
أكدت إدارة الرئيس بوش (الأب) أن هناك عواقب مؤلمة وفورية تنتظر إسرائيل إذا واصلت في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب عام 1967م. وبتوجيه من عائلة بوش ووزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، هددت واشنطن بسحب 10 مليار دولار على شكل ضمانات قروض إذا استمرت إسرائيل في استيطان الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكانت النتيجة التي تمخضت عن هذه الأزمة السياسية بين واشنطن وتل أبيب، إدراك هذه الأخيرة أهمية الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والمالي بالنسبة لوجودها واستمرارها في محيط معاد لها، لذا وافق شامير على التخلي عن منصبه وتم اختيار اسحق رابين رئيسا للوزراء في مكانه.
وقد استُقبل رابين ـ حينها ـ في صورة الزعيم المسؤول القادر على اتخاذ القرارات الشجاعة من أجل تغيير مسار السياسة الإسرائيلية في ذلك الوقت، رغم المواجهة المريرة مع المعارضة المتطرفة المشكلة خاصة من المستوطنين، التي تمكنت في الأخير من النيل منه واغتياله.
وإذا أردنا أن نفهم كيف يتعامل الإسرائيليون مع قضية السلام ومتطلباتها، فإنه من الضروري استقراء التاريخ والعلاقات القائمة بين مختلف القوى المتناحرة والمتصارعة في المنطقة منذ عقود طويلة.
قبل سنوات، أمر رابين الجيش الإسرائيلي باستخدام مضارب البيسبول (الرياضة الشعبية المفضلة في أمريكا) لكسر أطراف أطفال الانتفاضة الذين كانوا يرشقون الجنود والمستوطنين بالحجارة في مسعى لتوقيف الانتفاضة التي كشفت زيف وإجرام الحكومة الإسرائيلية معا. بالتأكيد وكما هو معروف، تبنى رابين عملية أوسلو للسلام مع منظمة التحرير الفلسطينية للخروج فقط من المأزق التي كانت إسرائيل غارقة فيه، خاصة من جانبه الأخلاقي.
كانت رغبة الولايات المتحدة في ذلك العهد تشكيل إطار إقليمي يسمى "باكس أمريكانا، مدعوما عربيا. ونظرا لانتهاء الحرب الباردة، أصبحت قيمة إسرائيل كحليف إستراتيجي وحيد في تناقص مستمر، في حين جلبت سياساتها التوسعية، عداء الرأي العام العربي والإسلامي وحتى العالمي، وجعل التناغم مع سياساتها أكثر صعوبة بالنسبة لحكومات المنطقة المتحالفة مع إسرائيل، وهو ما زاد من ارتباك واشنطن.
وكان رابين يعتقد ـ وهو على صواب على الأقل من وجهة نظره ـ أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل على حساب جيرانها من العرب "المعتدلين" قد لا يدوم إلى الأبد. وفي الوقت نفسه، تم إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية بعد سنوات من الهجمات والضربات العسكرية الإسرائيلية، والانشقاقات الداخلية، وتصفية الحسابات، والمتاجرة بالقضية من قبل الأنظمة العربية المتناحرة.
كانت لحظة حاسمة في تاريخ المنطقة، كما أشار إلى ذلك رابين، وهذا للضغط من أجل التوصل إلى حل سياسي مع الفلسطينيين بالشروط المواتية التي تخدم المصالح الإسرائيلية البحتة، من أجل فرض السلام ـ وفق الرؤية الإسرائيلية ـ في الضفة الغربية وقطاع غزة.
تصرف رابين، نابع من أن النتائج المترتبة على الحفاظ على الوضع الراهن يبدو غير قابل للاستمرار. ويمكن قول الشيء نفسه عن رئيس جنوب إفريقيا السابق الأبيض، دي كليرك، الذي اختار التفاوض لوضع حد لنظام الفصل العنصري مع زعيم الأغلبية السوداء وحزب المؤتمر الإفريقي، نلسون مانديلا، بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي أزال المبرر الأكثر استخداما وإقناعا لدى الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية، التي كانت تدعم حكم الأقلية العنصرية البيضاء في الحكم.
وإذا كان ضغط الولايات المتحدة وشبح العزلة التي تهدد إسرائيل، شكلا دافعا قويا لمسار الحل القائم على فكرة الدولتين، فإن تخفيف هذا الضغط، صنع مفهوم جديد "للعلاقات العائلية" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، المتزامنة مع حركة تدريجية لإنهاء عملية السلام ـ المزعومة ـ التي طالت أكثر من اللازم.
وحتى في ذروة عصر أوسلو، الذي رعاه الرئيس كلينتون، حافظ الإسرائيليون على سياسة توسيع المستوطنات. وحاولت المعارضة الإسرائيلية بقيادة ارييل شارون ونتنياهو، إثبات خطأ رابين. وكانوا على قناعة بأنه من الممكن الحفاظ على الدعم الأمريكي من دون تحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية، كما هو مقرر وفق ما يعرف بقوانين الشرعية الدولية وخارطة الطريق والتفاهمات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني والأمريكي والأممي، وذلك من خلال العمل المباشر مع المكتب البيضاوي، والتوجه مباشرة إلى مبنى الكونجرس والرأي العام الأمريكي.
السياسات القمعية التي مارسها كل من شارون ونتنياهو في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهجمات أيلول، دفعتا بإدارة الرئيس جورج بوش الابن لإعادة النظر في الوضع العالمي على أساس "الحرب العالمية على الإرهاب". وهذا، بدوره، أدى بالطبقة السياسية في واشنطن لقبول إسرائيل ليس فقط كحليفا رئيسيا في تلك الحرب، ولكن كأنموذج يُحتذى به في المواقف الصعبة.
في سنوات بوش، أصبحت عملية السلام والحل القائم على دولتين عقيدة راسخة عند الإدارة الأمريكية، وتعاليم لا تقبل النقاش، فهمها جيدا القادة الإسرائيليون (ومؤيدوهم في واشنطن)، مع السعي الحثيث لتحطيم الحركة الوطنية الفلسطينية وتوسيع المستوطنات. في الحقيقية، انتهت عملية السلام بموت سريري لها، بعد سلسلة من الخطوات المتبادلة التي كانت تهدف إلى بناء الثقة للوصول إلى محادثات الوضع النهائي وتنفيذ الحل القائم على دولتين، وهذا عندما جاء ارييل شارون إلى السلطة في فبراير 2001م.
وحتى سحب المستوطنات اليهودية من قطاع غزة في عام 2005م، لم يكن وليد عملية سلام بين طرفي الصراع، بل لم يكن ذلك حتى عن طريق التفاوض أو التنسيق مع السلطة الفلسطينية.
إذ تصور شارون أن انسحابه من جانب واحد قد يكون بديلا عن التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. وقد ذكر كبير مساعدي شارون، دوف وايسغلاس، أن جرعة من دواء "الفورمول" ضروري في مثل هذه الوقفات حتى لا تكون هناك عملية سياسية حقيقية مع الفلسطينيين.
وعلى الرغم من تزايد السخط العربي، لم تستعمل إدارة بوش أي وسيلة للضغط على إسرائيل لإعادة عملية السلام إلى السكة، والحصول على نتائج مرضية لجميع الأطراف دون استثناء، رغم المسرحية الكبرى المكشوفة لعملية "أنابوليس".
ومع بروز إلزامات خارجية لإبرام اتفاق سلام نهائي وتكثيفها، فإن الضغوطات السياسية الداخلية في إسرائيل التي مورست ضدها انهارت هي كذلك. وهكذا، يعيش الشعب الفلسطيني الآن محاصرا وراء الجدار الفاصل الذي يخنق الضفة الغربية من كل جانب وخطوط الحصار المفروض على غزة منذ الحرب.
وقد أظهر القادة الصهاينة وناخبوهم بوضوح، أنهم ليسوا على استعداد للتخلي طوعا عن السيطرة على الأراضي الفلسطينية، طالما لا توجد عواقب حقيقية للحفاظ على الوضع الراهن.
ولكن يصح القول اليوم، إن الوضع الراهن لا يمكن الدفاع عنه ـ أمريكيا وغربيا ـ إلى الأبد، وكل تاريخ الكيان الصهيوني، من بداية عام 1920م فصاعدا، تم فيه تحويل المستحيل إلى ما لا مفر منه عبر تغيير الحقائق على أرض الواقع.

