
في حكم التغلُّب، يضعف الولاء للوطن، لأن درجة الولاء تتأثر بمقدار الحقوق المتاحة. وطالما أنه حتى الحديث الصادق عن أحوال الوطن وقضاياه الكبرى، ممنوع في حكم التغلب وقد يودي بالإنسان إلى حتفه أو إلى هضم الكثير من حقوقه، فمن أين يأتي الولاء الجارف للوطن؟!.
في حكم التغلب، يشيع منطق الغنيمة في النظرة إلى الوطن والمال العـام. وطالما أنه تم الاستيلاء على الوطن بالقوة المسلحة أو وراثته من الآباء والأجداد، فكيف لا تشيع النظرة إلى الوطن وكأنه غنيمة؟! المناصب غنيمة، والمال العام غنيمة، والثروات غنيمة. وكأن الوطن بقرة حلوب من الجائز ـ وقد يكون من الدهاء ـ امتصاصها حتى آخر قطرة !!.
من سنن حكم التغلُّب، سنة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة دعوات الإصلاح التي تلامس خطوط السياسة أو تقترب منها. وبما أننا نتحدث عن سلطة وصلت إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه أو ورثت مُلك الآباء والأجداد أو الشركاء الانقلابيين، فإنه ليس لنا أن نتوقع منها غير انتهاج سياسة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة دعوات الإصلاح؟! والجديد الذي أتاحته تطورات العصر الحديث على هذا الصعيد هو ظهور تشكيلة واسعة من أدوات وفنون القمع والإبادة الجماعية، وظهور أنماط جديدة من الأجهزة الأمنية.
في حكم التغلب وفي ظل سلطات الحاكم المطلقة، يفضي همّ الحفاظ على السلطة إلى الدفع المستمر باتجاه الحد من استقلالية المجتمع واستقلالية العلماء واستقلالية القضاء واستقلالية الإعلام، وذلك من خـلال القوة والإكراه أو الاستتباع وشراء الذمم أو الإقصاء والتغييب.
وبما أن النهوض في النهاية ليس إلا محصلة الحراك المجتمعي الإيجابي فإن حكم التغلب يتحول إلى جهد متصل باتجاه إغلاق بوابات النهوض الأولية. وقد أدت تطورات العصر الحديث على صعيد وظائف الدولة ومهامها إلى السماح بامتداد هذا التغول السياسي إلى كل نشاط وكل ميدان.
في حكم التغلُّب، لا مناص من النيل من سيادة أحكام الشريعة وقواعد العدل والمساواة.
ماذا لو ارتكب الحاكم أو بعض المقربين منه جريمة قتل؟!
إن الوظيفة الأمنية لحكومات التغلب ـ خصوصاً في العصر الحديث ـ تدفع باتجاه الإيذاء الجسدي على نحو واسع ومستمر. بل إن هذه الوظيفة الأمنية هي الرسالة الحقيقية الكبرى التي تسيطر وتؤثر على كل ما عداها.
ماذا لو سرق أعضاء العائلات والعصابات الحاكمة أو اختلسوا؟!
إن هـذا يكاد يحدث بصورة يومية وروتينية، فبيت المال كله خاضع لسلطة تلك العائلات والعصابات، وهم في عمومهم فوق المساءلة والمحاسبة؟!
مـاذا لو وقع أعضاء حكام التغلُّب في أي من المحرمات السلوكية؟!
الكل يعلم أن حياة الترف هي طريق سهل وأكيد نحو ارتكاب المحرمات السلوكية، والانتماء إلى العائلات والعصابات الحاكمة يعد أسرع الطرق وأسهلها نحو حياة الترف. ذلك أنه بعد الاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة والاستيلاء على الخزائن والثروات بالقـوة المسلحة أو وراثة كل ذلك، وبعد أن يكون الحكام قد أصبحوا فوق المساءلة والمحاسبة والنقد وأصبحوا لا ينالون سوى سيلاً منهمراً من الثناء والمديح، فإن النتيجة الطبيعية والمنطقية هي الوقوع في الترف والملذات وحياة القصور والملاهي.
ولا شك أن تطورات العصر الحديث قد سمحت بتصاعد وتعدد صور وأشكال وحجم هذا السلوك، سواء من خلال تزايد أعداد الحكام ومن يرتبط بهم، أو من خلال تنوع وتعدد وسائل الإثراء السريع، أو من خلال تعدد وتنوع وسائل اللهو والترف وسهولة الانتقال والتجوال داخل وخارج الحدود.
في حكم التغلُّب، يصعب تحقيق التقارب والوحدة بين أبناء الأمة العربية والإسلامية. صحيح أن الشعوب لو خيرت فقد تختار التقارب والوحدة، ولكن أين هو الحاكم المتغلِّب الذي يمكن أن يتخلى عن سلطاته وأوضاعه وأوضاع أقاربه وعن كل المغانم والكراسي والخزائن أو يقبل التقليل من صلاحياته والانزواء إلى الظل خلف متغلِّب آخر من أجل قضية التقارب والوحدة!!
هذا شيء لا يجيده حكام التغلُّب ممن وصلوا إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه. هؤلاء إن كانوا إخوة فقد يجيدون عزل وطرد إخوتهم من أجل السيطرة على الحكم دون منازع. إن كانوا أبناء فقد يجيدون قتل أو سجن أو عزل آبائهم من أجل الانفراد بالسلطة. فهل يريد أحد من هؤلاء الذين يضحون بإخوتهم وآبائهم من أجل الانفراد بالحكم أن يقدموا بعض التضحيات من أجل الأمة؟! إن الأمة هي المطالبة بتقديم التضحيات من أجلهم!!
من سنن حكم التغلُّب، سنة التقديس القهري للحكام وأعضاء الطبقة السياسية. وهذه نتيجة ملازمة لهذا النمط من الحكم، سواء عند العرب والمسلمين أو عند غيرهم. إذ ماذا لو أتيح للناس أن يتحدثوا عن مؤهلات وقدرات وإخفاقات أعضاء العائلات والعصابات الحاكمة بحرية وموضوعية؟!
ماذا يعني تقديس الحاكم؟!
إنه يعني أولاً عدم خضوعه للمحاسبة والمساءلة، فهو لا يُسأل عما يفعل، وهذه صفة يختص بها الله تعالى!! فهل وجد منذ نشوء حكم التغلب حاكم يُسأل عما يفعل؟!
هل يُسأل لماذا وليت فلان أو لم تول فلان، ولماذا اتخذت هذا القرار أو لم تتخذ هذا القرار، وأين مال الناس وفيم أنفقته، ولماذا تقيم علاقة مع هذه الدولة أو تلك الدولة..... الخ؟!.
هل يُسأل أي من هؤلاء عن قراراتهم وعن أدائهم وعن إنجازاتهم وعن إخفاقاتهم وعن دخولهم وعن مصروفاتهم وعن سلوكياتهم مهما صادمت كل شرع وكل عرف؟!.
إنهم لا يُسألون عما يفعلون، رغم أنهم يديرون شؤون الناس الكبرى ويتحكمون في حاضر الأمة ويرسمون معالم مستقبلها.
يستطيع الكتاب في البلدان الخاضعة لحكم التغلب أن يسخروا من كل مقدس، وذلك بدرجات ومستويات متفاوتة، وقد لا يؤدي ذلك في الكثير من الحالات إلا إلى تكريمهم والاحتفاء بهم، أما إن قدح أحدهم في حاكمه ولو بصورة غير مباشرة فإن رجس الحاكم المتغلِّب وغضبه سيحلان عليه. وفي ضوء ما أشرنا إليه من أن التقديس يعني في المقام الأول أن يكون الإنسان فوق المساءلة والمحاسبة والنقد، وبالنظر إلى اتساع حجم الطبقة السياسية وكثرة الوظائف العليا ووجود عشرات الدول الوطنية في عالمنا الإسلامي، فإننا نسأل: ترى كم لدينا من المقدسين في العصر الحديث؟!
والواقع أن الأمر لا يقف عند حدود عدم المساءلة والمحاسبة والنقد، ولكنه يتعداه إلى التمجيد والمديح المنهمر آناء الليل وأطراف النهار عبر كل المنابر والأدوات والأجهزة، حتى وإن تعلق الأمر ببعض المهازل والمخازي والفواجـع. لا سيل غير التمجيد والثناء والإطراء، رغم أن الجميع أو على الأقل الغالبية يعلمون علم اليقين أن الأمر كله نفاق وكذب ودجل وارتزاق. وبهذا تصبح حتى الرذائل الخلقية عماد النظام السائد في التعامل مع الحكم والدولة. ولا شك أن بنية حكم التغلُّب ومعظم سننه تصب في النهاية في خانة تعزيز وترسيخ قدسية الحاكم.
في الماضي كان الشعر أهم أدوات المديح، ولا شك أن نسبة كبيرة من شعرنا العربي تصب في خدمة هذا الغرض، رغم أن الجميع يعلمون أن معظمه نفاق ودجل وارتزاق. حتى المواهب تجند وتسخر لخدمة العبودية السياسية!!
في العصر الحديث لم يعد أمر التمجيد والتطبيل والمديح مقصـوراً على الشعراء وفقهاء وكتاب البلاط، فقد ظهرت وسائل الإعلام وأصبح دورها الأساسي هو إعلاء راية تمجيد الحاكم وتغييب الوعي السياسي!!
وحتى إن وجدت بعض أنظمة التغلب التي تسمح ـ لحسابات داخلية أو خارجية ـ ببعض حرية التعبير في الصحافة المكتوبة وإنشاء بعض المنظمات السياسية المعارضة، فإنها تحاصرها في زوايا ضيقة ثم تواجهها بالآلة الإعلامية الرسمية بكل وسائلها ومواردها وأدواتها، فضلاً عن استخدام كافة الأدوات التشريعية والتنفيذية والقضائية لضمان بقاء هذه المساحة في حدود ضيقة وهامشية تسمح لحكام التغلب بالادعاء والتجمُّل الخارجي وبعض التنفيس الداخلي دون وجود مخاطر حقيقية لمثل هذه المساحة المحكومة من كل الجوانب!!.
من نتائج حكم التغلُّب، انتشار الواسطة والمحسوبيات على حساب قيم النزاهة والعدالة والمساواة. وهذا أمر طبيعي. فالناس يشعرون أن قواعد النزاهة والعدالة والمساواة غير متوفرة في هرم السلطة ولا في عموم الطبقة السياسية. يرون العائلات والعصابات الحاكمة تورث الحكم للأبناء وأفراد العائلة أو العصابة وتولي الأقارب والموالين. فكيف لا يلجأون هم إلى الواسطة ويخدمون الأقارب والأصدقاء ما دامت هذه هي القـاعدة المتبعة في شغل أعظم وأخطر المناصب؟!. وهذه صورة أخرى من صور الفساد الأخلاقي العام الذي يشيع في مجتمعات التغلب.
وقد كان هذا الفساد محدوداً وبسيطاً في ظل ظروف العصر الماضي، وذلك لمحدودية دور الدولة ووظائفها وأدواتها ووسائلها. أما في العصر الحديث فسلطات الدولة امتدت إلى التعليم والصحة والعمل والاستثمار والإقامة والتنقل ومختلف الأنشطة الدنيوية.
وحتى في الحالات التي لا تقوم فيها الدولة مباشرة ببعض الأنشطة فإنها تتولى سلطة الترخيص والموافقة والمنع والسحب والعقاب. وفي مجتمع لا تخضع فيه السلطة لاختيار المجتمع ورقابته ومساءلته، وفي ظل غياب الإعلام السياسي الحر والقضاء المستقل، ووجود طبقة سياسية قائمة على العلاقات وتحري الولاء، ومع امتداد سلطات الدولة إلى كل الأنشطة، يتشكل مناخ مثالي لشيوع الواسطة والمحسوبيات والرشاوى والعمولات على أوسع نطاق، وتتحول بعض سلطات الدولة إلى منجم للإثراء غير المشروع.
حتى في التعليم، تنشأ دوافع وفرص الواسطة والمحسوبيات ـ وربما الرشاوى ـ للتخفف من تكاليف التعليم أو للحصول على تعليم جيد. في الصحة تنشأ دوافع وفرص الواسطة والمحسوبيات للتخفف من تكاليف العلاج أو للحصول على خدمة علاجية جيدة. في العمل لا بد من العلاقة الشخصية أو الواسطة للوصول إلى الوظائف العليا، وتنشأ دوافع وفرص الواسطة والمحسوبيات ـ وربما الرشاوى ـ للحصول حتى على الوظائف العادية والدنيا، ثم تستمر ذات الدوافع والفرص حتى على صعيد الترقية والنقل. في عقود المشاريع وتراخيص الاستثمار أو الاستيراد أو مزاولة الأنشطة التجارية والحرفية تنشأ دوافع وفرص الواسطة والمحسوبيات والرشاوى والعمولات للفوز بالعقود والتراخيص ولإزالة العقبات ولضمان التنفيذ أو مزاولة النشاط بأكبر قدر من الربحية وأقل قدر من التكاليف.
والواقع أنه يمكن المضي قدماً لتتبع صور هذا الفساد العام ودوافعه وفرصه على كل صعيد وفي كل ميدان. ومما يزيد الأمر سوءاً أن هذا الاستخدام السيئ لوظائف وسلطات الدولة الحديثة أصبح أبرز وأهم وسائل ترسيخ وتثبيت المكانة والنفوذ والإثراء السريع لأعضاء الطبقة السياسية، ووسيلة اضطرارية أو شبه اضطرارية لعموم أبناء المجتمع لنيل بعض حقوقهم المعيشية والحياتية، وذلك فيما يشبه الحلقة المفرغة التي تخدم الفساد من البدء إلى المنتهى.
وكأن وظائف الدولة الحديثة وسلطاتها لا بد أن ترافقها وسائل وأدوات ضبط هذه الوظائف والسلطات وحسن توظيفها، وإلا تحولت إلى أدوات هائلة للفساد العام اليومي والمستمر والمتصاعد وشبه الروتيني. ووسائل وأدوات الضبط لا يمكن أن تظهر إلا بعد شيوع الإيمان العميق والراسخ بعدم مشروعية حكم التغلب، وحق المجتمع في اختيار حكامه ومحاسبتهم ومساءلتهم. وحين يصبح الاختيار العام هو الوسيلة الوحيدة للمشروعية السياسية، وحين يصبح سيف الإعلام السياسي الحر والقضاء المستقل مسلطان على كل الرقاب، فإن سنناً أخرى غير سنن حكم التغلب ستشيع وتترسخ في المجتمع.
في حكم التغلُّب تزداد قوة الانتماءات والولاءات التجزيئية الخاوية سياسياً، مثل الانتماءات والولاءات العائلية والقبائلية والمناطقية والمذهبية والعرقية. ذلك أنه حين تتم مصـادرة الحقوق السياسية ومنع أو محاصرة التنظيمات السياسية فإن النـاس يلوذون بالروابط التقسيمية غير السياسية، وبذلك تتدنى فرص تطوير الوعي السياسي وإمكانات إعادة تشكيل الأوضاع الاجتماعية وتبقى الفاعلية السياسية مرهونة بأشد أنماط الروابط ضيقاً وأكثرها بدائية، وهما نمط العائلة ونمط العصابة.
وبتجذر واستفحال هذه الأوضاع، تتشكل على الصعيد السياسي المباشر ثقافة انشطارية قوامها الولاء أو العـداء للعائلة أو العصابة الحاكمة، وتتشكل على مستوى عموم الأمة مجموعة من الجزر الثقافية المتنافرة أو المتباعدة التي تحركها الانتماءات الطائفية والمناطقية والمذهبية والعرقية والقوة الثقافية والسياسية المحلية والقوى الثقافية والسياسية الأجنبية.
في حكم التغلب تتدنى وتضمحل فرص شيوع معطيات العلوم الإنسانية حتى في إطار التخصصات التي لا تثير أية حساسيات دينية مثل تخصص الإدارة وما يرتبط به من تخصصات فرعية.
إن الناس يحتاجون لعلم الإدارة في حياتهم الأسرية. يحتاجون للتخطيط والتنظيم والإشراف والمتابعة ودراسة البدائل وحسن اتخاذ القرارات وحسن استخدام الموارد وإدارة الوقت ومهارات الاتصال والعمل الجماعي..... الخ. يحتاجون إلى هذا التخصص في حياتهم التعليمية وفي حياتهم العملية. يحتاجون إليه على صعيد أهم الأعمال والقضايا وأكثرها تعقيداً وعلى صعيد أهون الأعمال والقضايا وأيسرها.
ورغم ذلك، فإن معظم أبناء المجتمعات الخاضعة لحكم التغلُّب لا يكادون يصنفون الإدارة ضمن العلوم، فالإدارة بحسب البنية والأوضاع السياسية السائدة والخطاب الثقافي والإعلامي العام هي نوع من الارتجال والفطنة والفردية والفصاحة وسرعة البديهة. سمات ومؤهلات جزئية تصدق على الشاعر والخطيب والإعلامي وكل من يتصدى للعمل العام أو يخاطب الجماهير.
والصحيح أن في الإدارة شق شخصي تتفاوت فيه قدرات الناس، إلا أن فيها شق علمي ضخم وهائـل يتزايد ويتسع ويتعقد يوماً بعد يوم. وحكم التغلُّب يعوق نمو كل من الشق الشخصي والشق العلمي. إنه يصنع بيئة قامعة للمواهب والقدرات الفردية، خصوصاً تلك التي يتطلبها عمل الإداري والقيادي. إن ذلك الحكم غير مكبل بإرادة المجتمع التي تسائل وتحاسب ولا وجود للتنظيمات السياسية الحرة التي تستقطب الأكفاء والموهوبين وتضطرهم لتطوير معلوماتهم ومهاراتهم الإدارية.
ومن هنا فإنه قد لا يبدو غريباً أن تتجه حكومات التغلُّب في أفضل حالات اعتمادها لمعيار الكفاءة إلى إسناد المواقع الإدارية والقيادية إلى حاملي الشهادات العليا في العلوم العلمية. وهؤلاء مع تقديرنا لتخصصاتهم العلمية يفتقدون إلى أبسط درجات التأهيل الإداري، إلا إن كانوا قد بذلوا جهوداً شخصية لتطوير ثقافتهم في مجال العلـوم الإنسانية عموماً، والعلوم الإدارية على وجه الخصوص. وإن أحب هؤلاء أن يتيحوا الفرصة للأكفاء فإن غياب التنظيمات السياسية الحرة يضطرهم إلى البحث عن مبتغاهم بين الأقارب والأصدقاء والزملاء. هذه هي الدوائر المفتوحة للبحث عن الأكفاء في ظل قوانين حكم التغلُّب.
من نتائج حكم التغلُّب تعظيم وإعلاء شأن ثقافة الاستهلاك. فمع سد بوابة الحراك المجتمعي الإيجابي تتجه الفاعلية والاهتمام نحو صور الحراك المسموح بها، وعلى رأسها الحراك الأدبي والفني البعيدان عن عالم السياسة وما يقرب إليها. وبغياب المشروع الدنيوي الإيجابي تطفو وتتعاظم ثقافة الاستهلاك ويتم دعمها وتضخيمها (الثقافة الرياضية، الثقافة الأدبية، الثقافة الفنية الخاوية فكرياً وسياسياً وإنسانياً)، وتضمحل وتذوي الثقافة الإدارية والسياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية. ولنا أن نتصور الأثر التدميري لهذا الوضـع على شخصية ومستقبل أي مجتمع وأية أمة، وخصوصاً جيل الشباب المليء بالحيوية والاستعدادات والإمكانات.
ذلك أنه بمصادرة الحقوق السياسية، لا مناص من أن تضمحل الفاعلية القانونية والتنظيمية وتختل أو تغيب قيم العدالة والمساواة والشورى وتفقد الكثير من الاهتمامات الدنيوية الجادة بيئتها وجلَّ قواها ومحفزاتها، وتصبح العلوم الإنسانية أقرب إلى التنظير المنفصل عن الواقع. في ظل هذا الوضع ومع تعاظم هيمنة وسطوة حكم التغلُّب خلال العصر الحديث، ترى ما هي الخيارات الدنيوية المتاحة أمام السواد الأعظم من الناس عموماً وجيل الشباب خصوصاً؟!
إنه الرفض والتمرد انطلاقاً من ذات الثقافة التي ينطلق منها حكام التغلُّب والتي تعطي للأفراد حق الوصاية على الأمة، ومن هنا ينبع العنف والصدام التدميري، أو الارتزاق والسير في ركاب العائلات والعصابات الحاكمة، أو السكون والانكفاء وانطفاء الفاعلية الدنيوية، أو الاندفاع نحو الاهتمامات الدينية شبه الصوفية أو الاهتمامات الأدبية والفنية والرياضية والاستهلاكية والترفيَّة بدوافع ولغايات يغلب عليها الطابع التنفيسي والرغبات التخديرية.
وفي تقديري، فإن هذه هي المسارات الكبرى التي اتخذتها وتتخذها سلوكيات عموم أبناء المجتمعات الخاضعة لحكم التغلُّب خلال العصر الحديث: إما الرفض والتمرد الحركي الذي لا يحمل في النهاية سوى ثقافة التغلب وشكل العصابات السياسية (التنظيمات المسلحة)، أو مسايرة الأوضاع القائمة وخدمتها (العلماء والكتاب الرسميون)، أو السكون والجمود (الخائفون على كرامتهم وأرزاقهم وأمنهم واحتياجاتهم الأساسية)، أو الاندفاع البدائي نحو الاهتمامات الاستهلاكية المسموح بها (أهل الاهتمامات الدينية الصوفية وشبه الصوفية وأهل الشعر الشعبي والخيول والجِمال والسياحة الغرائزية ومجلات وقنوات التسلية وقتل الوقت).
هذه هي الأوضاع التي تتخذها شخصية وخيارات وفرص أبناء المجتمعات الخاضعة لحكم التغلُّب، وهي ذاتها الأوضاع التي تسهم في تحديد وبلورة نمط وطبيعة ومستوى تفاعلهم مع التجارب النهضوية الأخرى.
من السنن الملازمة لحكم التغلُّب، سنة الإساءة لعموم الناس والتخويف منهم. إن الخطر الذي يتهدد حكم التغلُّب يكمن في شيوع مبـدأ ولاية الأمة بحيث تكون هي مصدر السلطات عبر الاختيار. ولذلك فإن حكام التغلُّب يحرصون أشد الحرص على إنتاج وإشاعة ثقافة قادحة في أهلية الأمـة، وذلك عبر ربط حركة عموم الناس بالفوضى والفتن والقلاقل وربط صورتهم بجموع الدهماء والرعاع والغوغاء والسذج والقصَّر.
كل هذه العوامل ما هو أثرها على الأفراد والمجتمعات؟! ما طبيعة البيئة التي ينشأ فيها الفرد الخاضع لحكم التغلب، وكيف ستكون نظرته إلى الحقوق والواجبات والسياسة والأموال العامة والمناصب؟! كيف ستكون الأوضاع على مستوى حقوق المجتمع وسيادة النظام والقانون وإفراز الكفاءات وحماية الأموال العامة وإطلاق المبادرات وكل صنوف الإبداع المشروعة؟!
لاشك أن وعي الأمة ينحدر حين تشيع لديها ثقافة التغلب، وأنه ينبغي حينئذ تجنب الفتنة والصبر على الظالمين، فلا جدوى من استبدال عائلة أو عصابة حاكمة بعائلة أو عصابة أخرى. والدماء التي ستسيل ستذهب هدراً وستكرر العائلة أو العصابة الجديدة ذات القصة التي جسدتها سابقتها، وإن انتهى حكم التغلب دون إصلاح ثقافي إيجابي يقود نحو حكم الأمة عبر الاختيار فسيدخل المجتمع في حروب أهلية أو يتجه نحو حكم الطوائف في أفضل الأحوال. أما إذا حدث الإصلاح الثقافي وأصبح بالإمكان استبدال حكم التغلُّب بحكم خاضع لإرادة الأمة ومتولد عن شورى المجتمع فإن المصلحة كل المصلحة في التدافع نحو التغيير والفتنة كل الفتنة في بقاء حكم التغلُّب. إن ذلك الحكم ينطوي على سنن وآليات ونتائج ولوازم يمكن صياغتها في معادلات صارمة.
وبالمثل، فإن الحكم الخاضع لإرادة الأمة والمتولد عن شورى المجتمع ينطوي على سنن وآليات ونتائج ولوازم يمكن صياغتها في معادلات عكسية. هناك ما يشبه الرياضيات في عالم السياسة، إلا أن الوعي العميق بتلك "الرياضيات" السياسية يتطلب وضع ثقافة التغلب تحت مجهر النقد المعرفي الصارم.
وفي تقديري، فإن هذه هي المسارات الكبرى التي اتخذتها وتتخذها سلوكيات عموم أبناء المجتمعات الخاضعة لحكم التغلُّب خلال العصر الحديث: إما الرفض والتمرد الحركي الذي لا يحمل في النهاية سوى ثقافة التغلب وشكل العصابات السياسية (التنظيمات المسلحة)، أو مسايرة الأوضاع القائمة وخدمتها (العلماء والكتاب الرسميون)، أو السكون والجمود (الخائفون على كرامتهم وأرزاقهم وأمنهم واحتياجاتهم الأساسية)، أو الاندفاع البدائي نحو الاهتمامات الاستهلاكية المسموح بها (أهل الاهتمامات الدينية الصوفية وشبه الصوفية وأهل الشعر الشعبي والخيول والجِمال والسياحة الغرائزية ومجلات وقنوات التسلية وقتل الوقت).
لا فض فوك ، لقد لقد قلت الذي في صدورنا ومن يريد ان يتاكد فقط عليه ان ينظر الى الواقع وماحوله من الانظمه الحاكمه المتسلطه الظالمه . ان اسال الذين يدعون تطبيق الشريعه كذا وزورا ؟ اين تطبيق عدل الاسلام قبل قطع يد السارق او قتل من يقاوم الظلم والكبروت والتسلط ، يقولون من اجل الامن ، طبعا امن الحاكم والنظام ومن حولهم من اجل بقائهم وتسلطهم وقهرهم للناس ، اما امن الناس والمواطنين والظعفاء والنساء والصغار فليس لهم اي اهميه ولا احد يسال عنهم الي حيث القت ، يقولون خلوهم يستاهلون رعاع نسوقهم كما نشاء . متى تشرق شمس العدل والحريه والمساواه؟ عسى ان يكون قريبا .
جميل هذا ماأردت قوله في المقال السابق
وهو الأساس لافض فووك
اشهد ان اخي ابراهيم ينطق الحق ويتنفس به
احسنت ايها الكاتب الرائع
شكرا الله لك استاذي هذه المقالات التنويرية الجميلة ، ولا شك أن كلامك في مجمله جميل ويعبر عن هموم الشعوب .
ومع ذلك فأنا أتسائل :
أولا : هل الخضوع جبلة عند الناس ، لأني أشعر بذلك ، فمعظم الناس قابل للخضوع ، ويقبل بحكم الأقلية ، وهذه الأقلية لديه طموح سياسي فتسعى للملك والتغلب ، والبقية يريدون السلامة .
ولولا ذلك لما قامت الدول والحضرات ، لان كل رجل يريد أن تسلط ،وكل قبيلة تريد التسلط ، بل كل رجل في القبيلة يريد أن يصبح شيخ القبيلة ، ولهذا لن يوجد شيوخ قبائل أصلا !!
ثانيا : رغم جمال الحديث عن حق الإختيار خاصة للشعوب ، إلا نجد أنه يكاد يكون مستحيلا في العالم قديما وحديثا ، فالخلفاء الراشدون اختيروا من أقلية حاكمة فاضلة ، وكان صلاحهم هو محور عدلهم ، ولم يكن للشعب المسلم حق الإختيار كشعب وفي ظني هي افضل طريقة للحكم عن طريق أقلية فاضلة وهم أهل الحل والعقد .
وأما حق الشعوب في الإختيار فهي كذبة كبرى.
ربما ستقول لي أميركا ،
وهنا أتسائل هل في أمريكا الشعب يحكم أم أن الحكم محكور على حزبين أو رجلين في كل انتخابات والشعوب مجبرة أن تختار أحدهما !!
ثم قد يكون هناك هامش حرية في الحياة اليومية هناك ، ولكن هذه الحرية تكبت ما أراد النافذون كمسألة معاداة السامية ، وكذكل سياسات بوش التي حدت من الحرية ، فأي شخص قد يعتقل لمجرد اتهامه بدعم الإرهاب خاصة من العرب والمسلمين ، وأصبح العربي يخاف من تهمة دعم الإرهاب أكثر من خوفه من حاكم مسلم ظالم .
مسألة أخرى نجد أن أميركا بصفتها دولة حرية وعدالة وديمقراطية أكبر كيان يهدد حرية الشعوب ومبادئ الناس خارج بلادهم ، وهي تدعم كل يدعم مصالحا وأما مبادئ الحرية والعدالة فهي مزدوجة تبعا للمصلحة العليا .
والحاكم مهما تغير فهناك قوانين وثوابت في السياسة الأميركية لايمكن تغييرها مثل دعم اسرائيل ، فحتى لو تولى أميركا حاكم مسلم فلن يستطيع أن يفعل شيئا لأن هناك تغلب طائفة حاكمة ترسم سياسة أميركا سمها الكنجرس أو مجلس الشيوخ أو الأنجلو ساكسون !!
بالنسبة لي أفضل حاكم متغلب كحكام الخليج واقعيا يعطوننا الكثير من الحرية والمال رغم بعض المظالم والأثرة ولكنها أخف بكثير من حاكم دستوري ديمقراطي كما يزعم في سوريا أو مصر .
حتى في موريتانيا ثار أحدهم على الحاكم المتغلب زعم ، وإذا به يصبح متغلبا ، ويفرض قوانين وسياسات مستفزة للشعب !!
أليس جمال عبد الناصر ثار على الملك فأصبح ملكا أشد ظلما وقهرا لشعب مصر من الملك فاروق !!
ماذا نستفيد من الثورة إذا كانت ستولد لنا حاكما متغلبا جديدا لأن قدر الشعوب أن تخضع لأقلية ،
والخلاصة أن صلاح الحاكم أو المتغلب هو الكفيل برد الحقوق ، وليس الإختيار لأن الإختيار حق غير واقعي في الحياة .
ومعاوية لو لم يتغلب على الحكم سيتغلب عليه آخر سواءا كان قرشي هاشمي أو قرشي آخر أو غير قرشي حتى .
سأفترض أن الخلافة آلت للحسين رضي عنه بصفته الأفضل والأجدر ،
بعد موت الحسين و أبناءه المعتدلين سيظهر لنا أشراف أئئمة فاسدين كغيرهم ، ويصبح الحكم متغلبا وراثيا حتى في بيت النبوة ، وهذا واضح في الحجاز في حكم الأشراف الذي كان معظمه فاسدا ، وحكم أشراف الأردن والمغرب ، وكم سفكت الدماء باسم العلويين !!!.
حتى الشيعة الذين يؤمنون بعمصة الأئمة وحقهم في الحكم والخلافة ، نراهم لا يعطونها لهم في إيران أو العراق !!!
على ذكر العراق التي ثارت على المتغلب صدام .
نشاهد المالكي لا يتزحزح عن الحكم ، وعلى العراقيين الإختيار بين أحد المتغلبين المالكي ا, علاوي او الحكيم .
أين اختيار شعب العراق ؟؟؟!!.
أنا لست ضد الإختيار ولكنه حلم جميل لا يوجد على أرض الواقع طوال التاريخ .
ولو وجد على يد شخص أو شخصين سيأتي الثالث لينقضه والأمثلة كثيرة !!
أنا أعتقد أن مطالب الشعب هو في الأمان والإستقرار للعيش وليس سوى ذلك .
وأما الفساد الإداري والمالي فهو موجود في كل العصور ، وقد يحارب بوسائل كثيرة وليس من بينها السعي لإختيار الحاكم.
فصدام المتغلب كان فساده أقل بكثير من زمن المالكي المختار شعبيا !!!

