضد الغرب، إذا قدمت إسرائيل للفلسطينيين الأرض مقابل السلام. فالولايات المتحدة فعلت الكثير من تلقاء نفسها لاستعداء العالم الإسلامي، وأن إنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني نفسه لن يحل تلك الخصومة الأبدية. غير أن المتابعين للقضية يخالفون هذا التوجه، خصوصا في موضوع التوصل إلى حل عادل للصراع الإسرائيلي — الفلسطيني، الذي يبقى شرطا ضروريا، إن لم يكن كافيا، لإصلاح العلاقات بين الولايات المتحدة والمواطنين في العديد من الدول الإسلامية.
وقد رأى آبي فوكسمان رئيس رابطة مناهضة تشويه السمعة، المقربة جدا من إسرائيل، أن "الجنرال بتريوس قد أخطأ عندما ربط التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة وقوات التحالف في المنطقة بالتوصل إلى حل للصراع العربي - الإسرائيلي، وإلقاء اللوم على الأنشطة المتطرفة الإسرائيلية في غياب السلام والمحاباة الأمريكية لها"، وكان استنتاجه: "هذا الربط خطير ويأتي بنتائج عكسية".
وألمح الأمريكي مارك بيري، الذي عمل محللا في الشؤون العسكرية والمخابراتية منذ فترة طويلة إلى الأهمية الخاصة لهذا الأمر في السياسة الخارجية، حيث قال: "هناك مجموعات ضغط مهمة وقوية في أمريكا: الرابطة الوطنية للبنادق، الجمعية الطبية الأمريكية، المحامون واللوبي الإسرائيلي. ولكن لا يوجد لوبي أكثر أهمية وقوة من الجيش الأمريكي"، وأشار أيضا إلى القرار الذي تمّ تداوله في مؤتمر القيادة المركزية الأمريكية في يناير بمشاركة من هيئة الأركان المشتركة بقيادة الأميرال مايكل مولين، وهو اقترح للجنرال بتريوس بخصوص الأراضي الفلسطينية التي مازالت تسيطر عليها إسرائيل، وإدراج مسؤوليتها تحت سيطرة القيادة المركزية الأمريكية.
ويشعر الجنرال بتريوس بالقلق إزاء تفاقم العداء تجاه أمريكا، وفكرة أن واشنطن تحتاج إلى كبح جماح العقيدة التوسعية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وفرض حل سياسي للنزاع مع الفلسطينيين، ليست رواية جديدة عن شخصيات أمريكية متعاطفة ترتدي الزي العسكري، فوزير الخارجية السابق،، كولن باول والمبعوث السابق للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الجنرال أنتوني زيني، كلاهما "طرحا" و"تداولا" و"سربا" تجاربهما الشخصية في المنطقة في سياق عمليات الانتشار العسكري الأمريكي هناك، لحماية الوجود العسكري في المنطقة.
وحتى بايدن، أيضا، وخلال زيارته الأخيرة، نقلت عنه الصحافة الإسرائيلية بأنه وبخ نتنياهو ـ من وراء الأبواب المغلقة ـ على خططه التي يزمع فرضها لتوسيع المستوطنات، محذرا من أنها قد تعرض للخطر حياة الأمريكيين العاملين في العراق وأفغانستان وباكستان....يتبع...


