العصر: ابتداء نشكر الدكتور عبدالله الحامد على رغبته في نشر عصارة فكره في مجلة العصر، ونقدر اختياره، وقد سبق ونشر بعض الملخصات مما سننشره في العصر، في صحيفة الحياة اللندنية، ونود الإشاره هنا، حتى لا يلتبس الأمر على البعض، أن سياستنا في العصر، نشر المقالات الرائدة، وإن لم نتفق مع صاحبها في بعض ما حوته كتاباته، وقصدنا في هذا هو إثراء عالم الأفكار، وإحياء سنة الحوار وفقه المناظرة وروح التثاقف.
ـ السلفية: نص وأصل هما المقياس وصور أشتات
أ-المعني اللغوي والاصطلاحيان للسلفية:
السلفية لها ثلاثة معان في اللغة: -المعنى الأول:المعنى اللغوي الأعم: السلفية : وصف وثقافي واجتماعي محايد، يشير إلى أن التصورات والتصرفات تعيد إنتاج الماضي، سواء أكان هذا الماضي حسناً أم رديئاً، فهي الاقتداء بالسلف من الآباء والأجداد، آباء الأرواح وآباء الأجساد.
-المعنى الاصطلاحي العام: تقديس تراث اتباع الماضين، التعلق بعادات وأعراف بالآباء والجدود، واعتبارهم حجة على كل جديد، فهي الاتباع دون نظر وعلم، بل عجز عن التجديد ولزوم للتقليد، كما الذي ذمها الذكر الحكيم.فهي رغبة في التعلق بالأموات، ودوران حول ضريح الرفات الثقافي أو الاجتماعي، التي لا تستجيب لمتغيرات الحياة.
ولما كان إنتاج الماضي؛ لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة الحديثة، صارت السلفية مذهبا اتباعيا، ولذلك ترد ذماً للتصورات والتصرفات الماضوية العاجزة عن حل مشكلات الناس الحاضرة.
فالسلفية ـ هنا ـ :(بمعنى الماضوية/ضد المستقبلية) : وكثير من المثقفين يستخدمونها ذماً لاتجاه ثقافي أو اجتماعي أو سياسي، فإذا ذموا هذا الاتجاه أو ذاك قالوا: هو سلفي. ويلاحظون فيها نزعة التقليد، أو الإتباع من دون دليل.
-المعنى الثالث: المعنى الاصطلاحي الخاص وصف عقيدي:فالسلفية: هي اتجاه يعلن أصحابه أنهم لا يرجعون إلى صيغة الإسلام التاريخي، في أي عصر أموي أو عباسي أو مملوكي أو عثماني، بل يعلنون شوقهم المتجدد للتمسك بالإسلام النصي، ويتطلعون لإضاءة دربهم بضوء سراج القرآن والسنة، من خلال مشكاة تطبيقهما النبوية والراشدية، ويحاولون بناء فكرهم وعملهم، وفق هذا النموذج العالي. السلفي بهذا المعنى هو الأصولي هو الذي يعلن أنه ينبذ المستحدثات والبدع ويرجع إلى التطبيقات النبوية و الراشدية، كما جاءت في القرآن وأحاديث الرسول، فالسلفية -هنا- هي"الأصولية"، أي العودة إلى الأصول.فالسلفية إذن تبلورت -نظريا- بمعنى العودة إلى النص، واستنباطه من خلال مسرح تطبيقه الأول.
فالسلفية ـ نظريا ـ هي التي تعلن الإتباع بدليل، فهي إذن حركة تجديد وتأصيل معاً، إنها تعني استلهام الجذور الصحيحة: قولا في الكتاب والسنة، وعملا في سير الرسول والراشدين رضي الله عنهم، وليست عودة مطلقة إلى ما ورث الناس عن آبائهم وأجدادهم، وهذا هو الفرق بين الاصطلاح العام والاصطلاح الخاص.
ومفهوم السلفية يماثل الأصولية، وبينهما فرق لفظي.والذي يعنينا في هذا الكتاب، هو السلفية بهذا المعنى الثالث، وهي السلفية حصر المرجعية بمصباح القرآن والسنة، في زجاجة مشكاة التطبيق النبوي والراشدي، وسنن الله في الإنسان والطبيعة.
ب- نشأة مصطلح السلفية، والجو الذي ترعرع فيه:
أول من أطلق فكرة الاقتداء بالسلف؛ هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وكان خازن بيت المال، لعثمان رضي الله عنهما، فأمره عثمان بصرف مبلغ من بيت المال، لأحد الولاة، ولكن ابن مسعود رأى أن صرف هذا المال للوالي، لا يستند إلى مشروعية، فراجع عثمان فلم يقتنع برأيه، فاستقال من وظيفته، وقال: "من كان منكم مستنا، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفا"، أي أنها الاتجاه الذي كان عليه الصحابة السابقون، فهم الذين أشار إليهم ابن مسعود، المتوفي سنة 32هـ والتابعون لهم بإحسان.
وهذا يدل على أن وصف السلفية ليس محصورا بأمور غيبية ولا روحية ؛ لأن مناسبة قول ابن مسعود؛ كانت في مجال العدل وحفظ مال الأمة، وفي مشروعية تصرف الحاكم في بيت مال الأمة. وهذا يؤكد أن السلفية لاتهون من أركان إقامة عدل الدولة وإسلامها المعتبرة. ويستنبط من ذلك أنه لا يصح إطلاق السلفية على أي اتجاه أو تيار أو كتاب أو كاتب أو حاكم، يهون من شروط عدل الدولة وإسلامها والمجتمع العشرة، وأن أي تصرف يفرق بين شق العقيدة الروحي والمدني؛ ليس سلفيا.
وبذلك تظهر فائدة تثبيت مسطرة القرآن الكريم والسنة، من خلال مشكاة التطبيق النبوي والراشدي وسنن الله في الإنسان والطبيعة، واعتبارها مقياسا وحيدا للعلم والعمل. وصارت الكلمة بعد ابن مسعود عبارة جاهزة، عندما أطلت الروح الصحراوية البدوية والكسروية، بقرونها السياسية والفكرية، فظهرت الفرق السياسية والفكرية كالأموية والخوارج والشيعة والجبرية التي ساندت حكم الجبر والجور.
وتحولت العبارة إلى خاتم، يشير إلى اتجاه محدد، إبان الامتزاج بالثقافات الأجنبية، عندما ظهرت الفرق الفكرية كالقدرية والجهمية، وكانت القدرية رد فعل على الفكر الجبري، فنادت بحرية الإرادة، وظهر فيها معبد الجهني الذي دعا إلى محاسبة الحاكم في المال العام، وقتله الحجاج، سنة 83هـ، كما قتل الخليفة هشام تلميذه غيلانا الدمشقي سنة 120هـ.
وفي محضن القدرية، نشأ المعتزلة، حينما ظهرت محاولة الإجابة عن السؤال الحرية: هل الإنسان مسير أم مخير، ولاسيما في الفكر الاعتزالي، ليقول رموز السلفية: عليكم بإتباع طريق من سلف من الرعيل الراشدي، فإنه هو الصراط المستقيم، أي أنها نادت بالعودة إلى ما كان عليه الصحابة، أي الأصول الثوابت في الكتاب والسنة، من خلل حقل تطبيقهما فوق المسرح الراشدي.
وحينما وصل المعتزلة إلى بلاط السلطان المأمون، وكان منهم عديد من القضاة والمستشارين؛ فحملوه على الانتصار لمذهبهم، رد فعل على ما نال رموزهم، منذ عهد هشام بن عبد الملك وخالد القسري، واستمرأ الخليفة المأمون هذا الاتجاه، تنكيلا بالتيار الذي آزر أخاه الأمين وعمه إبراهيم بن المهدي .
وأسرف المأمون في امتحان الناس في سؤال هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، فجاءت السلفية أيضاً وسطاً لتقول :عليكم بمن سلف من خيار الأمة، وسلف الأمة لم يتساءلوا هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، بل قالوا: القرآن منزل وكفى، وعلى ذلك جاء ما يمكن أن نسميه "السلف العباسي الصالح"، وجاء وصف الإنسان الذي يعلن أنه يقدم القرآن الصريح والحديث الصحيح الصريح، على الرأي بأنه "سلفي" و"أثري"، أي أنه إذا ثبت لديه الأثر أي النص، لم يخرج عن معناه الصريح، الذي تعرفه العرب من أساليبها، فإذا جاء في القرآن الكريم "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"، فسروا الرسول، بأنه النبي، فلم يحملوا النص على غير ظاهره، مادام ظاهره مقبولا في السياق اللغوي، و لم يفسروه بالعقل، كما فعل المعتزلة.ولكنهم لم ينكروا المجاز -كما يتصور بعض الناس- عندما قرأوا قول الله تعالى: "وسع كرسيه السماوات والأرض"؛ فسروا الكرسي بالعلم والسلطان، لأن ظاهره غير مقبول في السياق اللغوي، ولا بد من أن يكون الكرسي مجازا.
وأكثر النصوص، التي ثار حولها النقاش، كانت في شق الشريعة الروحي الغيبي، كأسماء الله وصفاته، وصارت الفرق التي تأثرت بالفلسفة الأجنبية التجريدية تحاول أن تتصور البارئ، من خلال إطار الفلسفة التجريدية، فتؤول الآيات، حتى تعطل مدلولاتها، ولذلك جاءت السلفية أيضاً تعلن الالتزام بفقه الكتاب والسنة، وفق فهم الصحابة في هذا الجانب في ما أعلنته، و إن لم تلتزم بذلك في كافة فكرها ومواقفها، ولنقول عن آيات الصفات: "أمروها كما جاءت"، دون تعطيل ولا تأويل.وجاءت كلمة الإمام مالك رحمه الله، بلورة للمنهج السلفي ـ في المجال الغيبي ـ لمن سأله عن معنى قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى"، فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب"، أي ليشغلكم التفكير في مخلوقات الله، عن التقعر في صفاته وذاته، لأنها لا يترتب عليها عمل. ملف المادة علي هيئة ملف وورد (263 كيلوبايت)
1 - شكر38 - نتائج تلبس النزعة الصحراوية بالإسلام، التوجس الديني من علوم:العقلانية والمنطق والفلسفة والتقنية49 - السلفية الوسطى
السلام عليكم و رحمة الله
شكرا لمجلة العصر و للأستاذ عبد الله الحامد، أظن أننا بحاجة لقراءة هذه الأفكار. وفق الله الجميع
جزاك الباري خيرًا يا كاتبنا العزيز , تحليل أكبر من رائع وجميل فأنهئك عليه ,,,
اعترف لكم أنني في كثير من الاحيان لاأفهم معارك الحامد الفكرية بقدر ماأفهم معاركه السياسية .. فهو هنا يضعنا بين سلفيتين "سلفية العدل عديل الصلاة" والنموذج الثاني "سلفية الصبر على الطغاة ماأقاموا الصلاة" .. وهذا الاساس الذي أقام عليه دراسته يحتوي على تناقضين واضحين: أولهما أن الذي شرع لنا أن العدل عديل الصلاة هو الذي شرع لنا الصبر على الطغاة ماأقاموا الصلاة, فكلا هاتين القاعدتين مستندتين الى نصوص الشارع .. وكلاهما جزء من "قواعد المنهج السلفي" .. ومامثلنا ومثل ابي بلال هنا إلا كمن يقول إما سلفية القرآن أو سلفية السنة, بينما القرآن والسنة كلاهما جزء من المنهج, لاغنى لأحدهما عن الآخر, فضلاً عن أن يكونا متعارضين...
أما التناقض الثاني فهو افتراض ابي بلال أن "الصبر على الطغاة ماأقاموا الصلاة" يعني عدم الانكار عليهم والسكوت عن انحرافاتهم وتبرير الخلل الذي يرتكبونه وتخذيل المصلحين, وهذا كله ليس بصحيح, فإن الصبر على الطغاة ماأقاموا الصلاة قاعدة نبوية ليس المراد منها ترك الانكار والاحتساب والاصلاح والصدع بالحق, وانما المراد من القاعدة ترك الخروج المسلح لأخطاره الكثيرة على السلم الاجتماعي, وهذا معنى صحيح يقرره كل المفكرين المعاصرين .. فأتمنى من أبي بلال أن لايضيع المعاني الصحيحة التي يتبناها سياسيا بجعلها تتعارض مع بعض قواعد الشريعة وهي في الحقيقة لاتتعارض معها .. في اعتقادي أنه بهذه الطريقة سيخسر الكثير من الانصار والمحبين.
استمتعت في البهلوانية الكتابية
والتفنن في تحليل المواقف ولكن الذي اثرى مخيلتي ماقاله الاستاذ خالد بوسبيت
فالكتابة ابداع والناتج ثمرة ابداع
ليست نتاج حرب فكرية وصراع داخلي
صراحة لم اعد اطيق هؤلاء المتسلفسون ولا حديثهم المستحمق لعقول الناس
لاادري كيف يجرأ احدهم في هذا العصر التي وصلت فيه الدول المتحضرة لسن قوانين في حفظ حقوق الحيوان بكلام"وان جلد ظهرك واكل مالك"
اعانك الله يا د.عبدالله عليهم
سيدي لا يمكن ان اصف مقدار الدهشة ولا السعادة اللتان شعرت بهما وانا اقرا عنوان كتابك الجديد السلفية الوسطي حيث منذ ان تعرفت عليك من خلال كتابك المهم في حفظ القران الذي تابعته عبر صفحات الحياة اللندنية في عام 1999م حيث كنت اقص الاعمدة وارباع الاعمدة واعيد لصقها علي ورق ابيض واصورها حتي جمعت كامل الكتاب وشعرت انني امتلكت شيئا عزيزا وودت لو انني استطيع مقابلتك لانهل منك مباشرة ولكن للاسف غادرت المملكة ولم اعد فبحثت عنك وعن الكتاب فلندم اجد الكتاب ولكن كان يحزنني ان اعرف اخبارك منقولا من سجن لسجن ومن فصل من العمل لكثير من المضايقات حتي وجدت الكتاب اليوم 27/8/2007 فكان ان انزلت الكتاب وارسلته فورا الي صديق يهتم بمثل ماتهتم به من تصحيح للمفاهيم ومن نهضة لهذه الامة التي تكالب عليها ابناؤها وحملوها من الاوجاع والمعاناة ما لو تعرضت لغيره امة من الامم لانهارت وزالت لولا النفحة القرانية التي اردتها في كتابنك الاول نفحة بانية دافقة دافعة كما كانت في الجيل الاول سيدي انني اكتب لك من فلسطين واستسمحك عذرا ان قدر ت علي طباعة كتابك الاخير السلفية المتوسطة ان اطبعه ونحن هنا من احوج الناس لسداد الرؤية والراي حيث مركزية الصراع الكوني بين الخير والشر المطلق متمثلا في الصهيونية السياسية وكل امتداداتها في المحيط الاقليمي والدولي .سيدي هل يمكن لكم ان تبعثوا لي كتابكم الاول عن حفظ القران واي كتابات اخري لكم بريدي هوd.mahmoud@hotmail.comوبعد فاستودعك الله الذي لاتضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله.د.محمود احمد
احترمك ياحامد لكن كلامك غير مقنع وفيه شئ من النقدالعقلاني المحض لذي يخالف مبدأالتلسليم لنصوص الشريعة دون الدخول في هذا الاطار الفلسفي الذي لامعنى له الا التكلف ا البعيد والافتراضات المنطلقة من روح الهزيمة أمام الغرب المتطور وشكرا
الدكتور الحامد..أهم شخصية سعودية في العشر سنوات الأخيرة
فبعد معاركة السياسية هاهو يدخل الى المناطق المحرمة شعبيا,وأن كنت قد قرأت شيئا من هذا للدكتور في السابق الا انة اليوم بجمعها في كتاب ..أعانك الله دكتور عبدالله
تحباتي وتقديري
وفقك الله يا د. عبدالله فلقد وصل الحال ببعض حكام الدول الاسلامية بأن يجمعوا ويصدرواالفتاوي التي تقول (ولو جلد ظهرك) وذلك عبر فروعهم من المتمشيخين.
لا نقول الخروج ولا المبارزة ولكن كلمة الحق وسؤل الحاكم عن ما يخص الشعب حق من حقوق الشعب العادية.
في المقال ترجمة ل(اكبر الجهاد كلمة حق عند سلطان ظالم).
نسأل الله العلي القدير أن يعز الاسلام والمسلمين
شكر لك وللمجلة،،،
أتسائل :
هل هي دعوة جديدة للتمرد على النصوص الشرعية التي لا توافق الهوى والرغبات الشخصية؟
عبارة (وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) جزءمن حديث نبوي فكيف يتم التهجم عليها بهذا الأسلوب الرخيص؟


